البرهان: لن نقبل «سلاماً منقوصاً» يعيد حميدتي إلى السلطة - عين ليبيا

أكد رئيس مجلس السيادة السوداني والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، أن القوات المسلحة تمثل جميع أهل السودان، وتؤدي دورًا وطنيًا في حماية الشعب والدفاع عن أرض البلاد وسيادتها ومقدراتها، مشيرًا إلى التضحيات الكبيرة التي قدمها أفرادها خلال الحرب.

وقال البرهان، بحسب موقع “أخبار السودان”، إن القوات المسلحة ليست مؤسسة تابعة لمكون قبلي أو حزب سياسي أو انتماء عرقي محدد، وإنما هي مؤسسة وطنية جامعة تضم في صفوفها مختلف مكونات الشعب السوداني، معتبرًا أن هذا التنوع يمثل أحد أبرز مصادر قوتها وقدرتها على أداء واجبها تجاه السودانيين دون تمييز.

وجاءت تصريحات رئيس مجلس السيادة خلال مخاطبته، اليوم السبت، احتفال ولاية الخرطوم بالذكرى الثانية والسبعين للقوات المسلحة السودانية، والذي أقيم في قاعة المجلس التشريعي.

وأشار البرهان إلى أن القيادة العليا للدولة تدرك حجم المعاناة التي يعيشها المواطنون، خصوصًا الذين فقدوا مصادر رزقهم وممتلكاتهم ومقتنياتهم الخاصة نتيجة الحرب، موجّهًا حكومة ولاية الخرطوم إلى العمل على تخفيف هذه الأعباء.

ودعا حكومة الولاية إلى التوسع في توفير فرص العمل، ودعم الأنشطة الاقتصادية والتجارية، وتخفيف الأعباء عن أصحاب الأعمال، وتهيئة البيئة المناسبة أمامهم لاستئناف نشاطهم بصورة طبيعية، بما يساعد على تحسين الظروف المعيشية للسكان.

وفي ملف الحوار السياسي، أعلن البرهان أن الدولة ستوفر حصانة مؤقتة وضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين في حوار سوداني تتولى إدارته آلية وطنية مستقلة، إلى جانب تعليق الإجراءات الجنائية بحق الأشخاص الذين يواجهون اتهامات من السلطات خلال فترة مشاركتهم في الحوار.

وأوضح أن مجموعة وطنية من السودانيين بادرت من تلقاء نفسها بطرح مبادرة للحوار، وأنه التقى أعضاءها واستمع إلى رؤيتهم واستجاب لمطالبهم المتعلقة بتهيئة المناخ الملائم للعملية السياسية.

وقال رئيس مجلس السيادة إن المجموعة ستعمل بوصفها آلية مستقلة لإدارة الحوار، مع تعهد الدولة بتوفير الحماية والضمانات للمشاركين وتقديم الدعم اللوجيستي اللازم لعقد مؤتمر الحوار.

وشدد البرهان على أن الإجراءات المتعلقة بالمشاركين لا تمثل عفوًا، وإنما تعليقًا مؤقتًا للإجراءات الجنائية بحق من دُوّنت ضدهم اتهامات، بما يوفر لهم حصانة مؤقتة خلال مشاركتهم في الحوار، من دون إسقاط حقوق أصحاب البلاغات.

كما تعهد بتوفير حماية قانونية للآراء والمواقف التي يطرحها المشاركون خلال جلسات الحوار، وعدم استخدام ما يدلون به أساسًا لملاحقتهم قانونيًا.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الآلية الوطنية المعنية بإدارة الحوار السوداني تستعد لعقد مؤتمر صحفي خلال الأيام المقبلة، لعرض رؤيتها للعملية السياسية وخطتها للمرحلة المقبلة.

وأكد البرهان أن الدولة لن تكون الجهة المنظمة للحوار أو المحددة لأجندته ومخرجاته، احترامًا لاستقلاليته، مشددًا على أن نجاح العملية السياسية يحتاج إلى مناخ عام تسوده الحريات.

ودعا إلى أن يكون الحوار الوطني عملية مفتوحة تجري في فضاء عام يسمح للمجتمع بإبداء الرأي والنقد من دون خوف أو تضييق، في خطوة تستهدف، وفق طرحه، توفير مساحة أوسع للمشاركة السياسية.

وفي ملف مؤسسات الحكم، كشف البرهان عن بدء حوار مع القوى الوطنية التي ساندت الدولة ومؤسساتها خلال المرحلة الماضية، بهدف إشراكها في استكمال مؤسسات الحكم عبر تمثيلها في المجلس التشريعي “البرلمان”، الذي تجري مشاورات لتشكيله خلال الفترة المقبلة.

وعلى الصعيد الأمني، قال البرهان إن الجيش ماضٍ فيما وصفه بـ”استكمال تطهير البلاد من المليشيا الإرهابية”، مؤكدًا استعداد القوات المسلحة للتعامل مع أي مبادرة جادة للسلام.

لكن رئيس مجلس السيادة شدد في الوقت نفسه على رفض ما وصفه بـ”سلام منقوص”، مؤكدًا رفض عودة قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” ومسانديها إلى السلطة.

وحدد البرهان، في حديثه عن مسار السلام، شروطًا تبدأ بخروج قوات الدعم السريع من المدن وتجميعها في مناطق محددة، ثم عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم، قبل الانتقال إلى بحث أوضاع المقاتلين وإمكان استيعاب من لم يرتكبوا جرائم منهم في القوات النظامية.

وأقيم الاحتفال الذي شهد تصريحات البرهان في مقر رئاسة منظومة الصناعات الدفاعية بضاحية كافوري في الخرطوم بحري، بحضور أعضاء في مجلس السيادة ورئيس الوزراء كامل إدريس وقيادات عسكرية وأمنية.

وتتزامن هذه المواقف مع تحركات أفريقية جديدة بشأن الأزمة السودانية، إذ من المنتظر أن يصل إلى الخرطوم، اليوم السبت، وفد من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في زيارة رسمية هي الثانية منذ اندلاع الحرب.

ويضم الوفد ممثلي الدول الخمس عشرة الأعضاء في المجلس، ويترأسه مندوب الجزائر، التي تتولى رئاسة المجلس خلال أغسطس 2026.

وبحسب وكالة “المحقق” السودانية، تستمر زيارة الوفد الأفريقي ثلاثة أيام، ويجري خلالها مباحثات مع رئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

وفي يوليو 2026، بحث المبعوث الخاص للاتحاد الأفريقي إلى السودان محمد بلعيش في الخرطوم التطورات السياسية والأمنية، وجهود الوساطة الأفريقية، إلى جانب ملف إعادة فتح مكتب الاتحاد الأفريقي في العاصمة السودانية.

وكان السودان قد طلب رسميًا من مجلس السلم والأمن الأفريقي إنهاء تعليق عضويته في الاتحاد الأفريقي، بعدما علق المجلس مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد عقب قرارات البرهان بحل مجلسي السيادة والوزراء وفرض حالة الطوارئ في أكتوبر 2021.

وتأتي هذه التحركات السياسية في وقت يواجه فيه السودان أزمة إنسانية وصحية واسعة، مع استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023.

وتشير المعلومات الواردة في المادة إلى أن القتال خلف عشرات الآلاف من القتلى ونحو 13 مليون نازح ولاجئ، بعضهم لجأ إلى دول الجوار، بينما تحولت الأزمة إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم بحسب الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.

وفي الجانب الصحي، تواجه المستشفيات والمراكز الطبية ظروفًا شديدة الصعوبة، بعدما تعرضت مرافق صحية لهجمات أو خرجت من الخدمة نتيجة الأضرار ونقص الأطباء والأدوية والكهرباء والمياه.

وقالت منظمة الصحة العالمية إن العالم شهد منذ بداية عام 2026 أكثر من 900 اعتداء على مرافق الرعاية الصحية والعاملين فيها، بمعدل يزيد على أربعة اعتداءات يوميًا، وأسفرت هذه الاعتداءات عن مقتل ما لا يقل عن 900 شخص وإصابة أكثر من 1400 آخرين.

وشملت الاعتداءات، وفق المنظمة، قصف المستشفيات وتدمير المراكز الطبية وسيارات الإسعاف، إلى جانب احتجاز عاملين صحيين أو اختطافهم، فيما سجلت المنظمة احتجاز 94 من العاملين في المجال الطبي منذ بداية العام.

ويبرز السودان بين الدول الأكثر تضررًا من هذه الأزمة، إذ أدت أكثر من ثلاث سنوات من الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى شل أجزاء واسعة من القطاع الصحي، وحرمان ملايين السكان من خدمات الرعاية الطبية الأساسية.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 37 بالمئة من المرافق الصحية في ولايات السودان الثماني عشرة أصبحت خارج الخدمة، نتيجة القصف والتدمير ونقص الكوادر والأدوية والمعدات وانقطاع الكهرباء والمياه وتعطل سلاسل الإمداد.

وتزداد صعوبة الوضع في المناطق التي تشهد قتالًا مستمرًا، خصوصًا في دارفور وكردفان، حيث أغلقت مستشفيات أبوابها بصورة كاملة، بينما تعمل منشآت أخرى بصورة جزئية وفي ظروف شديدة الخطورة.

ومنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تحققت منظمة الصحة العالمية من 217 اعتداءً على مرافق الرعاية الصحية والعاملين فيها في السودان، أسفرت عن مقتل 2052 شخصًا وإصابة 810 آخرين، وفق آخر حصيلة تفصيلية نشرتها المنظمة بشأن البلاد.

ولا تشمل هذه الأرقام بالضرورة جميع الاعتداءات، في ظل صعوبة الوصول إلى مناطق القتال وانقطاع الاتصالات ومحدودية القدرة على جمع المعلومات والتحقق منها.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن المستشفيات وسيارات الإسعاف والعاملين الصحيين والمرضى تعرضوا مرارًا للهجمات، ما أدى إلى تقليص فرص الحصول على العلاج، خصوصًا في المناطق التي أغلقت مرافقها نتيجة تدمير المباني والمعدات أو فرار الكوادر الطبية.

وتقدر المنظمة أن نحو 21 مليون شخص في السودان لا يحصلون على الخدمات الصحية التي يحتاجون إليها، من بين 34 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية.

وتتزامن أزمة القطاع الصحي مع انتشار الأمراض وسوء التغذية، إذ يواجه أكثر من أربعة ملايين شخص خطر سوء التغذية الحاد خلال عام 2026، ما يزيد من تعرضهم للمضاعفات والأوبئة.

وسجلت ولايات سودانية عدة تفشيًا للملاريا وحمى الضنك والحصبة وشلل الأطفال والتهاب الكبد الوبائي والتهاب السحايا والدفتيريا، في وقت تراجعت فيه قدرة المستشفيات والمختبرات على الكشف المبكر عن الأمراض وعلاج المصابين.

كما أدى نقص المياه النظيفة وتضرر شبكات الصرف الصحي والاكتظاظ في مخيمات النزوح إلى تسريع انتشار العدوى، خصوصًا الكوليرا، بين الأطفال والنساء وكبار السن.

وأجبرت الحرب مرضى في مناطق واسعة على قطع مسافات طويلة ومحفوفة بالمخاطر للوصول إلى أقرب مرفق صحي يعمل، بينما يواجه آخرون خطر الوفاة نتيجة تعذر الحصول على الأدوية أو وسائل النقل أو القدرة على تحمل تكاليف العلاج.

وفي مارس الماضي، أدى قصف جوي نفذه الجيش على مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور إلى مقتل عشرات الأشخاص، بينهم أطفال وعاملون في المجال الصحي، وإخراج المستشفى من الخدمة، وفق المعلومات الواردة في المادة.

وكان مستشفى الضعين يشكل مرفقًا مرجعيًا حيويًا لمئات الآلاف من السكان في شرق دارفور والمناطق المجاورة، ما جعل تداعيات الهجوم تمتد إلى حرمان تجمعات سكانية واسعة من خدمات الجراحة والرعاية الطارئة وخدمات النساء والأطفال.

كما تعرضت مرافق صحية في كردفان لأضرار مباشرة بالتزامن مع تصاعد القتال والهجمات بالطائرات المسيّرة، فيما تعطلت مراكز طبية في مناطق أخرى بسبب نفاد الأدوية أو انسحاب المنظمات التي كانت تمول تشغيلها.

وفي بلدة شعيرية بولاية شرق دارفور، توقف قسم الولادة والصيدلية في مركز صحي يخدم أكثر من خمسة آلاف شخص، بعد انتهاء عقد المنظمة التي كانت تتولى تشغيله، بينما يعمل المختبر حاليًا بقدرات محدودة وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.

وفي طويلة بشمال دارفور، أدى الاكتظاظ ونقص المياه الآمنة وتدهور خدمات الصرف الصحي إلى انتشار الكوليرا والتهاب الكبد الوبائي وأمراض معدية أخرى بين مئات الآلاف من النازحين، بينما زادت الأمطار والسيول صعوبة تقديم الخدمات الصحية.

ولا تقتصر تداعيات الحرب على تدمير المستشفيات، إذ أدت المعارك إلى هجرة أعداد كبيرة من الأطباء والممرضين، وتعطل الإمدادات الطبية، وصعوبة نقل الأدوية واللقاحات والوقود بين الولايات.

كما تسبب انقطاع الكهرباء في توقف أجهزة العناية المركزة والمختبرات وحفظ الدم واللقاحات، بينما أدى نقص الوقود إلى تعطيل سيارات الإسعاف ومولدات المستشفيات.

وفي المناطق المحاصرة أو المعزولة، أصبحت المنشآت الطبية تعتمد على مبادرات المتطوعين وغرف الطوارئ، التي تعمل بإمكانات محدودة وفي ظل مخاطر القصف والاعتقال ونفاد الإمدادات.

ورغم تمكن منظمة الصحة العالمية وشركائها منذ اندلاع الحرب من إيصال أكثر من 3300 طن من الأدوية والمستلزمات وتوفير خدمات أساسية لأكثر من 4.1 مليون شخص، فإن حجم الاحتياجات يتجاوز القدرات المتاحة، في ظل استمرار القتال وصعوبة الوصول ونقص تمويل عمليات الإغاثة.

ويحظر القانون الدولي الإنساني استهداف المستشفيات والعاملين الصحيين والمرضى وسيارات الإسعاف، كما يلزم أطراف النزاعات باحترام المرافق الطبية وحمايتها وتسهيل وصول الإمدادات والعاملين إليها.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن آلاف الهجمات التي وثقتها على الرعاية الصحية في مناطق النزاعات منذ بدء آلية الرصد العالمية لم تؤد إلى إجراءات محاسبة تتناسب مع حجم الانتهاكات.

وتحذر المنظمة من أن تدمير المرافق الصحية لا يؤدي فقط إلى سقوط قتلى وجرحى أثناء الهجمات، وإنما يخلق وفيات غير مباشرة يمكن أن تمتد آثارها لسنوات نتيجة توقف علاج الأمراض المزمنة وتعطل خدمات الولادة والتطعيم والجراحة ومكافحة الأوبئة.

وتكشف هذه المعطيات أن الحرب السودانية تتجاوز في آثارها الخسائر المباشرة في الأرواح والنزوح، لتصل إلى البنية الصحية التي يعتمد عليها المدنيون في العلاج والوقاية، مع اتساع رقعة المناطق المحرومة من الرعاية وارتفاع مخاطر الجوع والأوبئة والوفيات التي يمكن تفاديها.

وفي الوقت الذي يطرح فيه البرهان ضمانات وحصانات مؤقتة للمشاركين في الحوار، ويؤكد استعداد الجيش للتعامل مع مبادرات السلام ضمن شروط محددة، تتحرك مؤسسات أفريقية مجددًا باتجاه الخرطوم، بينما تستمر الحرب في فرض كلفة إنسانية وصحية متزايدة على السودانيين.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا