الحلم والتغيير.. هل نتيه في الرهانات السطحية أم أزمتنا أزمة عقل وبناء أخلاقي؟ - عين ليبيا

من إعداد: لواء نايف الحاسي

تتجدد من وقت لآخر الدعوات الداعية للتحرك الشعبي والخروج إلى الشوارع، وتتعالى الأصوات بالهتاف والتنديد أملاً في إحداث فارق في الواقع المعيشي. غير أن المتأمل العميق في بنية التحولات المجتمعية يدرك أن الوقائع التاريخية الكبرى هي أحداث قدَرُها أن تقع وتؤدي دورها في زمنها ثم تمضي، وأن الرهان على إعادة استنساخ الوسائل ذاتها لمعالجة واقع معقد هو رهان يفتقر إلى النجاعة . إن القضية الأساسية لا تتلخص في استبدال وجوه بأخرى، بل تبدأ من إحداث تحول جذري في أسلوب التفكير وفي كيفية رؤية الفرد لذاته وللمجتمع من حوله.

وعند العودة إلى القراءة التحليلية لتشكل العقل الجمعي — على نحو ما تناولته القراءات النقدية المفكرة في أزمات المجتمع والثقافة — يتضح أن أزمة الواقع لم تكن يوماً مجرد نقص في الشعارات، بل هي مسألة تتعلق بالبناء الأخلاقي والتربوي الذي تراكمت عليه عقود من الممارسات السلبية، كالنفاق الاجتماعي، والتعصب الجهوي، والاتكال على الشائعة كبديل للحقائق والموضوعية.

إن المكاشفة الصادقة تقتضي اعترافاً بأن الشعوب لا تبني نهضتها بالاندفاع العاطفي المجرد، بل بالوعي الرصين الذي يتخلق في وجدان الإنسان أولاً ويصيغ سلوكه اليومي.

تُظهر تجارب الأمم عبر التاريخ أن التغيير الهيكلي والمستدام لم يكن نتاج لحظات انفعالية، بل سبقته مرحلة طويلة من النضج الفكري والتضحيات الجسيمة التي قدمتها المجتمعات ككلفة لبناء مستقبلها. فالولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، خاضت مخاضات شاقة ومكلفة خلال حربها الأهلية وحرب الاستقلال لتصل في النهاية إلى صياغة دستور صلب يضمن سيادة القانون والتداول السلمي للسلطة. وتاريخ القارة الأوروبية يروي مساراً ممتداً من العصور المظلمة والحروب الصعبة – بدءاً من حرب المائة عام والحروب الدينية وصولاً إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية – قبل أن تستقر مجتمعاتها على قناعة راسخة بأن التنوير، والديمقراطية، وسيادة المؤسسات هي الخيار الوحيد للتعايش والاستقرار.

وفي هذا السياق، تتجلى الحكمة الإلهية في النص القرآني الكريـم: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} لتضع القاعدة الفلسفية والأخلاقية لأي نهضة إنسانية. إن التغيير الحقيقي لا ينطلق من استهداف مؤسسات الدولة أو حرق مقدراتها، بل ينشأ داخل الأسرة والبيت من خلال غرس القيم الأخلاقية الفاضلة، والتمسك بالهداية النبوية الشريفة، والاستفادة الواعية من التجارب الإنسانية الناجحة. إن السلطات والحكام يذهبون كعادتهم عبر التاريخ، ولا يبقى في نهاية المطاف إلا المبادئ الراسخة والأثر الطيب، والوجه الكريم لربك ذو الجلال والإكرام.

إن التعبير الحضاري عن التوق إلى واقع أفضل يتطلب امتلاك أدوات الوعي والمطالبة بالحقوق عبر الطرق المدنية والسلمية التي تحافظ على الكيان العام. ولا شك أن الواقع الحالي يحمل أعباءً معيشية وضغوطات مشهودة، تنعكس في ضعف الخدمات العامة، وشح السيولة، وانقطاعات الكهرباء، وتراجع الاستقرار الاجتماعي، مما يعزز حالة من الشك والجمود. غير أن التشخيص الشامل يوضح أن الأزمة ليست محصورة في التنافس السياسي وحده، بل تنعكس أيضاً في أنماط التعامل اليومي ودور النخب في توجيه المشهد. ومن ثم، فإن التغيير المنشود يبدأ حين يقرر المجتمع ترميم بنيانه الأخلاقي والثقافي، لتتحول المطالب المعيشية من ردود أفعال مؤقتة إلى مشروع حضاري متكامل ينطلق من إصلاح الفرد وينعكس على الأمة بأكملها.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا