البشر والمدن والحجر - عين ليبيا

من إعداد: فوزي عمار

المدن، وهي الحجر، تتشابه كثيراً مع البشر… فهناك مدن ترحب بك، وهناك مدن تخرج مبتهجة للقائك.. وحزينة لوداعك.. ومدن محافظة لا تثق بالغرباء. ومدن تستسلم للغازي، ومدن تقلد المنتصر، ومدن تقاوم المعتدي… ومدن تحتضن البحر وتعيش عليه.. ومدن تخاف اليم. مدن تحتويك وتجعلك جزءاً من نسيجها وفسيفسائها.

كعرب، ورثنا ثقافة كراهية البحر لأن كل الغزاة جاؤوا لنا من البحر… لذا بنى العرب مدنهم في عمق الصحراء، فهي الحصن الحصين من كل اعتداء، مثل القاهرة والقيروان.. بينما ركب الكنعانيون والفينيقيون والرومان البحر، وبنوا مدنهم بمحاذاته، مثل صيدا وصور وقرطاجنة ولبدة وإسكندرية… وورثوا عنها طباع البحر.

تتأثر المدن طبائع البشر، والعكس صحيح.. فهنالك مدن صاخبة ومدن وديعة.. مدن محافظة ومدن فاضحة… مدن لا تعرفها إلا إذا حلقت عالياً في السماء من شباك الطائرة.. مدن تخرج لسانها مشاكسة، وأخرى تمد يدها مصافحة. إنها حالة الانصهار بين طبيعة المدينة وساكنيها، وعلاقة البشر والحجر.

وكما تحمل الوجوه خطوط التجاعيد التي تحكي قصص السنين، تحمل واجهات الحجر في المدن ندوب التاريخ ووشوم الحروب والسلام. فالمدينة ليست مجرد حجر مرصوص، بل هي ذاكرة جمعية متجسدة، تتنفس من خلال شوارعها وتتحدث من خلال أبنيتها. هي لوحة مرسومة بأنامل أجيال متعاقبة، كل جيل يضيف لمسة أو يمحو أخرى، لكن الروح تبقى حية في النسيج العمراني.

وهنا تتجلى المعادلة الأعمق: فالمدن لا تُشكّل سكانها فحسب، بل يُشكّلونها هم أيضاً. فالإنسان يبني بيته على مقاس أحلامه ومخاوفه، وتبنى المدينة على مقاس رؤية أبنائها الجماعية. تلك الرؤية قد تكون منفتحة على الآفاق، فتخلق مدناً مضيافة كالشمس، متعددة الثقافات كالبستان المزهر. وقد تنطوي على نفسها خوفاً من الغريب أو تمسكاً بالمألوف، فتشيّد أسواراً عالية، حتى لو كانت غير مرئية، تفصل بين “الأنا” و”الآخر”.

وترى المدن المحافظة التي نشأت في أحضان الصحراء، العالم من خلال عدسة الحماية والتحصين. شوارعها قد تكون متشابكة كمتاهات، تحمي خصوصية ساكنيها، وبيوتها تتجه إلى الداخل، نحو الفناء الخفي، كالنفس التي تحتفظ بأسرارها. بينما مدن البحر، التي ولدت من رغوة الأمواج، تفتح نوافذها ونواديها ومقاهيها على العالم. شوارعها مستقيمة تؤدي إلى الأفق الأزرق، وبيوتها تطل على الماء اللامتناهي، كالنفس الشغوفة بالمجهول والمغامرة.

وما بين هذين النمطين، تنشأ مدن هجينة، تحمل تناقضاتها في طياتها. قد ترى فيها سوراً قديماً وآخر حديثاً، وتسمع في أزقتها همس التاريخ وصخب الحداثة في آن واحد. هذه المدن تعيش صراع الهوية، فتتأرجح بين الانغلاق والانفتاح، بين الحنين إلى الجذور والحلم بمستقبل عالمي. سكانها يحملون هذا التناقض في قلوبهم، فتجد المحافظ المتشدد يعيش بجوار المنطلق المتحرر، وكلاهما يشكلان معاً نسيج المدينة المتوتر والغني.

وفي عصر العولمة، حيث تذوب الفروق وتتشابه واجهات المحلات في كل مكان، تبرز معركة جديدة للمدن: معركة الحفاظ على روحها الفريدة. فكما يحارب الإنسان التشيؤ والتحول إلى رقم، تحارب المدينة أن تصبح نسخة كربونية من غيرها. قوتها تكمن في تفاصيلها المحلية: في رائحة التوابل في سوقها القديم، في نغمات أغانٍ شعبية تتدفق من مقهى، في عمارة تاريخية تروي حكايات الأجداد.

فالمدينة الحية هي التي تمنحك الشعور بأنك دخلت إلى عالم له طعم ورائحة وصوت مختلف. هي التي تجعلك، حتى لو كنت غريباً، تتلمس خيطاً يربطك بها، كأنك وجدت جزءاً منك كان ضائعاً في حجرها وترابها.

وأخيراً، هنالك مدن تمثل اليوتوبيا، ومدن تمثل الدستوبيا. المدن التي تمثل “اليوتوبيا” ليست تلك المثالية الخالية من المشاكل، بل هي التي تعترف بتناقضاتها وتحتضن تنوع سكانها، فتصبح كالجسد الحي الذي تستطيع خلاياه التعافي والنمو. أما “الدستوبيا” فهي المدينة التي تموت فيها هذه الروح، فتصبح الحجارة باردة كالقبور، والشوارع مسارات مجردة لأرقام وإحصائيات، وينفصل الإنسان عن الحجر، ليصير غريباً في مكان كان يفترض أن يكون بيتاً.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا