أحمد الصالحين الهوني.. حين يصبح الإعلام مشروعًا لا مهنة - عين ليبيا
من إعداد: د. فتحي الشبلي
هناك رجال يرحلون بأجسادهم، لكنهم لا يرحلون من الذاكرة، لأن ما صنعوه لم يكن مرتبطًا بوجودهم الشخصي، بل بفكرة أكبر منهم. وهناك إعلاميون مارسوا الصحافة باعتبارها وظيفة، وآخرون نظروا إليها باعتبارها رسالة، وقلة نادرة تعاملت معها باعتبارها مشروعًا فكريًا وسياسيًا يتجاوز حدود الوطن والجغرافيا. ومن هؤلاء كان الأستاذ أحمد الصالحين الهوني.
في ذكراه الخامسة عشرة، لا أريد أن أكتب عن رجل رحل بقدر ما أريد أن أتوقف أمام تجربة بقيت حاضرة، لأن الحديث عن أحمد الهوني ليس حديثًا عن صحفي أو وزير سابق للإعلام فحسب، وإنما عن مرحلة من تاريخ الإعلام الليبي والعربي كان فيها للكلمة وزن، وللصحيفة مشروع، وللمثقف دور يتجاوز حدود المهنة.
عرفه الليبيون في مراحل مختلفة من حياته؛ عرفوه مسؤولًا ووزيرًا للإعلام في العهد الملكي، ثم عرفوا مسيرته وما مر به من اعتقال وسجن، قبل أن يعود إلى المجال الذي يبدو أنه كان قدره الحقيقي: الإعلام.
لكن التحول الأهم في تجربته لم يكن في منصب تولاه، وإنما في مشروع اختار أن يؤسس له من خارج الوطن، حين أطلق من لندن صحيفة «العرب» العالمية.
وهنا تبدأ الحكاية الأوسع.
ففي زمن كانت فيه المنطقة العربية تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا، من الثورة الإيرانية إلى الحرب العراقية الإيرانية، ومن الحرب في أفغانستان إلى التحولات الكبرى في النظام الدولي، ومن صعود التيارات المتشددة إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية والفكرية للمنطقة، ظهرت «العرب» كمنصة أرادت أن تقول إن العرب يستطيعون أن يتحاوروا عبر صحيفة واحدة، وأن يجتمعوا حول الكلمة حتى عندما تعجز السياسة عن جمعهم.
كانت «العرب» أكثر من صحيفة؛ كانت محاولة لبناء فضاء عربي مشترك للأفكار والرؤى، جمعت كتابًا ومثقفين وصحفيين من مشارب عربية متعددة، من العراق ومصر وسوريا والسودان والجزائر والمغرب وفلسطين ولبنان ودول الخليج وغيرها.
وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل تجربة الهوني جديرة بالقراءة اليوم.
فالرجل لم يكن يبحث عن صحيفة تملأ صفحاتها بالأخبار، وإنما كان يبحث عن صحيفة تصنع وعيًا، وتمنح القارئ العربي فرصة لأن يرى قضاياه من أكثر من نافذة، وأن يسمع أصواتًا مختلفة، وأن يدرك أن اختلاف العرب لا ينبغي أن يتحول بالضرورة إلى قطيعة بينهم.
لقد أدرك مبكرًا أن الإعلام الحقيقي لا يكتفي بوصف الأحداث، بل يشارك في تشكيل طريقة فهم الناس لها.
ومن هنا كانت قيمة مشروعه.
لقد كان الهوني ابنًا لزمن سياسي وإعلامي شديد التعقيد، لكنه لم يسمح للتعقيد أن يدفعه إلى الانغلاق. ظل مؤمنًا بأن الصحافة تستطيع أن تكون جسرًا بين المختلفين، وأن الثقافة قادرة على فتح النوافذ حين تغلق السياسة أبوابها.
ولذلك فإن الحديث عن أحمد الهوني اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد حديث عن الماضي، بل عن سؤال الحاضر أيضًا: أين هو ذلك الإعلام العربي الذي كان يحاول أن يجمع لا أن يفرّق؟ أين الصحيفة التي تمنح القارئ مساحة للاختلاف دون أن تحوله إلى خصومة؟ وأين الإعلامي الذي يرى أن مسؤوليته تجاه الناس أكبر من مسؤوليته تجاه أصحاب النفوذ؟
لقد تغير الزمن، وتغيرت أدوات الإعلام، وانتهى عصر الصحيفة الورقية إلى حد بعيد، وأصبحت المنصات الرقمية أسرع من أي وقت مضى، لكن جوهر المسألة لم يتغير: الإعلام الذي يفقد رسالته يتحول إلى مجرد ضجيج، والإعلام الذي يفقد استقلاله يتحول إلى أداة، والإعلام الذي يفقد احترامه لعقل القارئ يفقد قيمته مهما بلغ عدد متابعيه.
ومن هذه الزاوية تحديدًا تكتسب تجربة الهوني أهميتها.
لقد عرفته شخصيًا، وكانت لي معه لقاءات عديدة، وفتح لي باب «العرب» لنشر مقالاتي وإجراء الحوارات الصحفية، ومن بينها المقابلة التي أجريتها مع الأستاذ الدكتور عبد الجليل التميمي، وهي تجربة أعتز بها إلى اليوم. ثم تواصلت اللقاءات في مقر صحيفة «العرب» بتونس، وهناك لمست جانبًا آخر من شخصية الرجل: علاقته بالناس، وحرصه على مد الجسور، واعتزازه بالمثقفين والكتاب، واهتمامه بأن تكون الصحيفة بيتًا تتلاقى فيه الأفكار قبل أن تكون مكانًا للعمل.
ومن خلاله تعرفت أيضًا إلى أسرته الكريمة، وإلى شقيقه الأستاذ حسن الهوني، وإلى عدد من أبنائه وبناته، وفي مقدمتهم الصديق الأستاذ محمد الهوني الذي واصل حمل الراية الإعلامية في صحيفة «العرب».
وهنا يصبح الوفاء للرجل أعمق من مجرد كلمات رثاء.
فالوفاء الحقيقي لأحمد الهوني ليس أن نقول إنه كان عظيمًا ثم نغلق الصفحة، وإنما أن نتساءل: ماذا بقي من مشروعه؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه من تجربته؟
أعتقد أن أهم ما بقي هو الإيمان بأن الإعلام يمكن أن يكون صناعة للوعي لا صناعة للخصومة، وأن الصحفي يستطيع أن يكون صاحب موقف دون أن يتحول إلى خصم، وأن الصحيفة يمكن أن تكون مساحة للحوار لا غرفة صدى يردد فيها الجميع الصوت نفسه.
لقد كان الهوني يؤمن، كما يبدو من مسيرته، بأن الكلمة مسؤولية، وأن فتح المجال أمام الأقلام المختلفة ليس ضعفًا، بل قوة. وأن الإعلام الذي يحترم القارئ لا يخاف من تعدد الآراء.
ولهذا فإن رحيل أحمد الصالحين الهوني لم يكن نهاية رجل، وإنما غياب مرحلة كاملة من تاريخ الصحافة العربية كان فيها لبعض الأسماء مشروع يتجاوز أعمارها.
رحم الله أحمد الصالحين الهوني، فقد كان من أولئك الذين تركوا وراءهم ما هو أبقى من الصورة والاسم: تركوا أثرًا.
والأسماء قد تغيب من صفحات الصحف، لكن المشاريع الكبيرة لا تغيب بسهولة.
وفي ذكرى رحيله، ربما تكون أفضل طريقة لتكريمه ألا نكتفي بالبكاء على إعلام كان، وإنما أن نحاول أن نستعيد شيئًا من روحه: إعلامًا يحترم العقل، ويحتضن الاختلاف، ويبحث عن الحقيقة، ويؤمن بأن الكلمة يمكن أن تكون جسرًا بين أبناء الوطن والأمة، لا خندقًا جديدًا بينهم.
ذلك هو الإرث الحقيقي لأحمد الصالحين الهوني.
وذلك هو السبب الذي يجعل بعض الرجال، رغم مرور خمسة عشر عامًا على رحيلهم، ما زالوا بيننا.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا