أزمة المياه في تونس تتصاعد.. خبراء يدعون إلى «حالة الطوارئ» - عين ليبيا

تصاعدت في تونس دعوات خبراء ومختصين إلى إعلان حالة «طوارئ مائية»، في ظل تزايد اضطرابات التزويد بمياه الشرب خلال أشهر الصيف، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع الطلب على المياه، فيما يرى متخصصون أن الأزمة تجاوزت تأثير الجفاف والعوامل الموسمية وأصبحت مرتبطة باختلالات هيكلية في الموارد وشبكات التوزيع وآليات الإدارة.

وتزامن ذلك مع تسجيل المرصد التونسي للمياه 608 تبليغات مرتبطة بمشكلات التزويد بالمياه خلال يوليو 2026، وهي أعلى حصيلة شهرية منذ بداية العام، بينها 549 تبليغًا يتعلق بانقطاعات غير معلنة واضطرابات في توزيع مياه الشرب.

ورغم التحسن النسبي في مخزونات السدود مقارنة بالسنوات الماضية، فإن مختصين يربطون استمرار الاضطرابات بتداخل عوامل عدة، تشمل ندرة الموارد المائية، والارتفاع الموسمي في الاستهلاك، والضغط السكاني والسياحي، إضافة إلى تقادم أجزاء من شبكات نقل وتوزيع المياه.

وكان المرصد التونسي للمياه دعا إلى إعلان حالة طوارئ مائية، معتبرًا أن الوضع تجاوز الأزمة الظرفية المرتبطة بالجفاف أو ارتفاع درجات الحرارة، وأصبح، وفق تقديره، أزمة هيكلية تتطلب إجراءات استثنائية.

وقال الخبير في الموارد المائية والتنمية، حسين الرحيلي، في تصريح لـ«سبوتنيك»، إن إعلان الطوارئ المائية أصبح ضروريًا، موضحًا أن هذه الخطوة ستتيح تسريع التدخلات وتعبئة الموارد اللازمة لمعالجة مشكلات منظومة المياه.

وأضاف الرحيلي أن إعلان حالة الطوارئ المائية «سيمكن من اتخاذ إجراءات استثنائية لتجاوز البيروقراطية والقوانين التقليدية، بما يسمح بتسريع إنجاز المشاريع والتدخل لمعالجة الإشكالات التي تعاني منها منظومة المياه، خصوصا أن التأخر في تنفيذ المشاريع قد يجعل البلاد أمام السيناريو ذاته خلال صيف العام المقبل».

ويرى الخبير التونسي أن ما شهدته البلاد خلال صيف 2026 لم يكن مفاجئًا للمتخصصين والمتابعين لملف المياه، مشيرًا إلى أن موجة الحر التي بدأت منذ يوليو واستمرت خلال أغسطس قبل أن تنخفض نسبيًا في الأيام الأخيرة، زادت حدة الأزمة، لكنها كشفت في الوقت نفسه مشكلات متراكمة داخل المنظومة.

وقال الرحيلي إن «الأزمة، رغم ارتفاع حدتها، ليست جديدة وليست ظرفية وإنما هي أزمة هيكلية»، موضحًا أن جوهر المشكلة يرتبط أولًا بندرة الموارد المائية، وأن وصول مخزونات السدود إلى مستويات في حدود 50 أو 60% لا يعني بالضرورة تجاوز الأزمة.

وبحسب الرحيلي، لا توفر السدود سوى نحو 35% من إجمالي المياه المستهلكة على المستوى الوطني، بينما يأتي نحو 65% من المياه الجوفية بمختلف أنواعها العميقة والمتوسطة والسطحية، ولذلك فإن الاكتفاء بمتابعة معدلات امتلاء السدود لا يعطي، وفق تقديره، صورة مكتملة عن الوضع المائي في تونس.

ويرى الخبير أن تقادم البنية التحتية لنقل المياه وتوزيعها يمثل عاملًا إضافيًا في تفاقم الأزمة، إذ أصبحت أجزاء من الشبكات، بحسب قوله، غير قادرة على مواكبة الضغط المتزايد والطلب المرتفع، مع انعكاسات تطاول جودة المياه أيضًا.

وأشار الرحيلي إلى أن تراكم هذه المشكلات على مدى سنوات غيّر سلوك شريحة واسعة من المستهلكين التونسيين، الذين أصبحوا يتجنبون شرب مياه الحنفية، الأمر الذي زاد الضغط على سوق المياه المعلبة، فيما ظهرت خلال ذروة الصيف اضطرابات في توافر المياه المعلبة في عدد من المناطق.

وربط الخبير بين أزمة المياه وأزمة الكهرباء، موضحًا أن أجزاء واسعة من منظومة التزويد بالمياه تعتمد على الطاقة اللازمة للضخ والنقل، وبالتالي فإن انقطاع التيار الكهربائي ينعكس مباشرة على انتظام وصول المياه إلى المستهلكين.

وبناءً على ذلك، يرى الرحيلي أن معالجة أزمة المياه لا يمكن أن تعتمد على حلول موسمية أو مؤقتة، وإنما تحتاج إلى قرارات استثنائية تعيد ترتيب أولويات الدولة في إدارة مورد تتراجع وفرته وترتفع كلفة تأمينه، مع تسريع تنفيذ مشاريع المياه وتقليص أثر تعقيدات التمويل والإجراءات الإدارية.

وفي المقابل، يرى الخبير الدولي في البيئة والتنمية المستدامة، عادل الهنتاتي، أن النقاش حول إعلان حالة طوارئ مائية في تونس يتجاوز مسألة الإعلان الرسمي، معتبرًا أن البلاد «دخلت فعليا هذه الحالة بفعل تواتر سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية والضغط المتزايد على مختلف الاستعمالات».

وقال الهنتاتي في تصريح لـ«سبوتنيك» إن السلطات تدرك طبيعة الوضع، مستدلًا، وفق تقديره، بالإجراءات التي اتخذتها خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا تقسيط المياه وترشيد استخدامها في عدد من القطاعات.

وأشار الخبير إلى أن تونس تعاني منذ سنوات من «فقر مائي وإجهاد مائي كبير جدا»، مؤكدًا أن المشكلة لا ترتبط بالموسم الحالي وحده، بل مرشحة للاستمرار خلال السنوات المقبلة في ظل تغير المناخ وتكرار فترات الجفاف.

ويحتل القطاع الزراعي موقعًا رئيسيًا في معادلة استهلاك المياه في تونس، إذ يستحوذ الري الفلاحي على نحو 80% من إجمالي الموارد المائية المتاحة، وفق المعطيات الواردة في التقرير، ما يجعل أي تراجع في الموارد مؤثرًا مباشرة على قدرة القطاع على تأمين احتياجاته، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع التساقطات.

ويرى الهنتاتي أن الإجراءات التي اتخذتها الدولة تمثل، في جانب منها، إدراكًا لحجم الأزمة، لكنه دعا إلى دعمها بحلول وقرارات هيكلية، والانتقال من التعامل مع ندرة المياه باعتبارها مشكلة في حجم الموارد المتاحة فقط إلى إعادة النظر في طرق تجميع المياه وتخزينها وإدارتها.

وقال إن «تونس تحتاج خصوصا إلى تطوير آليات جديدة لتجميع وتخزين مياه الأمطار، التي يذهب جزء منها حاليا إلى البحر والسباخ، فيما يتعرض جزء آخر للتبخر»، معتبرًا أن الاعتماد المفرط على السدود لم يعد كافيًا في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتغير الأنماط المناخية.

وبحسب الهنتاتي، تضم تونس 36 سدًا، إلا أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى فقدان كميات مهمة من المياه المخزنة بسبب التبخر، وقدر هذه الخسائر بنحو مليون متر مكعب يوميًا، وهو ما يدفع، من وجهة نظره، إلى البحث عن وسائل أكثر نجاعة لتخزين المياه وعدم حصر الاعتماد على السدود باعتبارها الأداة الرئيسية لتجميع الموارد السطحية.

لكن تطوير منظومة جديدة لتجميع المياه وتخزينها ونقلها يواجه، وفق الخبير، تحديين رئيسيين هما التمويل والطاقة، إذ تحتاج هذه المشاريع إلى استثمارات كبيرة، كما تتطلب موارد طاقة لتشغيل المنشآت ونقل المياه بين المناطق.

وتشير بيانات المرصد الوطني للمياه إلى تسجيل 423 تبليغًا عن انقطاعات في المياه خلال يونيو 2026 ضمن خدمات التزويد بالمياه، قبل أن يتجاوز العدد 600 تبليغ في يوليو، في ارتفاع يعكس، وفق المعطيات الواردة، تصاعد الضغط على المنظومة مع ارتفاع درجات الحرارة والطلب، ولا سيما في المناطق الساحلية والسياحية التي تشهد خلال الصيف زيادة في أعداد السكان ومعدلات الاستهلاك.

وتضع هذه المؤشرات أزمة المياه في تونس أمام تحدٍ يتجاوز تأمين الإمدادات خلال أشهر الصيف، إذ يربط الخبراء بين ندرة الموارد وتراجع التساقطات وتغير المناخ من جهة، ومشكلات الشبكات والتمويل والطاقة وطرق التخزين من جهة أخرى، ما يدفعهم إلى المطالبة بتحول طويل الأمد في إدارة المياه بدل الاكتفاء بالتدخلات المرتبطة بمواسم الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا