الكتاب.. من القدسية إلى العبثية ومحدودية الصلاحية

بقلم:

new-article4_31-10-2016

مما كتب لنا في التراث الإسلامي بأن إحدى تفاسير النص القرآني: “ن والقلم وما يسطرون” إن أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق “النون” وهي: الدواة، وقيل الحوت، ثم قال له: اكتب. قال وما أكتب فقال له كل ما تخبئه الأقدار إلى يوم القيامة.. بالتأكيد القسم بالقلم له دلالاته في فك ألغاز كثيرة بشأن الكلمة التعبيرية التي انطقنا بها الله.. وقد وعى لذلك الكهنة بمختلف ما اتبعوه من أديان. فقد تعلموا الحرف والكتابة وقراءة النص الديني المقدس والذي حاولوا كثيرا احتكاره بداخل معابدهم المرهوبة المعزولة.. فمنهم من اعتزلوا في صوامع بعيدة وأحيانا جعلوا الوصول إليها بطرق وعرة ليحتفظوا ويحافظوا على النصوص المقدسة. إلا أن الحفاظ عليها ليس بشرط الخوف عليها.. بل في أحيانا كثير ة كان الخوف من إطلاع العامة على أسرار الكلمة والكتابة ومنافستهم في تفسيرها وفهمها.  وقد زادت حساسية فقهاء الدين لكتم أسرار الكتابة المقدسة “الدينية” بعد أن ارتبطت مصالحهم الاقتصادية باحتكار فك نصوص وطلاسم الكتاب المقدسة.  وقد تعمقت المشكلة وتفاقمت بعد أن تمت عملية التزاوج مع السلطة!!! ومازالت تتكرر عندنا ليومنا هذا مصطلح “طاعة ولي الأمر” الدكتاتور الظالم!!! إلا أنه علينا أن نحرر عقولنا من شكل القلم والمدواة فالحياة المعاصرة اثبتت بأن اللمس إحدى وسائل الكتابة بل وفي مساحة لا تتعدى 1 سم2 يمكن تدوين مكتبة بعشرات الأرفف ومئات الكتب.

مع تواتر قدسية الحرف والكتابة إلا أن الجدل ضل قائما بشأن أقدم لغة مكتوبة.. وبقي التعصب اللغوي في الإطار الديني السمة الغالبة في الجدل. فهناك من يقول بأن: “اللغة السومرية هي أول لغة مكتوبة فقد كانت هي اللغة التي تحدث بها السومريون في بر الرافدين وتعود إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد.. انقرضت في حوالي بدايات الألفية الثانية قبل الميلاد واستبدلت فيما بعد بالأكيدية ” [5]. وكلام كثير نقل عن د. مصطفى محمود يذكر فيه بأن اللغة العربية أقدم من العبرية. وبغض النظر عن أي لغة مكتوبة هي الأقدم فالحكمة الإلهية أكبر وأبعد من أن توصلنا إلى خط من سطور خطت في كتابنا بتحديد إباءنا وأمهاتنا وأرض وتاريخ ميلادنا.. لكننا على يقين بأننا نحن نخط في كتبنا أعمالنا وأفعالنا التي سننتظر لتعرض علينا!!! “ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ” وسيقرأ كل فرد منا كتابه كما يخبرنا رب العزة “اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ” .. لذلك قد تكون النصيحة لسيدنا يحي هي النبراس الذي يجب أن نهتدي به في حياتنا.. “يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا” والذي يطلب فيه الله التعلم بجد واجتهاد لذلك برز منذ صغره بالعلم والفهم .. وهذا ما نطمح أن يصل له طالبنا وطالباتنا بأن يأخذوا كتبهم بجد واجتهاد لا بالتسيب والغش.. ويحترموا العلم بالحفاظ على كتبهم بدون شخبطه بالقلم أو تمزيق لصفحاتها.

جريمة احتكار الكتاب والكتابة:

تتعدد جرائم احتكار المعرفة المدونة بالكتب.. وربما من أبشع جرائم الإنسانية عندما احتكر رجال الدين نصوص الكتب المقدسة والكتابة بالقلم وتحولوا لمشرعين لظلم السلطة وكتبة لوثائق تمليكهم أراضي وعقارات الناس المغلوبين على أمرهم باسم شرعية دكتاتورية السلطة وإرهاب أوصياء الدين المتحدثين باسم الرب.. ربما تم إعادة صياغة ابتزاز الناس بصيغة أخرى خلال حقبة النظام السبتمبري. فقد أستهتر النظام بجميع الكُتاب والمفكرين وما تركوا من كتب ومعارف إنسانية ليختزلها في الكتيب الأخضر “الخلاص للإنسانية”.. كما وأن السلفية “الوهابية” هي صيغة أخرى لاحتكار فهم النص والجمود عليه.. وهي ماكينة تفريخ لتنظيمات ما يسمى “بالدولة الإسلامية” والمطالبة بتطبيق الشريعة بفهمهم القاصر للنصوص وبالجمود الحرفي على النص المقدس ورفض التأويل العقلي. في هذه السطور سنناقش الابتزاز الكهنوتي للكتابة والكتاب وكيف ألقى ذلك بظلاله على ضلالات فكر الدكتاتور معمر. وبالنظر لما عايشته ليبيا والعالم من استغلال بشع للكتابة بأقلام بعض الفقهاء المتسلطين والمتحصنين بنصوص الكتب المقدسة يمكن تلخصيه في الآتي:

  • ابتزاز العامة بادعاء تطبيبهم وسلب القليل النذر من مدخراتهم. ولوقت قريب رأينا كيف المريض يقصد الفقيه “بالعامية.. الفقي” ليكتب له “أسياري بالأمازيغية” خربشات يدعي  بأنها ستشفيه من أسقام وأوجاع لا علم له بها! ربما اليوم ألبسوا أنفسهم ثوب المعالج الروحاني!!!
  • بدون إنكار حاجة الروح للتطبيب بالأيمان بالله وذكره والتوكل عليه دون تواكل إلا أن الجهل عندما يتجاوز حدوده ويعجز عن المداواة والتطبيب للنفس البشرية المنهكة يتدخل الكتبة بأقلامهم ليسحروا الناس بكتابات هي أدعية وطلاسم، أكثر منها نصوص واضحة محددة أو جمل مفيدة، ملفوفة لتحفظ من شرور الحساد والشياطين غير المرئية مع الوضوح التام لشياطين الأنس!!!
  • عبر التاريخ أستحوذ كتبة النصوص المقدسة وكثير ممن يقرؤون النص الديني   على توثيق العقارات والأراضي والأملاك بين الناس. وقد كان الانحياز إلى من يدفع أكثر أو من يتربع على عرش السلطة.
  • عاشت قرى ومدن كثيرة بليبيا يتصدر فيها للفتوى كل من هو قادر على القراءة والكتابة .. وخاصة وأن لقرون طويلة اختزل الدين في الطقس التعبدي المرتبط بالعلاقة العمودية مع الله سبحانه وقليل من المعاملات الشخصية بين البشر.. فكان الاسهاب في شرح وتفصيل الطهارة، وأداء الصلاة، والصيام والحج كموسم للتجارة قبل أن تستحوذ عليه السلطة الحاكمة لمكة ليكون مصدر تمويل لها، والزكاة كمصدر لتمويل الدولة والسلطة قبل أن تكون طهرا وإعانة للفقير والمحتاج. نعم فما كان ممن يطلب منه الفتوى، إلا أن يكون عنده أحد الكتب الملمة ” بالفقه ” والمبوبة ليفتح ويقرأ الفتوى على من يطلبها!!! فالفتوى للعامي “الأمي” أن يلجأ لمن يقرأ ليصدر له الفتوى “الشرعية”!

انقلاب معمر العسكري على الكتاب:

عندما داست أحذية العسكر قدسية الكتاب ودنست عذرية المدونات وانتهكت حرمتها لتتحول إلى أكوام من الكتب الثمينة بلا ثمن أو على أقل تقدير بثمن بخس أمام أرصفة مكتبات، قبل أقفالها، بسوق الترك كما رأيته بأم عيني مع منتصف السبعينات.. نعم أول خطوة للانقلاب العسكر السبتمبري كان سحق الرصيد الليبي المتواضع والإنسانية من الكتب الفكرية بمختلف توجهاتها التي بدأت تلقى القبول عند شباب ليبيا. بل الانحطاط البشع كان بتعليق مريدها، من طلاب الجامعات، على أعواد المشانق..

مع إعلان الثورة الثقافية في 15 أبريل 1973 بدأ التمرد على وثائق القوانين المدنية بتعطيل كافة القوانين والانقلاب على النظم الإدارية وقتل الحوار السياسي بتحريم الحزبية وتدنيس حرمة الكتب بالهجمة على الثقافة وإطلاق العنان للجهلة والأميين بالثورة الشعبية!!! وهذه تعتبر جرائم حرب ما سماه الدكتاتور معمر بـ “الثورة الثقافية” وهي نكبة تاريخية ضد الإنسانية!!!

حرق الوثائق والمنشورات:

من مخلفات نظام سبتمبر الانقلابية على الشرعية وعلى القيم والأخلاق الإنسانية الاستخفاف بالفكر الإنساني ومحاربته ونزع القيمة الإنسانية من الكتاب والوثاق الرسمية!! وقد بدأت خطوات الغزو بالإعلان عن افتتاح محرقة نظام سبتمبر الأسود وذلك “بحرق موقف (جاراج) للسيارات في بيت الطالب خالد الترجمان أحد العناصر القيادية في الرابطة اعتقادا من النظام أن الجاراج يحتوي على المادة الإعلامية التي ينوي الطلاب توزيعها.” [1].

في 1985 م تم حرق السجلات والوثائق العقارية في ليبيا، بعدما خرجت من جبة الفقهاء.. وقد عبر عنها الدكتور الزريقي [2]: بسنة التعاتم وذكر بأن “بالتعتيم كناية عن الظلمات، لذلك قلت سنة التعتيم (ويضيف) أخبرني الأستاذ علي بعيو بيت المال الذي كان خارج ليبيا في تلك الفترة، أن شخصا أخبره بأن معلق التلفاز الفرنسي قد علق على عملية حرق ال سجل العقاري في ليبيا، بقوله: ” إنه أكبر جريمة ضد الإنسانية في القرن العشرين” [2]. لقد توافق معي الدكتور الزريقي في تصنيف جرائم القذافي بتعديه على الكتب والوثائق بجريمة إنسانية.

نفث سم التجهيل بالحرم الجامعي.. حتى ينزف الدم ويجري في الشوارع:

من أخطر ما تميزت به النظم الانقلابية ما يسمونه بالثورات الفكرية.. وهذه انقلابات على الفكر الإنساني. فبغض النظر عما تضمنته الكتب من أراء ونظريات اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية وحتى حقوقية ووجهات نظر لا يمكن ألا أن تحترم وتحفظ بمكتبات ومتاحف ومراكز بحثية وتضم إلى التراث والإرث الحضاري الإنساني. ونحن على يقين بأننا سنحمل كتب أعمالنا معنا لنحاسب!!!  اليوم يوجد بعض التراجع تجاه اقتناء الكتاب وقد يرجع ذلك لتردي قيمة الكتاب [3] في حياة الناس. لكن في ليبيا الأمر قد يختلف بعض الشيء فارتدادات ثورة التجهيل “الثقافية” كان لها مفعولها السلبي إلى اليوم هذا.. بل ما صنعته أجهزته الاستخباراتية من مجموعات سلفية تستقطب الشباب أصحاب عقد الذنب فتندس بين الشبان المتدينين الجدد وتهول لهم عقد ذنوبهم بحيث لا توجد له فرصة التوبة إلا عبر بالوعات الصرف الجهادية في افغانستان والعراق.. هذه المجموعات الاستخباراتية استأنفت نشاطها اليوم في ليبيا من جديد تحت راية داعش.

الدكتاتور معمر عدو الفكر والتوثيق أشرف بنفسه على تدنيس الحرم الجامعي منبر الثقافة والعلم ومأوى الكتب والمنشورات بل نفث الدكتاتور القذافي سموم جهله بإلجام وإطفاء مشاعل من ليبيا تحمل الفكر الحر وتقدس الكتاب وتجله..  فألقى خطابا حماسيا بتاريخ 7 أبريل 1976 في وسط الغوغائيين من أتباعه في جامعة بنغازي معلنا تشكيل اللجان الثورية في الجامعات والبدء في الهجوم بقوله ” لقد بدأت المعركة ولن أتراجع حتى ينزف الدم، ويجري في الشوارع” [1]. وكان البدء في انتهاك حرمة وصلاحية الكتاب بعد أن شرعن له بخطاب زوارة وأعلن البدء في التنفيذ وعلى العلن.. لقد أختزل المعارف الإنسانية والعلمية في ترهات الكتاب الأخضر الذي بدأ بكتيب ثم حوله إلى ثلاثة مجلدات بأوراق سميكة وصفحات فارغة بكلمات محدودة تتصارع فيه الكلمات البديهية مع الجمل الجوفاء.. صرفت عليه مئات الملايين من الدولارات!!!

طحالب (عتة) تقتات على الكتب:

نعم من مخلفات النظام السابق هو خلق مجموعة من الطحالب، وربما حشرات العته، التي تقتات على طباعة أوراق الكتب.. فقد أفقدت الكتب قيمتها وقدسيتها بحيث انحسرت صلاحية الكتاب في عام دراسي، لا يتجاوز 7 أشهر على أقصى حد، ليعاد صرف الملاين على الكتب المدرسية كل سنة وبذلك تعيش على مصرفات الكتب مافيا طحالب الكتاب المدرسي!!! وقد نقلت هذه العدوى لما بعد التحرير بحيث استمر الصرف على الكتب وصل هذه السنة إلى حوالي 35 مليون في ظروف ما أحوج فيها الليبيين والليبيات إلى العملة والسيولة!!! ولو فكرنا في تعديد سلبيات استمرارية عمل عصابات طباعة الكتب ورصد دهاليز صرف أموال الشعب على طباعة الكتب المدرسية سنويا لوقفنا عند النقاط التالية:

  • بالطريقة المعتادة اليوم يتم توزيع الكتب بصورة عشوائية ولا تسلم كعهدة رسمية يحرص على صرفها عبر قنوات مدرسية وتستمر لسنوات. ومن هنا يأتي التسيب في صرف الكتاب وغابت المحاسبة للمدارس بشأن الكتب.
  • تم تجريد الكتاب من قيمته بحيث لا يطلب من مدراء المدارس بالحرص على استرجاع الكتب من الطلبة والطالبات.
  • في السنوات الأخيرة ربما التطور التكنولوجي ساهم بصورة أو أخرى توفر الكتب الرقمية والتي هي أيضا ربما سارعت من وثيرة انحطاط قيمة الكتاب في نظر طلاب المدارس. ولا نجد من عصابات طباعة الكتاب من يتكلم على الألواح الرقمية (iPad) كبدائل ولو لبعض المراحل وخاصة أنه لا يخلى اليوم بيت ليبي من حاسوب أو أيباد.. تجدر الإشارة إلى أن الكاتب لا ينصح، وخاصة في المرحلة الابتدائية، إلا باستخدام القلم كمهارة في التعلم لا يمكن تجاوزها!!!
  • متعة الكتاب لن توفرها المسطحات الإلكترونية وقيمة الكتاب لن تنتزعها الثورة التكنولوجية.. فالآثار النفسية الايجابية التي نرتشفها مع صفحات الكتب الورقية تفوق مما قد يتوفر عند الألواح الإلكترونية من ايجابيات ناهيك على سلبياتها بالمقارنة مع الكتب الورقية.

كلمة أخيرة:

صحيح أننا تخلصنا، إلى حد ما، ممن يحتكرون القلم والكتابة باسم الدين ويفرضون علينا النص الديني وفقا لقراءاتهم.. ولكننا نواجه اليوم من جديد محاولات بعث هذه الردة والانتكاسة بعباءة السلفية الخطوة التمهيدية للتطرف الداعشي..  فوائد الكتاب لا تعد ولا تحصى.. والكاتب محمد بن سرار اليامي [4] عدد الكثير منها.. لذلك من مهمة التعليم جعل قراءة الكتاب متعة كما تحرص فنلندا بأن يكون التعليم برمته متعة وراحة نفسية للطلاب.. ومتعة اقتناء الكتاب يجب أن تعيش معنا إلى أن نحمل معنا كتاب أعمالنا إلى الخالق باليمين ” فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا”.. لذلك يجب على وزارة التعليم اتخاذ قرار جريء يمنع فيه منعا باتا طباعة كتب جديدة على الأقل قبل 5 سنوات.. ولو تطلب إضافة بعض التعديلات في إطار تطوير المناهج فيجب أن تكون على شكل ملاحق يسمح بطباعتها محليا.. من هنا فقط قد نستعيد بعض القدسية للكتاب ونرقى بالتعليم خطوة نحو تجويده وجعله متعة وراحة نفسية لطلابنا وطالباتنا..

تدر ليبيا تادرفت

المراجع:

[1] محمد علي، “دور اللجان الثورية في تصفية الحركة الطلابية في الداخل”، ليبيا وطننا، الجمعة 29 مايو 2009.

[2] د. محمود جمعة الزريقي، “بداية فكرة حرق السجل العقاري” موقع محمود جمعة الزريقي

[3] خليل الفزيع، “عندما تتردى قيمـة الكتاب”، اليوم، الجمعة الموافق 9 سبتمبر 2011 العدد، 13965.

[4] محمد بن سرار اليامي، “الفائدة من الكتاب”، شبكة السيد.

[5] أبراهيم مروان، “ما هي أقدم لغة في العالم؟” موضوع، 24 ديسمبر 2014،

[6] لبنى الزيتاوي، “نجاح التعليم الفنلندي، هو حلم عند جميع الدول”، 25 أغسطس 2014.

أ.د. فتحي أبوزخار

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 27.