اختطاف الدولة: قراءة قانونية في تصريحات النيابة العامة بشأن المحروقات والاعتمادات - عين ليبيا

من إعداد: د. مجدي الشبعاني‎

في نوفمبر 2017 نشرتُ مقالة هنا بعنوان «الفساد بالقانون»، انطلقتُ فيها من فرضية مفادها أن أخطر صور الفساد ليست تلك التي تُرتكب خلسة خارج النصوص، بل تلك التي تُمارَس من داخل المنظومة القانونية نفسها؛ حين يتحول القانون من أداة للضبط والحماية إلى غطاء شكلي للنهب، ومن وسيلة لتحقيق الصالح العام إلى آلية لإعادة إنتاج الامتيازات الخاصة. وقد أكدتُ آنذاك أن الإصلاح يصبح عبثيًا متى استقر الفساد في بنية القواعد والإجراءات، لأن الخلل لا يعود في السلوك الفردي فقط، بل في الهندسة القانونية والإدارية التي تسمح للفساد أن يعمل بأمان واطمئنان، ويُفرغ فكرة سيادة القانون من مضمونها العملي.

واليوم، ومع ما تكشفه التحقيقات الجارية في ملفات المحروقات والاعتمادات، وما رافقها من تصريحات وتحركات مؤسسية تقودها النيابة العامة، يبدو أن ذلك التحذير النظري قد وجد تنزيله العملي الواضح. فالوقائع المعروضة لا تشير إلى مخالفات فردية معزولة بقدر ما تكشف عن تشوهات هيكلية عميقة في أساليب التعاقد، وآليات التمويل، ونظم التوزيع، بما يجعل من القانون ذاته – في بعض مفاصله وتطبيقاته – جزءًا من المشكلة لا من الحل.

إن مفهوم «الفساد بالقانون» لا يعني اتهام النص القانوني في ذاته، وإنما التحذير من انحراف وظيفته الأصلية. فالفساد المقنّن يتحقق عندما تُصاغ القوانين أو اللوائح على نحو يفتح ثغرات متعمدة، أو عندما تُمنح سلطات تقديرية واسعة بلا ضوابط موضوعية، أو حين تُحصَّن قرارات إدارية تترتب عليها أضرار جسيمة بالمال العام. في هذه الحالة يصبح الفعل قانونيًا في شكله، لكنه غير مشروع في مضمونه، ومدمّرًا في أثره الاقتصادي والاجتماعي. وهذا الفهم يتقاطع مع ما استقر عليه فقه القانون العام المقارن في التمييز بين حكم القانون (Rule of Law)، حيث يخضع الجميع للقانون، والحكم بالقانون (Rule by Law)، حيث يُستخدم القانون ذاته كأداة سلطة لا كقيد عليها.

وتُعدّ ملفات المحروقات والاعتمادات مثالًا تطبيقيًا صارخًا على هذا النمط من الفساد المؤسسي. فالعقود المبرمة، والاعتمادات المفتوحة، والقرارات الصادرة، كلها – في ظاهرها – تستند إلى لوائح نافذة وإجراءات شكلية صحيحة، غير أن نتائجها – بحسب ما أُعلن – أفضت إلى هدر واسع للمال العام، واستنزاف ممنهج للنقد الأجنبي، واختلالات حادة في توزيع الوقود، وخلق بيئة حاضنة للتهريب والاحتكار. وهنا لا يكون السؤال القانوني: من سرق؟ فقط، بل السؤال الأعمق: كيف صُمِّمت القواعد التي سمحت بهذا النزيف؟ ومن المسؤول عن اعتمادها واستدامتها؟

وفي هذا السياق، يبرز ملف مبادلة النفط الخام بالمحروقات بوصفه جوهر الإشكال. فمن زاوية القانون الإداري المقارن، تُعدّ آليات التعاقد غير التنافسية من أكثر المسارات عرضة لتضارب المصالح وإضعاف الرقابة، لأنها تُقصي مبدأ المنافسة وتُضعف معيار الشفافية. وقد بينت التجارب الدولية أن غياب المنافسة يُصعّب تحديد السعر العادل، ويُربك إمكانات المراجعة والمساءلة اللاحقة. وإذا ثبت أن اعتماد هذا الأسلوب قد ألحق أضرارًا جسيمة بالمصلحة العامة، فإن المسؤولية لا تقف عند حدود المستفيدين المباشرين، بل تمتد إلى القرار الإداري ذاته، باعتباره قرارًا مولِّدًا للخطر العام، وفق ما استقر عليه القضاء الإداري في العديد من الأنظمة المقارنة.

وينسحب التحليل ذاته على الاعتمادات المصرفية. فالاعتماد المستندي، في فلسفته القانونية، أداة لتنظيم التجارة وحماية النقد الأجنبي وضمان سلامة المعاملات، غير أنه متى انفصل عن رقابة حقيقية على العقد، والشحنة، والاستلام الفعلي، تحوّل إلى قناة قانونية لاستنزاف المال العام. وهذا النمط من الانفصال بين الإجراء وغاياته هو ما وصفته سابقًا بـ«الفساد بالقانون»: إجراءات صحيحة شكلًا، نتائج مدمّرة مضمونًا، يدفع كلفتها المواطن مباشرة في صورة تضخم، وندرة، وارتفاع متواصل في الأسعار، وتآكل للقدرة الشرائية.

ومن منظور دستوري أوسع، لا يمكن فصل هذه الوقائع عن مبدأ حماية المال العام بوصفه أحد تجليات المصلحة العامة، وهو مبدأ راسخ في الدساتير المقارنة وفي فقه القضاء الدستوري. كما أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد تؤكد، في أكثر من موضع، أن مكافحة الفساد لا تقتصر على التجريم والعقاب، بل تشمل إصلاح الأطر التشريعية والتنظيمية، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد العامة، ومنع تضارب المصالح، وتفعيل آليات الرقابة المسبقة واللاحقة، باعتبارها أدوات وقائية لا غنى عنها.

(اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد – UNCAC):
https://www.unodc.org/unodc/en/corruption/convention.html

وفي التجربة المقارنة، يبرز مفهوم «اختطاف الدولة» (State Capture) لوصف الحالات التي تُصاغ فيها القوانين واللوائح لخدمة مصالح فئات بعينها، وهو مفهوم تبنته تقارير البنك الدولي ومنظمة الشفافية الدولية في تحليل أنماط الفساد العميق الذي لا يعمل خارج الدولة، بل من داخل مؤسساتها وأطرها القانونية.
‏https://www.transparency.org/en/what-is-corruption#state-capture
https://www.worldbank.org/en/topic/governance/brief/anti-corruption

ضمن هذا الإطار، تكتسب التحركات الأخيرة للنيابة العامة دلالتها الأهم. فالجديد ليس فقط فتح التحقيقات أو اتخاذ إجراءات ضبط، بل محاولة تفكيك المنظومة ذاتها عبر جمع الجهات الرقابية والمالية والتنفيذية، وتوحيد مسارات المعلومات، وسد فجوات الاختصاص التي طالما سمحت بتبادل المسؤوليات والتنصل منها. ومن زاوية القانون العام، يمثل هذا التحرك انتقالًا مهمًا من منطق الملاحقة الجنائية اللاحقة إلى منطق الحوكمة الجنائية الوقائية، التي تستهدف أسباب الفساد وبناه المؤسسية لا أعراضه فقط.

غير أن هذه اللحظة تظل لحظة اختبار حقيقية. فالمساءلة الجنائية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها إذا لم تُستكمل بإصلاح القواعد والآليات التي سمحت للفساد بالاستقرار. إن الرهان الحقيقي ليس على إدانة من أخطأ فحسب، بل على استعادة الوظيفة الأصلية للقانون: أن يكون قيدًا على السلطة لا أداة بيدها، وضمانًا للصالح العام لا وسيلة للالتفاف عليه. وهي مسؤولية لا تقع على عاتق القضاء وحده، بل تمتد إلى المشرّع، والإدارة العامة، وأجهزة الرقابة، والرأي العام الواعي.

لقد كان التحذير من «الفساد بالقانون» قبل سنوات محاولة للتنبيه إلى مستقبل تُختطف فيه النصوص لصالح الممارسات الفاسدة. واليوم، تضعنا ملفات المحروقات والاعتمادات أمام فرصة نادرة: إما أن نكتفي بمساءلة النتائج، أو أن نذهب إلى الجذور، بإصلاح منظومة القرار والتعاقد والرقابة، حتى لا يعود القانون نفسه غطاءً للفساد، بل سياجًا مانعًا له وأداةً لحماية الدولة من أن تُدار ضد نفسها.

إحالات أساسية:
د. مجدي الشبعاني، الفساد بالقانون، منشور 12 نوفمبر 2017. عين ليبيا .
• اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC):
https://www.unodc.org/unodc/en/corruption/convention.html
• منظمة الشفافية الدولية – اختطاف الدولة:
https://www.transparency.org
• البنك الدولي – الحوكمة ومكافحة الفساد:
https://www.worldbank.org/en/topic/governance



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا