أخطر ما في الانقسام هو الاعتياد عليه.. كيف أصبح وجود حكومتين ومؤسسات متوازية أمرًا طبيعيًا في ليبيا؟ - عين ليبيا

من إعداد: د. مجدي الشبعاني‎

أخطر ما في الانقسام الليبي ليس وجود حكومتين، ولا تعدد الأجهزة والقرارات، ولا حتى توزيع النفوذ بين سلطات متنافسة؛ بل أن يتحول كل ذلك، بمرور الزمن، إلى أمر معتاد لا يثير الاستغراب. فحين يعتاد المواطن أن يصدر في الدولة الواحدة قراران متعارضان، وأن يكون لكل منطقة مركزها التنفيذي وترتيباتها الأمنية، وأن تُموّل الخزانة العامة سلطات متنافسة، يصبح الانقسام أكثر من أزمة سياسية عابرة؛ يتحول إلى نمط مستقر لإدارة الدولة.

حين يسأل الليبي اليوم: «هل نحن دولتان فعلًا؟»، فإنه لا يطرح سؤالًا نظريًا عن أركان الدولة في القانون الدولي، بل يعبّر عن واقع يلمسه في تفاصيل حياته اليومية؛ حكومتان، وقرارات متعارضة، وأجهزة متعددة، وإنفاق عام بلا سياسة وطنية واحدة، وسلطة يصدر قرارها في جانب من البلاد فلا يجد طريقه إلى التنفيذ في الجانب الآخر.

ومع ذلك، فإن الإجابة القانونية المباشرة هي: لا، ليبيا ليست دولتين.

فلا يوجد إقليم أعلن انفصاله رسميًا، ولا دولة جديدة قامت إلى جانب الدولة الليبية، ولا اعتراف دولي بكيان ليبي ثانٍ. ولا تزال لليبيا شخصية دولية واحدة، ومقعد واحد في الأمم المتحدة، وجنسية واحدة، وإقليم واحد، وثروات وطنية يفترض قانونًا أنها مملوكة لليبيين جميعًا.

لكن هذه الإجابة، على صحتها، لا تكفي وحدها لفهم الواقع؛ فنحن وإن لم نكن دولتين من الناحية القانونية، فإننا نعيش منذ سنوات كثيرًا من مظاهر الدولتين، وندفع من المال العام تكلفة سلطتين متوازيتين، دون أن نحصل على دولة واحدة مكتملة الفاعلية.

الدولة ليست هي الحكومة

ينبغي أولًا التمييز بين الدولة والحكومة؛ فالدولة كيان قانوني وسياسي دائم نسبيًا، يقوم على شعب وإقليم وسلطة عامة، أما الحكومة فهي الهيئة التي تتولى إدارة هذا الكيان وممارسة السلطة باسمه.

ولذلك فإن تعدد الحكومات أو سقوطها أو التنازع عليها لا يؤدي بذاته إلى زوال الدولة أو انقسامها. فقد تمر الدولة بأزمة دستورية، وقد تفقد الحكومة المركزية قدرتها على تنفيذ قراراتها في كامل الإقليم، وقد تتعدد السلطات التي تدّعي الشرعية، ومع ذلك تظل الدولة قائمة بشخصيتها القانونية الدولية.

وهذا هو حال ليبيا؛ فالدولة لم تنقسم رسميًا، ولكن السلطة داخلها انقسمت، وتوزعت القدرة الفعلية على إصدار الأوامر وتنفيذها بين مراكز سياسية وأمنية متعددة.

ومن ثم، لا توجد في ليبيا دولتان تتمتع كل منهما بسيادة قانونية مستقلة، وإنما توجد سلطات متنافسة داخل الدولة الواحدة تدّعي كل منها أنها تمارس سلطة الدولة الليبية ذاتها. وهذا هو الفارق بين انقسام الدولة وانقسام السلطة: الأول ينشئ دولتين، أما الثاني فيُضعف دولة واحدة ويجعلها عاجزة عن فرض إرادتها بصورة متساوية على كامل إقليمها.

دولة واحدة تُدار بمنطق سلطتين

المشكلة الليبية لا تكمن في غياب الاعتراف بوحدة البلاد، فجميع الأطراف تقريبًا تعلن تمسكها بها، وإنما تكمن في أن الممارسة الفعلية تسير في الاتجاه المعاكس.

لدينا حكومتان، لكل منهما قراراتها وتعييناتها وأجهزتها ومجال نفوذها. ولدينا تشكيلات أمنية وعسكرية متفاوتة التبعية، وهياكل إدارية ومالية متوازية، وسلطات تستطيع تنفيذ قراراتها في مناطق معينة، لكنها تعجز عن تنفيذها في مناطق أخرى.

وقد يصدر قرار بالتعيين أو الإعفاء من جهة، ثم يصدر قرار آخر في الموضوع ذاته من جهة مقابلة. وقد يُعدّ شخص ما مسؤولًا شرعيًا في منطقة، بينما لا يُعترف بصفته في منطقة أخرى. كما قد تختلف الإجراءات الإدارية والمالية، وتتعدد قنوات الصرف، ويصبح تنفيذ بعض القرارات والأحكام مرتبطًا بحدود النفوذ الفعلي أكثر من ارتباطه بعمومية القانون.

ولهذا تصف تقارير دولية ليبيا بأنها منقسمة بحكم الواقع بين سلطتين متنافستين. فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى استمرار الانقسام الفعلي بين سلطة في الغرب وسلطة منافسة في الشرق، كما تتحدث تقارير الأمم المتحدة عن حكومة الوحدة الوطنية في الغرب والحكومة المكلفة من مجلس النواب في الشرق، وعن انقسام عدد من المؤسسات الوطنية. صندوق النقد الدولي⁠، الأمم المتحدة في ليبيا⁠.

لذلك فإن الوصف الأدق لحالتنا هو: دولة واحدة قانونًا، لكنها منقسمة السلطة ومتعددة مراكز النفوذ فعليًا.

وحدة في الخارج وانقسام في الداخل

تبدو ليبيا أمام العالم دولة واحدة، لكنها تبدو لمواطنيها في الداخل أحيانًا وكأنها نظامان متوازيان. وهذه من أخطر صور الأزمة؛ لأن وحدة الدولة تظل قائمة في التمثيل الخارجي، بينما تتراجع تدريجيًا في حياة المواطن اليومية.

فالدولة لا تُقاس فقط بوجود علم واحد ومقعد واحد في الأمم المتحدة، بل تقاس كذلك بوحدة القانون، ونفاذ القرارات، والمساواة أمام المؤسسات، وخضوع الأجهزة العامة لقواعد مشتركة، وقدرة المواطن على الحصول على حقوقه وخدماته وفق المعايير ذاتها أينما كان.

فإذا أصبح القانون نافذًا بدرجات متفاوتة، واختلفت الإجراءات باختلاف المنطقة، وتعذر تنفيذ قرارات السلطة العامة على كامل الإقليم، فإن وحدة الدولة تتحول تدريجيًا من واقع محسوس إلى وصف قانوني مجرد.

قد تظل الدولة واحدة في الخرائط والوثائق، لكنها تصبح منقسمة في الإدارة والمال والأمن وفي علاقة المواطن بالمؤسسات. وهذا هو جوهر الأزمة الليبية اليوم.

خزينة واحدة تموّل سلطتين

يظهر التناقض بصورة أكثر وضوحًا في المجال المالي؛ فالثروة النفطية واحدة، ومصدر الإيراد الأساسي واحد، والمال العام مملوك للشعب الليبي كله، لكن هذه الموارد تُنفق في ظل تعدد الحكومات ومراكز القرار والالتزامات المتنافسة.

وبذلك لا يدفع الليبيون تكلفة دولة واحدة، وإنما يتحملون عمليًا نفقات حكومات وهياكل وأجهزة وتعيينات متوازية، دون أن تخضع جميعها لميزانية وطنية واحدة، أو سياسة إنفاق موحدة، أو رقابة عامة متكاملة.

وقد أكد صندوق النقد الدولي أن استمرار الانقسامات السياسية أعاق اعتماد ميزانية موحدة، وأدى إلى استمرار الإنفاق غير المنضبط، والضغط على الاحتياطيات وسعر الصرف. صندوق النقد الدولي⁠. كما يعد البنك الدولي التشرذم المؤسسي والتنازع بشأن إدارة الثروة النفطية من القيود البنيوية التي تواجه الاقتصاد الليبي. البنك الدولي⁠.

والمفارقة أن استمرار تدفق الأموال على مختلف مراكز السلطة لم يعالج الانقسام، بل أسهم أحيانًا في إطالته؛ لأن كل سلطة أصبحت قادرة على تمويل وجودها والمحافظة على شبكاتها الإدارية والسياسية من الخزانة العامة ذاتها.

وهكذا أصبحت أموال الدولة الواحدة تُستخدم لتمويل استمرار انقسامها.

أخطر ما في الانقسام هو الاعتياد عليه

لا يتمثل الخطر الأكبر في إعلان الانفصال رسميًا؛ فهذا الخيار لا يزال مرفوضًا لدى أغلب الليبيين، ولا تتوافر له مقومات قانونية أو اجتماعية واضحة. الخطر الحقيقي هو أن يستمر الانقسام مدة طويلة حتى يصبح وضعًا طبيعيًا لا يثير الاستغراب.

حين تعتاد المؤسسات التعامل مع حكومتين، ويعتاد الموظف تعدد مصادر التعليمات، ويعتاد المواطن اختلاف الإجراءات من منطقة إلى أخرى، وتنشأ مصالح سياسية واقتصادية مرتبطة ببقاء الوضع القائم، يتحول الاستثناء إلى قاعدة.

ومع مرور الوقت قد تتشكل حدود نفسية وإدارية غير معلنة، تكون أشد خطرًا من الحدود المرسومة على الخرائط. فلا توجد نقطة حدودية بين شرق البلاد وغربها، ولكن قد توجد حدود في الثقة، وفي قبول القرارات، وفي النفوذ، وفي قدرة المؤسسات على العمل، وفي تصور المواطن لهويته وعلاقته بالدولة.

فالدول لا تنقسم دائمًا بقرار مفاجئ أو إعلان رسمي؛ قد يبدأ الانقسام في الإدارة، ثم ينتقل إلى المال والأمن والمؤسسات، ثم يستقر في الوعي العام، إلى أن يصبح الاعتراف القانوني مجرد خطوة أخيرة جاءت بعد أن اكتملت مقدماته الواقعية.

ليست الأزمة بين شرق وغرب

من الخطأ اختزال الأزمة في مواجهة اجتماعية بين الشرق والغرب؛ فالانقسام القائم سياسي ومؤسسي قبل أن يكون جغرافيًا أو اجتماعيًا. والليبيون، رغم سنوات الصراع، لا يزالون يحتفظون بروابط اجتماعية واقتصادية وتاريخية واسعة، كما تظل فكرة الدولة الليبية الواحدة راسخة لدى الغالبية.

ولا يمر الانقسام أصلًا على خط جغرافي مستقيم؛ فداخل كل منطقة توجد اتجاهات ومصالح وخلافات متعددة. ولذلك فإن تصوير الأزمة بوصفها صراعًا بين شعبين أو مجتمعين منفصلين لا يعكس الحقيقة، بل قد يسهم في تكريس خطاب التقسيم.

المشكلة ليست أن ليبيا تضم شعبين يريد كل منهما دولة مستقلة، وإنما أن دولة واحدة وقعت سلطتها العامة تحت تأثير توازنات سياسية وأمنية عطلت قيام مؤسسات وطنية موحدة.

اللامركزية ليست تقسيمًا

إن الدعوة إلى وحدة الدولة لا تعني تركيز كل الاختصاصات والموارد في مدينة واحدة، كما أن المطالبة باللامركزية لا تعني القبول بالتقسيم.

فاللامركزية تقوم على توزيع الوظائف والاختصاصات بين السلطة المركزية والوحدات المحلية داخل إطار دستوري وقانوني واحد. أما الانقسام الحالي فيقوم على تنازع الشرعية والقرار بين سلطات متوازية لا تخضع لقواعد موحدة.

اللامركزية تقرّب الدولة من المواطن، بينما يؤدي الانقسام إلى إبعاد الدولة عنه. واللامركزية توزع الاختصاصات، أما الانقسام فيوزع النفوذ ويبدد المسؤولية.

ومن ثم، فإن معالجة الأزمة لا تكون بإعادة إنتاج المركزية المفرطة، وإنما ببناء دولة موحدة في سيادتها وماليتها وسياساتها العامة، ولا مركزية في إدارتها وخدماتها وتنميتها المحلية.

الوحدة لا تصنعها الشعارات

لا يكفي أن نكرر في البيانات والخطابات أن ليبيا واحدة، ما دامت القرارات والميزانيات والأجهزة تعمل بمنطق الانقسام. فالوحدة الحقيقية لا تصنعها الشعارات، وإنما تصنعها قواعد موحدة لممارسة السلطة.

إن استعادة الدولة لا تقتضي بالضرورة توحيد كل شيء دفعة واحدة، لكنها تبدأ من الاتفاق على قواعد لا يجوز تعددها، وفي مقدمتها:

  • قاعدة واحدة لإدارة المال العام والإنفاق.
  • ميزانية وطنية موحدة تخضع للرقابة والمساءلة.
  • معايير واحدة للتعيين في الوظائف العليا.
  • منظومة موحدة لإدارة الثروة النفطية وتوزيع عوائدها.
  • قواعد تكفل نفاذ القوانين والأحكام على كامل الإقليم.
  • توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية وفق أسس وطنية ومهنية.
  • تحديد آجال ملزمة للسلطات الانتقالية.
  • الوصول إلى انتخابات تمنح المؤسسات شرعية مباشرة ومتجددة.

فتوحيد الدولة لا يعني انتصار سلطة على أخرى، ولا إخضاع منطقة لمنطقة، وإنما يعني إخضاع الجميع لقواعد دستورية مشتركة، وبناء مؤسسات يتساوى أمامها الليبيون، أينما كانوا.

هل نحن دولتان فعلًا؟

الجواب القانوني الواضح: لا، ليبيا ليست دولتين.

لكن الجواب الواقعي الأكثر إيلامًا: نحن نعيش كثيرًا من مظاهر الدولتين، ونتحمل نفقات سلطتين، ونتعامل مع مؤسسات متفاوتة النفوذ داخل دولة لم تنقسم رسميًا.

نحن دولة واحدة من حيث الشخصية الدولية والإقليم والجنسية والثروة، لكننا لم نعد نملك سلطة عامة واحدة قادرة على فرض القانون وتنفيذ السياسات على كامل البلاد. ولذلك فنحن لسنا دولتين، ولسنا في الوقت نفسه دولة موحدة مكتملة الفاعلية؛ بل دولة معلقة بين وحدتها القانونية وانقسامها السياسي والمؤسسي.

والسؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس فقط: هل نحن دولتان فعلًا؟ بل: إلى متى تستطيع ليبيا أن تظل دولة واحدة قانونًا، بينما تُدار يوميًا بمنطق سلطتين؟

إن استمرار هذا الوضع لا يحافظ على الوحدة، بل يستهلكها ببطء. فالوحدة تحتاج إلى دولة تُرى في القانون، وتُحس في الإدارة، وتظهر في العدالة والخدمات، وتُترجم في الميزانية والقرار، وتفرض احترامها على الجميع.

لسنا دولتين بعد، لكننا منذ سنوات ندفع فاتورة دولتين، بينما لا نحصل على دولة واحدة كاملة.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا