ليس طعنا في طرابلس ولكن.. - عين ليبيا

من إعداد: البانوسي بن عثمان

سأتناول كل ما سأطرحه هنا من خلال مفردة المكان وفقط الذى في تقديرى – أي المكان – لا يتخطّى عن كوّنه وعاء واطار وحيّز لتفاعل اجتماعى ثقافى ينتج عن مخاضه جمّلة من السيمات  التى تترّسم بها ومنها شخصية المكان وفى احايين كثيرة يُنعت ويُكنى المكان بمجموع هذه السيمات.
كنت احاول ان اصل بالقول بعد هذا التقديم . بان المكان لا يختلف في شيئي عن الكائن الحى . في تنوعه وفى تفاوت قدراته واستعداداته وطاقته . فكلما كانت المهام المُوكَلَ بها المكان . تتوافق مع استعداداته وطاقته . كان معدّل ادائه عاليا . ومخرجات تفاعله مع مهامه ايجابية , وذات مردود مثمر عليه وعلى محيطه القريب والبعيد . ومن هنا كنت دائما . ارى بان (طرابلس المكان) لا تمتلك الطاقة والاستعدادات الذاتية . التى تساعدها كى تكون مركز لإدارة حكم البلاد ليبيا . وقد تتوافق طاقتها واستعداداتها الذاتية مع مهام اخرى . والشواهد على ذلك كثيرة . دعونا في هذا الشأن . نستدعى سنوات ما بعد لقاءات مؤتمر الصخيرات القريبة . الذى انتهى في مخّرجاته الى جملة من الاجسام . اسندت لها ادارة شئون البلاد , لفترة انتقالية محددة . كان جل مراكز وادارات هذه الاجسام التنفيذية والتشريعية . قد ثم توّطينها داخل مدينة طرابلس . وكان تصّريف هذه الاجسام وتسّيرها لشئون البلاد والناس . لا يليق بإنسان يحترم وطنه ودينه وانسانيته . وبقول اخر كان سلوك هذه الاجسام يبُز السفه ويسبقه في كل ميادينه . ورغم كل هذا . كانت (طرابلس المكان) وبتعدادها الذى يتخطى المليونين نسمة او يزيد . تأكل وتشرب وتنام . لتستيقظ لتأكل وتشرب وتنام ودوليك . وكأن لا طوابير على المخابز . ولا مثيلها على المصارف ومحطات الوقود . ولا اطراد في اسعار السلع الضرورية وغير الضرورية . ولا سفه ولا عبث , يعّصف بالبلاد . الذى تتشرف كعاصمة له .
كنت احاول ان اقول . لم نشاهد او نحس من العاصمة وعبر مُعايشتها هذا العبث والسفه . الذى يعصف بحياة الناس . شيئا من ردود الفعل يشّعر الناس بان (طرابلس المكان) منحازة الى من تُعّتبر عاصمة لبلادهم . وبقول اخر لم تبدى هذه . ولو اشارة واحدة او سلوك . تقول من خلاله . بانها تقف في خندق الوطن . مثلا . كأن يسّتفز (طرابلس المكان) هذا السلوك الغير مسئول من طرف هذه الاجسام تجاه الناس . فتسعى . وكعاصمة للبلاد من خلال نُخبها وطلائعها الى استنهاض الناس . للضغط بهم على الرئاسي والمركزى والاعلى وكل الجهاز التنفيدى . من خلال الاعتصامات والتظاهرات وابتداع سُبل ضغط سلمية جديدة . للجمْ هذا السفه , واعادة هذه الاجسام الى جادة الوطن . بل شاهدنا عكس ذلك تماما . انكفاءها على ذاتها كعادتها دائما . فصارت بذلك ازقتها وحواريها بيئة خصّبة لتناسل المليشيات وتكاثرها . بجميع الاطياف والالوان . لكن لا يجب ان يُفهم من هذا . بانه ثمت تقّصير من (طرابلس المكان) تجاه وطنها . بل – في تقديرى – يجب ارجاع ذلك . الى عدم توافق طاقة(طرابلس المكان) وقدراتها واستعداداتها مع ما حُمّلت به من مهام , كعاصمة للبلاد . فظهرت . ونتيجة لعدم هذا التوافق ما بين المهمة . وما تمّتلكه ذاتيا . بوجه خجول في طاقاتها واستعداداتها . لا يليق بمن شُرف كعاصمة لبلاده .
ولكن دعونى اقول . ولتكّراره . صار هذا السلوك سيمة من السيمات . التى تُشكل شخصية (طرابلس المكان) . ليس فقط . عندما شاهدنا ذلك يحدث جهرتا . اتنا انتفاضة 2/2011 م . بل حدث ذلك ايضا . اتنا فترة حكم النظام السابق . ولعلنا نتذكّر مع تسعينات القرن الفائت , عندما اطلق رأس النظام السابق , يد احد اتباعه المقربين , في المدينة . فصار هذا التابع يصول ويجول بطرابلس على هواه . عصف بها وبمن فيها . فانكفأت المدينة على ذاتها . وسعت نحو التكيف مع الوافد الجديد وواقعه المزعج , وقد تمكّنت واستكانة لذلك . . حتى غادر الوا فد , بسلام مع عبثه وعصفه .
وفى المقابل . نجد , ان ذات الشيى قد حدث . مع مكان اخر بسيمات وشخصية مختلفة . وعلى جعرافية بلادنا ليبيا هذه . فكانت ردة فعل هذا المكان وتعاطيّه مع الحدث على نحو مختلف تماما . فاغلب الليبيين يتذكر فترة ثمانينات القرن الفائت . عندما اطلق رأس النظام السابق ايضا . يد احد مُريديه المقربيين . في (بنغازى المكان) . فصار هذا التابع يعبث بممتلكات الناس وراحتهم . لم تسّتسغ المدينة ذلك . فأمهلته قليلا , والى حين . ثم وُجد التابع المسكين ذات صباح . جثة مرّمية في احد مقابر المدينة . فأقام النظام حينها المكان ولم يقّعده . ولكن وللمرة الثانية اقول . لا يجب ان يفّهم من هذا . بان (بنغازى المكان) افضل من سابقه . بل لأنه يمتلك طاقة واستعداد . تختلف عن ما يمتلك سابقه . مكّنته وتمكن بها من فعل ما حدث حينها .
بل شاهدنا وعايشنا (بنغازى المكان) . يذهب الى ابعد من ذلك , خلال تلك الفترة البائسة . عندما عمل على توّظف ما عُرف حينها بأحداث سجن بوسليم . لترويض النظام . وجعلّه يقبل بالتظاهر والاحتجاج العلني عن مضض . فصارت بذلك شوارع وميادين بنغارى . ساحات احتجاج على عبث النظام في ادارته لشئون البلاد والعباد . ليس هذا وحسب . بل واسس (المكان) بتلك الاحتجاجات والتظاهرات للمخاض . الذى مهّد وانتج في ما بعد . انتفاضة فبراير 2011 م .
من هنا . ولدواعي وطنية . لا يجب – في تقديرى – الاعتراض على نقل بعض او جل الاجسام التنفيدية والتشريعية . التى جاءت مع فبراير 2011 م . الى حيّز (بنغازى المكان) . ليس لانها بنغازى . بل لان (للمكان) ومن واقع تجربتنا التاريخية معه . من القدرات والاستعدادات الذاتية . التى بها يستطيع ترويض و تدجين الاجسام سوى كانت تشريعية او تنفيذية . والعودة بها . الى جادة الصواب والوطن , وفى ذلك ما يفيد الناس وييسر سبل معاشهم . وهذا ما يريده ويتمناه ويسعى له جل الناس بالبلاد . ويكون – في تقديرى – من العبث الذهاب الى غير ذلك . اذا اردنا وبحق تخطى هذا الواقع المأزم . الذى يعصف بالبلاد ومحيطها الاقليمى القريب والبعيد .



جميع الحقوق محفوظة © 2020 عين ليبيا