إعدامات بنغازي والعدالة المفقودة - عين ليبيا
من إعداد: محمد عمران كشادة
بعد سنوات من التلميع الإعلامي لمنظومة حفتر في شرق ليبيا، وانبهار الليبيين بمشروعات الإعمار في بنغازي ودرنة ومعظم مدن شرق ليبيا، واحتضان مدينة بنغازي لعدد من المؤتمرات الدولية التي رفعت اسم المدينة وذاع صيتها عربيا ودوليا، وكان من أهمها المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح الذي انعقد في بنغازي في يوليو 2026م تحت شعار (العدالة أساس المصالحة) والذي روج القائمون عليه إلى أنه يهدف إلى تعزيز إنفاذ القانون وضمان حقوق الإنسان في المؤسسات الإصلاحية، جاءت هذه الإعدامات لتؤكد بأن منظومة حفتر العسكرية القائمة على الظلم لا يمكن أن تخفي حقيقتها عن أعين الناس مهما تم تلميع صورتها، وأن عقلية زرع الخوف بين الناس لضمان خضوعهم وعدم احترام حقوق الإنسان هي العقلية السائدة.
في ظل هذا المشهد الدموي في بنغازي، أصبح الحديث عن المصالحة الوطنية وعودة مهجري بنغازي ودرنة لديارهم، ورد الحقوق والأملاك المغتصبة لأصحابها أمر غير مقبول، ولا وجود لضمانات تمنح الناس الأمان، هذه الإعدامات تنسف كل الجهود الخيرة لتحقيق المصالحة الوطنية وجبر الضرر، والتوافق بين الليبيين، وبالتالي فإن مشروع العسكر بقيادة حفتر لحكم ليبيا والذي استثمرت فيه دول أجنبية لفرض هيمنتها على ليبيا وفي مقدمتها مصر والإمارات، والذي يعتقد كثير من الليبيين بأنه هو الحل الأمثل، هو في الحقيقة مشروع للموت وتكميم الأفواه، ونصب المشانق، وإعدام الشباب في عمر الزهور، وهم ليسوا شباب عاديين، بل هم من خيرة شباب ليبيا ألصقت بهم تهمة الإرهاب ظلما وزورا، ليس لهم ذنب إلا أنهم ضد مشروع حفتر.
إن الشعارات المزيفة، والاستثمار في خطاب الكراهية، والتضليل الإعلامي، وقلب الحقائق، ومشاهد الجنرالات وبزاتهم العسكرية المطرزة بالأوسمة والنياشين والاستعراضات العسكرية لن تبني وطن، وما يريده الليبيين ليس مشروع إعادة بناء دكتاتورية جديدة على أنقاض دكتاتورية معمر القذافي المنهارة، ولا قائد أممي جديد تختزل البلاد في شخصه، بل دولة ديمقراطية تتحقق فيها العدالة الاجتماعية، وصون حقوق الإنسان، دولة المؤسسات والقانون التي لا يمجد فيها أشخاص، ولا تتحكم فيها عائلات، وتحتكر السلطة والثروة.
هذه الإعدامات التي طالت العشرات من أبناء بنغازي ودرنة، والتي من المتوقع أن تطال آخرين من المعتقلين في سجون حفتر تمثل تحدي أخلاقي وإنساني للبعثة الأممية في ليبيا والمنظمات الدولية، وللدول الكبرى التي تدعي حرصها على حقوق الإنسان، والتي من المؤكد ستكتفي بإبداء القلق، وبيانات الشجب والاستنكار، والتنديد.
في ظل هذا الوضع لم يعد هناك مبرر مقبول لأن يسوق إعلام حفتر لليبيين حرصه على حياتهم وكرامتهم وأنه من أجل ذلك سيتم جلب أبوعجيلة المريمي من الولايات المتحدة الأمريكية إلى بنغازي، ويصبح الحديث أيضا عن دور القيادة العامة لما يسمى بالجيش الوطني الليبي في إطلاق سراح رهينة أمريكي في مالي عبثي في الوقت الذي يعدم فيها خيرة أبناء ليبيا، لقد سقطت الأقنعة، والحقيقة ماثلة أمام كل الليبيين ولا ينكرها إلا جاحد، أو متحيز لتوجه سياسي تثبت كل الوقائع بأنه يسير بالبلاد نحو المجهول، ولقد أخطأت سلطة الأمر الواقع في شرق ليبيا في حساباتها بهذه الإعدامات الظالمة، والدم لن يجلب إلا مزيد من الدماء والأحقاد.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا