«الدولار الجمركي» ليس الحل.. إلى أين يقود تخبط القرارات الاقتصاد الليبي؟ - عين ليبيا

في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية وتتراجع القوة الشرائية للمواطن الليبي، تثير القرارات المتغيرة بشأن الدولار الجمركي وأسعار السلع والمرتبات تساؤلات حول مدى اتساق السياسات الاقتصادية وقدرتها على معالجة الاختلالات المتراكمة. فالتراجع عن تعديل سعر الدولار الجمركي، بالتزامن مع شح السيولة والجدل بشأن جدول المرتبات الموحد، يعيد إلى الواجهة إشكالية غياب الاستقرار في القرارات المالية، وانعكاس ذلك على المستوردين والأسواق والإيرادات العامة، وبين محاولات احتواء الغلاء ومتطلبات تمويل الإنفاق العام، يبقى التحدي الأبرز مرتبطاً بمعالجة أزمات سعر الصرف والانكشاف الخارجي، وإعادة توجيه موارد الدولة نحو الإنتاج بدلاً من استمرار الاختلالات القائمة.

وفي تصريحات خاصة لشبكة «عين ليبيا»، قال الخبير الاقتصادي وحيد الجبو إن قرار خفض الدولار الجمركي إلى مستواه السابق قد يكون محاولة لتخفيض الأسعار، لكنه وصفها بأنها قد تكون محاولة فاشلة، لأن المشكلة أكبر من مسألة الدولار الجمركي، وترتبط أساساً بالقوة الشرائية للدينار الليبي، وما يعانيه من تراجع في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة.

خفض الدولار الجمركي لن يعالج أزمة القوة الشرائية

وأوضح الجبو أن خفض الدولار الجمركي قد يستهدف تخفيض الأسعار، لكنه لن يكون كافياً لمعالجة المشكلة، مشيراً إلى أن الأمر يرتبط بالقيمة الشرائية للدينار الليبي، التي قال إنها أصبحت في أوضاع سيئة، في ظل ما وصفه بنهب الدولار، لافتاً إلى أن سعر الدولار في السوق الموازية وصل إلى أكثر من 10 دنانير.

وفي ما يتعلق بشح السيولة، قال الجبو إن السيولة موجودة ولا يوجد فيها نقص، مضيفاً أن مصرف ليبيا المركزي قام بطباعة كميات كبيرة من الدينار الليبي، ثم طُبعت كميات منه خارج البلاد.

أما بشأن تطبيق جدول المرتبات الموحد، فأشار إلى أن الملف لا يزال محل جدل وخلافات، سواء داخل مجلس النواب أو بشأن المقترح الذي أعدته وزارة المالية، موضحاً أن جدول مجلس النواب لم يُقر بعد، وكذلك مقترح وزارة المالية لم يصدر بشأنه قرار، في ظل وجود عدد من المبادرات المتعلقة بتوحيد المرتبات.

وأكد الجبو أن المشكلة لا تكمن فقط في توحيد المرتبات، وإنما في التفاوت الكبير بين ما يتقاضاه العاملون في الدولة، قائلاً إن هناك من يحصل على نحو 20 ألف دينار ليبي من كبار موظفي الدولة ورجالها، في حين أن موظفاً أفنى عمره في العمل لا يتقاضى أكثر من 950 ديناراً، ولا سيما في ما يتعلق بالمرتبات الضمانية أو التقاعدية.

واعتبر أن خفض الدولار الجمركي قد يكون محاولة متأخرة لاحتواء موجة الغلاء، لكنه رأى أنها لن تنجح في معالجة آثارها.

تجاوزات وغياب الرقابة يهددان الإيرادات العامة

وفي ما يتعلق بخطورة التناقض والتخبط في القرارات الإدارية والتسعير الجمركي على ثقة المستوردين وبيئة الأعمال، قال الجبو إن الإيرادات العامة لا تحظى بأي حماية، كما لا تتوفر ضمانات لاستدامة التمويل اللازم، في ظل وجود خروقات وتجاوزات وإخفاء لبعض المعلومات المتعلقة بالإيرادات.

وربط ذلك بما وصفه باستشراء الفساد المالي والإداري في البلاد، مشيراً إلى تزايد الدين العام، الذي قال إنه تجاوز 300 مليار دينار في ليبيا، معتبراً أن ذلك يعكس عدم المحافظة على الأموال العامة.

وشدد الجبو على أن الأموال العامة تحتاج إلى رقابة شديدة، سواء من الجهات الرقابية الوطنية أو الدولية، في ظل ما تشهده البلاد من تجاوزات واختلالات في إدارة الموارد والإيرادات.

غياب الرؤية والانقسام والمحاصصة يعمّق التخبط

وفي رده على ما إذا كان التراجع السريع عن قرار تعديل الدولار الجمركي يكشف غياب الرؤية والتنسيق بين السياسات المالية والنقدية، قال الجبو إن هناك بالفعل غياباً للرؤية، بل وغياباً للمنطق، إلى جانب تخبط إداري واقتصادي في البلاد.

وأرجع ذلك إلى الانقسام القائم بين الشرق والغرب، فضلاً عن عدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، موضحاً أن المناصب السيادية، بحسب وصفه، مُنحت وفق مراكز القوة، ورُسمت على أساس المحاصصة وتوزيع الحصص بين المناطق والقبائل.

وحذر من استمرار المحاصصة في توزيع المناصب السيادية، معتبراً أن استمرار هذا النهج لن يترك لليبيا فرصة للاستمرار، وفق تعبيره.

وأكد أن المنطق يقتضي أن يتولى المسؤولية في أي قطاع كل من يمتلك الخبرة والقدرة وتتوفر فيه الشروط اللازمة، بدلاً من اعتماد توزيع المناصب على أساس المحاصصة.

الاقتصاد الليبي يحتاج إلى إعادة هيكلة والانتقال نحو الإنتاج

وفي ما يتعلق بقدرة الاقتصاد الليبي على تحقيق الاستقرار في الأسعار ورفع أجور المواطنين دون معالجة جذرية لأزمات سعر الصرف والانكشاف الخارجي، أكد الجبو أن الاقتصاد الليبي لن ينجح في رفع الأجور على نحو مستدام في ظل الأوضاع الحالية، مشدداً على حاجته إلى إعادة الهيكلة، وإعلاء قيمة الإنتاج، وتجنيد الموارد البشرية في أعمال إنتاجية.

وأوضح أن عدد الموظفين في ليبيا يتراوح بين مليونين ونصف المليون موظف، معتبراً أن توظيف هذه الموارد البشرية في أنشطة إنتاجية أمر ضروري، ومشيراً إلى أن زيادة الإنتاج تؤدي إلى زيادة الرخاء.

ولفت إلى ضعف الإنتاجية في ليبيا، وتكدس الموظفين في وظائف لا تحقق قيمة مضافة، إلى جانب تأخر الاستثمارات نتيجة الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية، فضلاً عن عدم استقرار العملة الليبية.

وقال إن هذه العوامل أدت إلى إهدار الكثير من الطاقات، وخلقت صعوبات اقتصادية ومعيشية، في وقت يطالب فيه المواطنون بتحسين مستوى معيشتهم دون أن تتحقق استجابة ملموسة لهذه المطالب.

وأضاف أن الوضع الاقتصادي لا يتحمل هذا العدد من المؤسسات التي أُنشئت، بحسب قوله، إرضاءً لأشخاص معينين، رغم أنها لا تقدم شيئاً للمجتمع أو للدولة، مشيراً إلى أن ميزانيات تُصرف بالملايين دون جدوى.

وربط الجبو هذه الاختلالات باستمرار الفساد المالي والإداري والرشاوى، معتبراً أن هذه الممارسات يجب أن تتوقف من أجل بناء اقتصاد جديد.

وشدد على ضرورة تأسيس اقتصاد إنتاجي يعتمد على تعدد مصادر الدخل، والنشاط والعمل الجاد، وتشجيع جميع القوى المنتجة، بدلاً من استمرار الوضع القائم.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا