أوباما لم يقلها.. لكن ماذا فعلت أمريكا في ليبيا؟ - عين ليبيا

من إعداد: م. فتحي الشبلي

في كل مرة تظهر فيها رسالة منسوبة إلى الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، تحمل كلامًا خطيرًا عن ليبيا والعالم العربي، يسارع البعض إلى تداولها وكأنها وثيقة تاريخية تكشف ما وراء الستار، لكن الحقيقة أكثر أهمية من الإثارة.

أوباما لم يقل هذا الكلام في خطاب وداعه.

النص المتداول الذي يتحدث عن «تحويل ليبيا إلى دولة فاشلة»، وعن «وأد الربيع العربي»، وعن أن «الإسلام ذاته هو المشكلة»، ليس ترجمة لخطاب أوباما الأخير، ولا يوجد في النص الرسمي لخطاب الوداع ما يثبت هذه العبارات.

وهنا قد يقول قائل: إذا كان الكلام مفبركًا، فلماذا نهتم به؟

والجواب بسيط: لأن تزوير التاريخ لا يخدم الحقيقة، حتى عندما يكون الغضب من السياسة الأميركية مشروعًا.

بل ربما يكون أخطر من ذلك؛ لأن من يريد نقد الولايات المتحدة لا يحتاج إلى اختراع اعترافات على لسان رئيس أميركي.

الوقائع وحدها تكفي.

فلنترك إذن الكلام المنسوب إلى أوباما جانبًا، ولنطرح السؤال الحقيقي:

ماذا فعلت السياسة الأميركية في ليبيا؟

في عام 2011 كانت ليبيا ساحة مواجهة دولية وإقليمية معقدة، وانتهى التدخل العسكري الذي قادته الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى سقوط نظام معمر القذافي.

وبعد سقوط النظام لم تولد الدولة الديمقراطية المستقرة التي وعد بها الخطاب السياسي الغربي.

حدث العكس.

انتشرت المجموعات المسلحة، وتعمقت الانقسامات السياسية، وانقسمت مؤسسات الدولة، وتنازعت الحكومات، وأصبحت ليبيا ساحة مفتوحة لتدخلات إقليمية ودولية متعددة.
وفي نهاية المطاف، وجد الليبي نفسه أمام سؤال لم يكن يتوقع أن يطرحه يومًا:

أين الدولة؟

هنا لا نحتاج إلى خطاب مفبرك لأوباما كي نثبت أن التدخل الدولي لم ينجح في بناء الاستقرار الذي كان الليبيون يتطلعون إليه.

بل يكفي أن ننظر إلى ليبيا بعد أكثر من عقد.

بلد يمتلك واحدة من أكبر الثروات النفطية في أفريقيا، ومع ذلك يعاني المواطن من أزمات اقتصادية وخدمية وسياسية متكررة.

بلد يستطيع أن يكون من أغنى دول المنطقة، لكنه ما زال يعاني من الانقسام، ومن هشاشة المؤسسات، ومن الصراع على الموارد والسلطة.

وهنا يجب أن نكون أكثر إنصافًا:

ليست أمريكا وحدها مسؤولة عن كل ما حدث في ليبيا.

فالليبيون أنفسهم يتحملون جزءًا كبيرًا من المسؤولية.

القوى السياسية المحلية، والجماعات المسلحة، والنخب المتصارعة، والتدخلات الإقليمية، والفساد، وسوء الإدارة، والانقسام الاجتماعي والسياسي، كلها شاركت في صناعة المشهد الذي نعيشه اليوم.

لكن هذا لا يعفي القوى الدولية من مسؤوليتها.

فمن يشارك في إسقاط نظام سياسي، ثم يغادر دون أن يضمن بناء مؤسسات الدولة القادرة على ملء الفراغ، لا يستطيع أن يقول بعد ذلك إن ما حدث لا يعنيه.

لقد تعلم العالم، وربما تعلم الليبيون بالطريقة الأصعب، أن إسقاط النظام ليس هو نفسه بناء الدولة.

وهذه واحدة من أكبر مآسي التجربة الليبية.

لقد سقط القذافي.

لكن الدولة لم تستعد عافيتها.

سقط النظام.

لكن المؤسسات لم تتوحد.

تغيرت السلطة.

لكن لم يتغير منطق الصراع على السلطة.

وبدل أن ينتقل الليبيون من الثورة إلى الدولة، انتقلوا من مرحلة إلى أخرى من الانقسام.

وهنا تصبح عبارة «الربيع العربي» بحاجة إلى مراجعة عميقة.

هل كانت كل الثورات مؤامرة؟

لا.

وهل كانت كل القوى التي تدخلت في المنطقة تعمل من أجل مصالح الشعوب؟

أيضًا لا.

السياسة الدولية لا تقوم على العواطف.

الدول تتحرك وفق مصالحها.

وأميركا، مثل أي قوة عظمى، تنظر إلى أمنها ومصالحها ونفوذها وتحالفاتها.

وهذا أمر لا يحتاج إلى نظريات سرية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصدق المواطن أن القوى الدولية جاءت إلى بلاده من أجل مصلحته وحده.

الدول لا تملك أصدقاء دائمين، وإنما مصالح دائمة.

وهذه قاعدة يجب أن يفهمها الليبيون جيدًا.

لا واشنطن جمعية خيرية.

ولا موسكو كذلك.

ولا أنقرة.

ولا القاهرة.

ولا باريس.

ولا لندن.

ولا أي عاصمة أخرى.

كل دولة تبحث أولًا عن مصالحها.

والخطأ ليس أن تبحث الدول عن مصالحها.

الخطأ أن نسمح نحن للآخرين بأن يبحثوا عن مصالحهم في بلدنا بينما نعجز عن الاتفاق على مصلحتنا الوطنية.

وهنا أصل المشكلة.

لقد أصبحنا نلوم الخارج على كل شيء، بينما نترك الداخل بلا مسؤولية.

نقول إن العالم يتآمر علينا، ثم نمنح العالم مفاتيح أزمتنا بأيدينا.

نقول إن الآخرين يتدخلون في ليبيا، ثم نتقاتل نحن على استدعائهم.

نقول إن القرار الوطني مخترق، ثم يذهب كل طرف يبحث عن دولة أجنبية تدعم موقفه.

وهكذا يصبح التدخل الخارجي نتيجة للانقسام الداخلي، ثم يتحول التدخل بدوره إلى وقود لانقسام جديد.

وهذه هي الدائرة التي يجب كسرها.

أما النص المتداول عن أوباما، فلا ينبغي أن يجعلنا ننسى القضية الحقيقية.

القضية ليست أن أوباما قال جملة لم يقلها.

القضية أن ليبيا عاشت نتائج سياسات دولية ومحلية كان لها أثر عميق في حاضرها.

والقضية أن الشعب الليبي دفع، ولا يزال يدفع، ثمن صراع لم يختره في كثير من الأحيان.

والقضية أن الأطفال الذين يعيشون اليوم في الفقر الغذائي لا يعرفون من أوباما ولا من غيره.

لا يعرفون شيئًا عن الحسابات الجيوسياسية.

هم يعرفون فقط أن وطنهم غني، وأن حياتهم ليست غنية.

وهنا يجب أن يكون غضبنا حقيقيًا.

لا أن نغضب من منشور مفبرك، ثم ننسى الواقع.

لا أن نبحث عن «اعتراف أميركي» على مواقع التواصل، بينما الاعتراف الحقيقي موجود أمامنا في واقع البلاد.

نحن لا نحتاج إلى أوباما ليقول لنا إن ليبيا عانت.

نحن نعرف ذلك.

ولا نحتاج إلى خطاب سري ليخبرنا أن مصالح الدول الكبرى لعبت دورًا في منطقتنا.

هذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية.

ما نحتاجه هو أن نتعلم الدرس الحقيقي:

لا دولة أجنبية تستطيع أن تبني لنا ليبيا.

الأميركي لن يبنيها.

والروسي لن يبنيها.

والتركي لن يبنيها.

والأوروبي لن يبنيها.

والعربي لن يبنيها.

الليبيون وحدهم يستطيعون بناء دولتهم.

لكنهم لن يستطيعوا ذلك ما دام كل فريق يرى الوطن من زاوية جماعته، وما دام السياسي يرى السلطة غنيمة، وما دام الخارج يجد في انقسامنا فرصة للتدخل.

لقد آن الأوان لأن نتوقف عن سؤال العالم:

ماذا يريدون من ليبيا؟

وأن نبدأ بسؤال أنفسنا:

ماذا نريد نحن من ليبيا؟

إذا كانت الإجابة دولة واحدة، وقانونًا واحدًا، ومؤسسات موحدة، وثروة وطنية يستفيد منها الجميع، وانتخابات حقيقية، وقضاء مستقل، وجيش وشرطة تحت سلطة الدولة، وحماية للإنسان وكرامته.

فإن الطريق معروف.

قد يكون صعبًا.

لكنه ممكن.

أما الاستمرار في انتظار «المنقذ الخارجي»، فلن ينتج إلا نسخة جديدة من الأزمة.

ولذلك، إذا أردنا أن نتعلم من أوباما، فلنتعلم من السياسة الواقعية لا من خطاب مزور.

وإذا أردنا أن نحاكم أميركا، فلنحاكمها بما فعلت، لا بما لم تقله.

وإذا أردنا أن نحاكم أنفسنا، فلنكن أكثر شجاعة.

فربما تكون الحقيقة المؤلمة هي أن ليبيا لم تسقط فقط لأن الآخرين أرادوا لها ذلك.

بل لأنها كانت ضعيفة بما يكفي ليسقطها الآخرون.

وهذه هي الخلاصة التي يجب أن نفهمها قبل أن نبحث عن مؤامرة جديدة:

الخارج يستغل الفراغ.

والانقسام يصنع الفراغ.

والدولة وحدها تغلق الباب.

فهل تعلمنا الدرس؟

هذا هو السؤال الحقيقي.

ليس: ماذا قال أوباما؟

بل:

ماذا فعلنا نحن بعد أوباما؟

وهل سنظل نبحث عن أعداء ليبيا في الخارج، بينما نترك أبواب ليبيا مفتوحة لكل من يريد الدخول؟



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا