الدينار والسيولة والنفط والإسكان.. خبير اقتصادي يفتح ملفات الاقتصاد الليبي - عين ليبيا
فتح الخبير الاقتصادي الليبي أحمد الخميسي عدة ملفات اقتصادية في منشورات متتالية، واضعًا الدينار والسيولة والتضخم والمدفوعات الإلكترونية والاستثمار النفطي والإسكان أمام أسئلة تتعلق بالسياسات المالية والنقدية وكفاءة إدارة الموارد.
وفي ملف مصرف ليبيا المركزي وسوق الصرف، حذر الخميسي من «أيام عصيبة أمام المركزي والدينار»، في ظل ضغوط على سوق الصرف وارتفاع الطلب على النقد الأجنبي، معتبرًا أن استقرار الدينار يظل مرهونًا بالانضباط المالي.
ويرى الخميسي أن توسع الإنفاق وارتفاع الكتلة النقدية من دون نمو اقتصادي موازٍ يزيدان الضغوط على سعر الصرف، وقال: «حين يتوسع الإنفاق، وتزداد الكتلة النقدية دون نمو اقتصادي، ويضعف الانضباط المالي، يصبح سعر الصرف أول من يعلن الحقيقة».
وتتصل هذه الرؤية، بحسب الخميسي، بضرورة التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية، خصوصًا في ظل اعتماد الاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية. وتناولت تحليلات اقتصادية حديثة كذلك الضغوط التي يواجهها الدينار نتيجة اختلالات مالية وارتفاع الطلب على النقد الأجنبي.
وفي ملف السيولة، شدد الخميسي على أن «ضخ النقود في المصارف يختلف تمامًا عن ضخ نقود جديدة في الاقتصاد»، موضحًا أن تقييم الإجراءات النقدية لا ينبغي أن يعتمد على حجم الأموال التي تدخل إلى المصارف فقط، بل على أثرها الحقيقي في النشاط الاقتصادي وحركة السيولة داخل السوق.
كما أشار إلى أن الأموال الموجودة خارج الجهاز المصرفي تجاوزت 70.38 مليار دينار، معتبرًا أن هذا المستوى يطرح سؤالًا أساسيًا حول فعالية السياسة النقدية وقدرتها على إدارة السيولة وإعادتها إلى الدورة المصرفية الرسمية.
وفي هذا السياق، يصبح التعامل مع السيولة مسألة تتجاوز توفير النقد للمواطنين والمصارف، إذ ترتبط بمدى قدرة النظام المصرفي على جذب الأموال والودائع وتقليص حجم النقد المتداول خارج القنوات الرسمية. وكانت أزمة السيولة من الملفات التي ناقشتها السلطات النقدية الليبية خلال السنوات الماضية، مع تحذيرات اقتصادية من زيادة المعروض النقدي من دون نمو اقتصادي يقابلها.
أما في ملف التضخم، فأشار الخميسي إلى ارتفاع معدل التضخم السنوي في ليبيا إلى 8.6% خلال الربع الأول من العام الجاري، معتبرًا أن المؤشر يعكس، وفق تقديره، تصاعد الضغوط التضخمية والاختلالات الاقتصادية الكلية.
وربط الخميسي هذه الضغوط باستمرار نمو السيولة المحلية، والتوسع في الإنفاق العام، وضعف التنسيق بين السياستين المالية والنقدية، إلى جانب اختناقات جانب العرض وتقلبات سعر الصرف.
وفي ملف المدفوعات الإلكترونية، رأى الخميسي أن التحدي أمام مصرف ليبيا المركزي لا يكمن في رفع قيمة المعاملات الإلكترونية فقط، بل في معرفة ما إذا كان هذا التوسع يحقق تحولًا فعليًا في سلوك المواطنين وحركة الأموال داخل الاقتصاد.
وتساءل عن مدى مساهمة المدفوعات الإلكترونية، التي تجاوزت قيمتها تريليون دينار وفق المنشور الذي أورده، في إعادة النقد إلى المصارف، وزيادة الودائع، وتقليص الاعتماد على السحب النقدي، معتبرًا أن هذه المؤشرات هي الأهم في قياس نجاح الشمول المالي والإصلاح المصرفي، وليس إجمالي قيمة المعاملات وحدها.
وفي ملف بطاقات الأغراض الشخصية وشركات الصرافة، انتقد الخميسي إلزام العملاء باختيار شركة صرافة عند تقديم طلبات الحصول على البطاقة، معتبرًا أن هذا الإجراء يخلق طلبًا إجباريًا على خدمات شركات الصرافة، ويوفر لها إيرادات من العمولات المرتبطة بالطلبات.
وطرح الخميسي سؤالًا مباشرًا حول مبررات ربط الخدمة بوسيط يتقاضى مقابلًا ماليًا، داعيًا إلى النظر في كفاءة هذا النموذج وضرورته من زاوية المنافسة وحماية المستهلك.
وفي ملف النفط، ركز الخميسي على تكلفة رفع إنتاج ليبيا إلى مليوني برميل يوميًا، متسائلًا عن أسباب الفارق الكبير بين تقديرات سابقة وحسابات لاحقة لحجم الاستثمارات المطلوبة.
وقال إن تقديرات عام 2023 أشارت إلى حاجة ليبيا لنحو 17 مليار دولار لرفع إنتاج النفط إلى مليوني برميل يوميًا خلال فترة تتراوح بين 3 و5 سنوات، بينما ارتفعت تقديرات لاحقة إلى 36 مليار دولار للوصول إلى المستوى نفسه بحلول عام 2031.
وطرح الخميسي سؤالًا حول أسباب هذا الفارق، وما إذا كان ناتجًا عن ارتفاع الاحتياجات الفنية وتكاليف تطوير الحقول والبنية التحتية، أم أنه يعكس قصورًا في التخطيط والتنفيذ وتوجيه الاستثمارات.
كما تساءل عن العائد الإنتاجي والمالي المتوقع لكل دولار يُستثمر في القطاع، وعن مدى امتلاك المؤسسة الوطنية للنفط خطة واضحة لتحويل هذه الاستثمارات إلى زيادة مستدامة في الإنتاج والإيرادات.
وفي ملف الإسكان، انتقد الخميسي الحديث عن إمكانية حل 90% من أزمة الإسكان في ليبيا خلال ثلاث سنوات، معتبرًا أن هذا الطرح يحتاج إلى إجابات عملية حول حجم المشاريع والتمويل والبنية التحتية والقدرة التنفيذية.
وأوضح أنه إذا كان العجز يقترب من مليون وحدة سكنية، فإن حل 90% منه يعني توفير نحو 900 ألف وحدة، أي قرابة 300 ألف وحدة سنويًا ونحو 25 ألف وحدة شهريًا.
وبحسب الخميسي، يستطيع المصرف أن يكون جزءًا من الحل، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يؤدي في الوقت نفسه أدوار وزارة الإسكان وهيئة التخطيط والمطور العقاري والممول والمنظم للسوق.
وأكد أن أزمة الإسكان لا تتعلق بتشييد المباني فقط، وإنما تحتاج إلى منظومة تبدأ باختيار مواقع المدن والمخططات، وتوفير الأراضي، وإنشاء شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق، وصولًا إلى التمويل والتوزيع والإدارة والصيانة.
وتزامن هذا الطرح مع مبادرة لمصرف ليبيا المركزي لدعم مشاريع الإسكان المتوقفة، وسط نقاش اقتصادي حول دور التمويل المصرفي في تحريك القطاع، ومخاطر ضخ السيولة من دون ضوابط على التضخم وسعر الصرف.
كما شدد الخميسي على أن أي مبادرة إسكانية تحتاج إلى التخطيط العمراني باعتباره عنصرًا أساسيًا في نجاحها، معتبرًا أن تجاهل الأرض والخدمات والنقل وتوزيع السكان يمكن أن يحول مشاريع الإسكان من حلول تنموية إلى ضغوط جديدة على المدن.
وانتقد الخميسي كذلك الحديث عن معالجة أزمة الإسكان من خلال التمويل فقط، متسائلًا عن مصدر الأموال والقدرة المالية والفنية لمصرف الادخار العقاري على إدارة هذا الحجم من المشاريع.
وفي انتقاد لأداء المسؤولين الاقتصاديين، قال الخميسي إن «وزير الاقتصاد حاضر في زمن انخفاض التضخم، وغائب عندما ترتفع الأسعار ويضيق رغيف المواطن»، معتبرًا أن المسؤولية لا تُقاس بالظهور في فترات الرخاء، وإنما بالحضور وقت الأزمات.
وأضاف أن المواطن لا يحتاج إلى «تصريحات للاستهلاك الإعلامي»، بل إلى مسؤول حاضر يشرح ويبرر ويتحمل المسؤولية قبل أن يحاسبه الشارع.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا