الخليج يطلق نقلة نوعية بـ«قطاع الطاقة» في إفريقيا - عين ليبيا
تتجه استثمارات الخليج في أفريقيا نحو مرحلة استراتيجية جديدة، تتجاوز التمويل التقليدي لمشروعات الطاقة المتجددة، لتشمل ستة مسارات استثنائية يمكن أن تُحدث نقلة نوعية في قطاع الطاقة بالقارة السمراء، وتضع أفريقيا على خريطة الطاقة العالمية بشكل أكثر قوة واستدامة.
وتعكس هذه الخطوة تحولًا جذريًا في الرؤية الخليجية، من دعم مشاريع منفردة إلى بناء منظومة طاقة متكاملة تجمع بين البنية التحتية، التقنيات الحديثة، الربط الصناعي والرقمي، الطاقة النووية، الطاقة الحرارية الأرضية، والاستفادة من المعادن الحيوية.
ويؤكد تقرير فرقة العمل المعنية بالهواء النظيف (CATF) أن هذه الخطوة تمثل فرصة ذهبية لتعزيز التنمية المستدامة وتحقيق أهداف التحول الطاقي منخفض الكربون.
1) البنية التحتية للكهرباء: حجر الأساس للتحول الطاقي
تشكل شبكات النقل والتوزيع العمود الفقري لأي نظام طاقي متكامل، إذ لا يحصل سوى 43% من سكان أفريقيا على الكهرباء، مع فجوات حادة بين المدن والمناطق الريفية، ما يعرقل التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وتحتاج القارة إلى استثمارات تُقدّر بـ400 مليار دولار حتى عام 2050، وفق تقديرات شركة ماكنزي، وهو ما يفتح المجال أمام تمويل خليجي ضخم لتعزيز الربط الإقليمي، وتوسيع نطاق وصول الكهرباء للمجتمعات النائية، وجذب القطاع الخاص للاستثمار في مشاريع الطاقة النظيفة والبنية التحتية.
2) الربط الصناعي والرقمي: دمج الطاقة النظيفة مع الثورة الرقمية
تتجه الاستثمارات الخليجية نحو دمج الطاقة المتجددة في المناطق الصناعية ومراكز البيانات الحيوية، بما يدعم التحول الرقمي المستدام.
فعلى سبيل المثال، دخلت شركة “G42” الإماراتية في شراكة مع شركة “مايكروسوفت” الأمريكية لإنشاء مركز بيانات في كينيا يعمل بالطاقة الحرارية الأرضية، وهو نموذج يثبت قدرة هذه الاستثمارات على خلق فرص عمل، وتعزيز الإنتاجية، وتخفيض البصمة الكربونية للقطاع الصناعي والتقني في أفريقيا.
3) الطاقة الحرارية الأرضية: مصدر مستقر ومنخفض الانبعاثات
تمتلك دول أفريقية مثل كينيا، إثيوبيا، ومصر موارد حرارية أرضية واعدة، وتبرز محطة أولكاريا في كينيا نموذجًا ناجحًا يمكن توسيعه.
كما دخلت شركة “مصدر” الإماراتية في شراكة لتطوير مشروع “سوسوا” بقدرة 300 ميغاواط، ما يمثل خطوة استراتيجية نحو استغلال الموارد الطبيعية المستدامة، وتوفير طاقة مستقرة للمجتمعات، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، مع تقديم نموذج يُحتذى به للاستثمارات الخليجية في الطاقة النظيفة بالقارة.
4) خفض انبعاثات الميثان: خطوة نحو كوكب أنظف
يساهم الاستثمار في تقنيات الحد من انبعاثات الميثان، خصوصًا في قطاع النفط والغاز، في تقليل التأثير البيئي وتحسين كفاءة الإنتاج، مستفيدًا من خبرات شركات مثل “أرامكو” و”أدنوك”.
ويعد هذا المسار فرصة مزدوجة، إذ يعزز الاستدامة البيئية ويتيح للقارة الأفريقية الدخول في أسواق الطاقة النظيفة العالمية، ما يضعها في موقع تنافسي مهم بين الدول المصدرة للطاقة.
5) الطاقة النووية: تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الأمان الطاقي
يشكل نموذج محطة “براكة” للطاقة النووية في الإمارات مثالًا يحتذى به، ويمكن تكراره في أفريقيا، خاصة مع طموحات دول عدة لزيادة الاعتماد على الطاقة النووية بحلول 2050.
وتوفر الطاقة النووية مصدرًا مستقرًا للطاقة الكهربائية منخفض الانبعاثات، ما يسهم في تنويع مزيج الطاقة، ويعزز من القدرة على تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء في المدن الصناعية والمراكز الحضرية الكبرى.
6) المعادن الحيوية: الاستثمار في سلاسل القيمة وليس فقط الاستخراج
تملك أفريقيا نصف الإمدادات العالمية من الكوبالت والمنغنيز، لكن معظمها يُصدر خامًا، ما يحرم القارة من القيمة المضافة.
وتبرز هنا فرصة خليجية ذهبية للاستثمار في التكرير، وبناء سلاسل قيمة محلية، بما يدعم الصناعات التحويلية ويخلق فرص عمل جديدة، خصوصًا مع توسع المملكة العربية السعودية والإمارات في شراكات التعدين داخل الكونغو، غينيا، وزامبيا، ما يعزز التكامل الاقتصادي ويقوي القدرة التنافسية لأفريقيا في الأسواق العالمية.
هذا وتشهد أفريقيا تحولًا جذريًا في قطاع الطاقة مع تزايد الطلب على الكهرباء والطاقة النظيفة، ويشكل التعاون مع المستثمرين الخليجيين فرصة لتعزيز البنية التحتية، ودعم الابتكار التكنولوجي، وبناء منظومة طاقة متكاملة.
ويمثل هذا التحرك خطوة استراتيجية نحو تحقيق التنمية المستدامة، وزيادة الإنتاج الصناعي والرقمي، وتقليل الانبعاثات الكربونية، ما يعكس حرص الخليج على تعزيز مكانة القارة في أسواق الطاقة العالمية، وفتح آفاق تعاون طويل الأمد بين الجانبين.
وبدأت الاستثمارات الخليجية في أفريقيا منذ أوائل القرن الحادي والعشرين، مركزة على مشروعات الطاقة التقليدية والمتجددة، قبل أن تتحول تدريجيًا نحو بناء منظومات متكاملة تشمل البنية التحتية، الربط الصناعي، الطاقة المتجددة، التعدين، والمعادن الحيوية، ما أسهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية، وخلق فرص تنموية مستدامة تعكس الرؤية المستقبلية للطاقة النظيفة والتعاون الاستراتيجي بين الخليج وأفريقيا.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا