أوروبا تحترق.. أقوى «موجة حر» في التاريخ تضرب القارة - عين ليبيا

تعيش أوروبا واحدة من أكثر الظواهر المناخية تطرفاً في تاريخها الحديث، بعدما اجتاحت القارة موجة حر استثنائية وصفتها منظمة “وورلد ويذر أتريبيوشن” بأنها الأقوى منذ بدء تسجيلات الأرصاد الجوية، وسط تحذيرات من تداعيات صحية وإنسانية واسعة النطاق.

وأكدت المنظمة الدولية المعنية بالمناخ أن موجة الحر الحالية حطمت جميع الأرقام القياسية المسجلة لشهر يونيو، بل وتجاوزت العديد من المعدلات القياسية السنوية في عدد من الدول الأوروبية، في حدث وصفه علماء المناخ بأنه غير مسبوق.

ووفق التقرير، تجاوزت درجات الحرارة في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والمناطق الجنوبية من بريطانيا المعدلات الصيفية المعتادة بما يتراوح بين 5 و12 درجة مئوية، رغم أن يونيو لا يُعد تقليدياً أكثر أشهر السنة حرارة في أوروبا الغربية.

وأشار علماء المناخ إلى أن وقوع موجة حر بهذا الحجم خلال شهر يونيو كان يُعد شبه مستحيل قبل نصف قرن، إلا أن التغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية رفع احتمالات حدوث مثل هذه الظواهر بشكل هائل خلال العقود الأخيرة.

وأوضح الباحثون أن درجات الحرارة الليلية المرتفعة التي شهدتها أوروبا هذا الأسبوع أصبحت أكثر احتمالاً بنحو 100 مرة مقارنة بما كانت عليه قبل عشرين عاماً، ما يعكس حجم التحولات المناخية التي تضرب القارة.

وأظهرت الدراسات أن نحو 45% من أكثر من 800 مدينة أوروبية خضعت للتحليل سجلت أو يُتوقع أن تسجل أعلى مستويات الإجهاد الحراري خلال أواخر يونيو، وهي حالة تحدث عندما يفشل الجسم في تبريد نفسه بصورة كافية عبر التعرق، ما يرفع مخاطر الإصابة بضربات الشمس والمضاعفات الصحية الخطيرة.

وامتدت موجة الحر إلى ما لا يقل عن 150 مليون شخص في مختلف أنحاء أوروبا، بينهم أكثر من 50 مليون نسمة في ألمانيا و30 مليوناً في فرنسا، وفق تقديرات وتحليلات إعلامية.

وسجلت ألمانيا، الجمعة، أعلى درجة حرارة في تاريخها الحديث بعدما بلغت الحرارة 41.3 درجة مئوية في ولاية سارلاند جنوب غربي البلاد، في رقم قياسي جديد يعكس شدة الموجة الحالية.

ومنذ منتصف يونيو، تجاوزت درجات الحرارة حاجز 40 درجة مئوية في عدة دول أوروبية، بينها فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبريطانيا، وسط تصاعد المخاوف من استمرار الظروف الجوية القاسية خلال الأيام المقبلة.

وفي بريطانيا، سُجلت أعلى درجة حرارة على الإطلاق لشهر يونيو، بينما تسببت موجة الحر في وفيات وإرباك واسع للخدمات العامة، بما في ذلك انقطاعات كهربائية وإغلاق مدارس ومرافق ثقافية.

وأعلنت السلطات في عدد من الدول الأوروبية حالة التأهب القصوى، ورفعت مستويات الإنذار إلى اللون الأحمر، كما فرضت قيوداً على الفعاليات الجماهيرية، ودعت السكان إلى تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس والبقاء داخل الأماكن المكيفة قدر الإمكان.

وفي فرنسا، ظلت درجات الحرارة الليلية فوق 20 درجة مئوية لأكثر من أسبوع متواصل، في مؤشر إضافي على شدة الموجة الحالية وصعوبة تعافي الأجسام من آثار الحرارة المرتفعة.

وأعلنت السلطات الفرنسية، اليوم السبت، وفاة 109 أشخاص يوم أمس الجمعة في العاصمة باريس، جراء موجة الحر الشديدة التي تضرب البلاد منذ أيام، بحسب بيانات خدمات الطوارئ الصحية الفرنسية.

وأفادت هيئة الإذاعة الفرنسية العامة “فرانس إنفو”، نقلا عن بيانات مؤسسة خدمات الطوارئ الصحية، بأن عدد الوفيات المسجلة في باريس، أمس الجمعة، بلغ 109 حالات يعتقد أنها ناجمة عن تأثيرات درجات الحرارة المرتفعة، وأوضحت البيانات الرسمية أن هذا العدد المرتفع يشمل فقط الوفيات التي وقعت في المنازل والأماكن العامة، ولا يتضمن حالات الوفاة المسجلة داخل المستشفيات أو دور رعاية المسنين المختلفة.

وبحسب المصدر ذاته، يبلغ متوسط عدد الوفيات اليومية الطبيعية في باريس خلال الفترة نفسها من العام نحو 7 حالات فقط، مما يعكس الارتفاع الحاد والكبير في معدل الوفيات بالتزامن مع موجة الحر غير المسبوقة، وشهدت العاصمة الفرنسية، الجمعة، أيضا إصابة 30 شخصا بأزمات قلبية مفاجئة، فيما سجلت حالة لمريض أصيب بفرط الحرارة، بلغت درجة حرارة جسمه 43.7 درجة مئوية.

وفي ظل استمرار موجة الحر الصيفية القاسية، فعلت السلطات الصحية في باريس والمناطق المحيطة بها “خطة الطوارئ” القصوى داخل المستشفيات، والتي تشمل استدعاء الكوادر الطبية الموجودة في إجازات سنوية، وزيادة الطاقة الاستيعابية للأسرّة في أقسام العناية، وتأجيل العمليات الجراحية غير العاجلة للتعامل مع تدفق المصابين.

وكانت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية “ميتيو فرانس” أعلنت إصدار الإنذار الأحمر في 37 إقليما، بينها باريس وضواحيها، والإنذار البرتقالي في 48 إقليما آخر، بسبب الارتفاع الشديد في درجات الحرارة التي تخطت المعدلات الطبيعية، وتأتي هذه الموجة الحارة لتذكر بموجات الجفاف والحر الشديدة التي ضربت القارة الأوروبية في السنوات الأخيرة، والتي ربطها خبراء المناخ بظاهرة الاحتباس الحراري العالمي، مما يفرض تحديات ضخمة على البنية التحتية للمدن الأوروبية الكبرى ومنظوماتها الصحية لمواجهة التغير المناخي المستمر.

كما أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز مصرع أربعة وسبعين شخصا غرقا خلال عشرة أيام، وذلك على خلفية موجة الحر الشديدة والتاريخية التي تضرب أنحاء البلاد ودفع المواطنين إلى البحث عن أي وسيلة للتبريد.

وأوضح وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز خلال مقابلة صحفية أجراها مع صحيفة لو باريزيان الفرنسية أن هذه الوفيات الأربعة والسبعين سجلت منذ الثامن عشر من شهر يونيو، لافتا إلى أن هذه الحوادث وقعت غالبا في مسطحات مائية غير مرخصة وغير خاضعة للتنظيم والمراقبة الحكومية، كالأنهار والجداول والبرك المائية على وجه الخصوص، بالإضافة إلى تسجيل حالات غرق أخرى في مسابح خاصة داخل المنازل.

وأشار الوزير الفرنسي في حديثه للصحيفة إلى وجود ظاهرة الغرق المفاجئ التي تحدث نتيجة النزول السريع في الماء البارد، والناتجة أحيانا عن الإجهاد البدني المفرط الذي يتعرض له الجسم في الأجواء الحارة، فضلا عن رصد العديد من الوفيات التي وقعت بسبب إصابة الضحايا بأزمات قلبية مفاجئة جراء الفروقات الحرارية الحادة.

أما في إسبانيا، فكشفت بيانات رسمية أن أول موجة حر تشهدها البلاد هذا الموسم تسببت في وفاة أكثر من 200 شخص خلال أربعة أيام فقط.

وأظهرت بيانات نظام مراقبة الوفيات التابع لجامعة كارلوس الثالث في مدريد تسجيل 212 حالة وفاة بين الأحد والأربعاء، في ظل درجات حرارة تجاوزت 45 درجة مئوية في بعض المناطق.

ولا تزال التوقعات المناخية تشير إلى استمرار الأجواء الحارة خلال الأيام المقبلة، مع توقع تجاوز الحرارة 35 درجة مئوية لدى نحو 34 مليون شخص في فرنسا و17 مليوناً في إيطاليا و15 مليوناً في هولندا.

ودفع الوضع السلطات الهولندية إلى إصدار أول إنذار رسمي من موجة حر شديدة على مستوى البلاد، في خطوة نادرة تعكس خطورة الظروف الجوية الراهنة.

كما يُتوقع أن تمتد الموجة الحارة خلال الساعات المقبلة إلى منطقة البلقان، حيث شملت التحذيرات الحمراء كامل الساحل الأدرياتيكي، وسط توقعات بوصول الحرارة إلى 39 درجة مئوية في أجزاء من صربيا ومقدونيا الشمالية والبوسنة ومونتينيغرو.

وفي العاصمة الصربية بلغراد، تشير التوقعات إلى اقتراب درجات الحرارة من 39 درجة مئوية خلال الأيام المقبلة، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل في يونيو 2021.

وتأتي هذه التطورات في وقت يؤكد فيه العلماء أن أوروبا أصبحت القارة الأسرع ارتفاعاً في درجات الحرارة على مستوى العالم، ما يجعلها أكثر عرضة لموجات الحر الشديدة والظواهر المناخية المتطرفة.


خلفية وسياق

شهدت أوروبا خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً متسارعاً في وتيرة موجات الحر والجفاف والفيضانات، في ظل تحذيرات متكررة من المؤسسات العلمية الدولية بشأن تأثيرات التغير المناخي. وتشير الدراسات إلى أن القارة الأوروبية ترتفع حرارتها بوتيرة أسرع من المتوسط العالمي، ما يزيد من احتمالات تسجيل ظواهر جوية متطرفة وغير مسبوقة مستقبلاً.


10 عناوين قوية



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا