الرمان والسكري وإنقاص الوزن.. فوائد حقيقية أم مبالغات شائعة؟ - عين ليبيا

يُعد الرمان من الفواكه التي حظيت باهتمام واسع في الأبحاث الغذائية والطبية، ليس فقط بسبب مذاقه وقيمته الغذائية، وإنما لاحتوائه على مجموعة من المركبات النباتية النشطة، وعلى رأسها البوليفينولات والتانينات والأنثوسيانينات، وقد درست عشرات التجارب السريرية تأثير تناول الرمان أو عصيره في ضغط الدم والالتهاب والإجهاد التأكسدي وصحة القلب، لكن الصورة العلمية لا تعني أن الرمان دواء يعالج الأمراض، بل تشير إلى أن له فوائد صحية محتملة بدرجات متفاوتة من القوة، بينما ما زالت بعض الاستخدامات بحاجة إلى مزيد من الدراسات البشرية للتأكد منها.

ومن أبرز الفوائد التي حظيت باهتمام علمي احتمال مساهمة الرمان في تحسين ضغط الدم، إذ أظهرت مراجعات منهجية وتحليلات تلوية للتجارب العشوائية أن تناول الرمان أو عصيره ارتبط بانخفاض في ضغط الدم لدى بعض المشاركين، وقد وجدت إحدى التحليلات الحديثة التي جمعت 22 تجربة عشوائية انخفاضًا متوسطًا في ضغط الدم الانقباضي والانبساطي، إلا أن النتائج اختلفت بين الدراسات بشكل واضح، ولذلك لا يمكن اعتبار الرمان علاجًا لارتفاع ضغط الدم أو بديلًا عن الأدوية الموصوفة، وإنما يمكن أن يكون جزءًا من نظام غذائي صحي يساعد على تحسين عوامل الخطورة القلبية الوعائية.

ويبدو أن اهتمام الباحثين بالرمان يرتبط بدرجة كبيرة بمحتواه من المركبات النباتية المضادة للأكسدة، فقد أظهرت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2023 وشملا 33 تجربة عشوائية أن تناول الرمان ارتبط بانخفاض بعض مؤشرات الالتهاب والإجهاد التأكسدي لدى البالغين، من بينها البروتين المتفاعل C والإنترلوكين 6 وعامل نخر الورم ألفا، كما ارتفعت القدرة الكلية المضادة للأكسدة في مجموعة من الدراسات، وهذه النتائج تشير إلى تأثير بيولوجي محتمل للرمان، لكنها لا تعني أن تناول الرمان يعالج الالتهابات أو الأمراض المزمنة بصورة مباشرة.

وتدعم مراجعة منهجية أخرى شملت 16 تجربة عشوائية و572 مشاركًا وجود تأثير محتمل للرمان في بعض مؤشرات الالتهاب، إذ وجدت انخفاضًا في مؤشرات مثل hs-CRP وIL-6 وTNF-α، بينما لم يظهر تأثير واضح في عدد من المؤشرات الأخرى المرتبطة بوظيفة الأوعية والإجهاد التأكسدي، وهو ما يوضح أن تأثير الرمان ليس واحدًا في جميع المؤشرات الحيوية، وأن النتائج الإيجابية في التحاليل المخبرية لا تعني بالضرورة تحسنًا سريريًا مباشرًا لدى كل شخص.

أما صحة القلب والشرايين، فالرمان قد يكون مفيدًا بصورة غير مباشرة من خلال مجموعة من التأثيرات المحتملة، مثل المساهمة في خفض ضغط الدم وتحسين بعض مؤشرات الالتهاب والإجهاد التأكسدي، لكن من الخطأ القول إن الرمان يفتح الشرايين أو يذيب الجلطات أو يمنع النوبات القلبية بشكل مؤكد، فهذه ادعاءات تتجاوز ما أثبتته التجارب السريرية حتى الآن، وصحة القلب تعتمد أساسًا على مجموعة متكاملة من العوامل تشمل ضغط الدم والكوليسترول والوزن والنشاط البدني والتدخين والنظام الغذائي والأدوية عند الحاجة.

وفيما يتعلق بالكوليسترول والدهون في الدم، فإن الأدلة العلمية ليست حاسمة حتى الآن، فقد وجدت بعض التحليلات احتمال حدوث تحسن بسيط في LDL أو الدهون الثلاثية، بينما لم تجد مراجعات أخرى تأثيرًا واضحًا وثابتًا على الكوليسترول الكلي أو LDL أو HDL، ويرجع جزء من هذا الاختلاف إلى تفاوت كميات الرمان المستخدمة وشكله ومدة تناوله والحالة الصحية للمشاركين، ولذلك لا يصح القول إن الرمان يخفض الكوليسترول لدى الجميع بصورة مؤكدة.

ومن الناحية الغذائية، تتميز حبوب الرمان الكاملة بأنها تحتوي على الماء والألياف والمركبات النباتية، ولذلك فهي تختلف عن العصير من الناحية الغذائية، فتناول الحبوب يجعل الشخص يحصل على الألياف التي تساعد على الشبع وتبطئ تناول الطعام، بينما يمكن شرب كمية كبيرة من العصير خلال دقائق والحصول بذلك على كمية أكبر من السكريات والسعرات من دون الاستفادة من كمية الألياف الموجودة في الثمرة الكاملة، ولهذا فإن تناول الرمان كفاكهة كاملة يكون غالبًا الخيار الأفضل ضمن النظام الغذائي اليومي.

أما عصير الرمان، فإذا كان مكوّنًا من الرمان فقط ومن دون إضافة السكر، فهو لا يصبح مشروبًا ضارًا لمجرد أنه عصير، لكنه يبقى أكثر تركيزًا من الفاكهة الكاملة من ناحية السكر والسعرات، ولذلك ينبغي الانتباه إلى الكمية، كما يجب التمييز بين عصير الرمان الطبيعي أو 100% وبين المشروبات التي تحمل نكهة الرمان لكنها تحتوي على سكريات مضافة ومكونات أخرى، لأن القيمة الغذائية تختلف بشكل كبير بين هذه المنتجات.

وبالنسبة إلى أفضل وقت لتناول الرمان، فلا توجد أدلة علمية قوية تثبت أن تناوله في الصباح على معدة فارغة يجعله أكثر فائدة، ولا توجد أدلة موثوقة تثبت أن تناوله قبل النوم يمنحه فوائد خاصة، وبالتالي يمكن تناوله في الوقت الذي يناسب الشخص، سواء مع وجبة الإفطار أو الغداء أو كوجبة خفيفة، والأهم هو انتظام النظام الغذائي وجودته وليس اختيار ساعة محددة لتناول الرمان.

وإذا كان تناول الرمان على معدة فارغة يسبب لدى الشخص حموضة أو انزعاجًا أو اضطرابًا في الجهاز الهضمي، فمن الأفضل تناوله مع الطعام بدلًا من إجبار الجسم على تحمله في وقت معين، فالفكرة الشائعة بأن جميع الناس يجب أن يتناولوا الرمان صباحًا قبل الإفطار للحصول على أقصى فائدة ليست مبنية على دليل سريري قوي.

أما بالنسبة إلى مرضى السكري، فلا ينبغي النظر إلى الرمان باعتباره فاكهة خالية من السكر، فهو يحتوي على سكريات طبيعية مثل بقية الفواكه، لكن وجود الألياف في الحبوب الكاملة يجعلها مختلفة عن تناول عصير مركز، ولذلك يمكن إدخاله ضمن نظام غذائي مناسب لمرضى السكري مع مراعاة الكمية الإجمالية من الكربوهيدرات، بينما ينبغي الحذر أكثر مع العصائر والمشروبات المحلاة، خصوصًا لدى من يعانون صعوبة في التحكم بمستويات السكر في الدم.

وبالنسبة إلى إنقاص الوزن، فلا توجد أدلة قوية تثبت أن الرمان يحرق الدهون أو يسرّع عملية الأيض بدرجة تؤدي وحدها إلى خسارة الوزن، لكن حبوب الرمان يمكن أن تكون إضافة جيدة لنظام غذائي متوازن لأنها فاكهة تحتوي على الألياف والماء والمركبات النباتية، ويمكن استخدامها بدلًا من الحلويات والوجبات الخفيفة الأعلى في السعرات، أما تناول كميات كبيرة من العصير بهدف التخسيس فقد يؤدي إلى نتيجة عكسية بسبب سهولة استهلاك كمية كبيرة من السعرات والسكريات.

ولا ينبغي أيضًا اعتبار الرمان علاجًا لفقر الدم، فعلى الرغم من احتوائه على بعض المعادن والعناصر الغذائية، فإن الكمية الموجودة فيه لا تجعل منه علاجًا مستقلًا لنقص الحديد، وإذا كان الشخص يعاني فقر الدم أو انخفاض مخزون الحديد، فإن السبب يحتاج إلى تشخيص وتحاليل وعلاج مناسب، وقد يحتاج الأمر إلى تناول الحديد تحت إشراف طبي، بحسب نوع النقص وسببه.

ومن الأمور التي يكثر الحديث عنها أيضًا قدرة الرمان على الوقاية من السرطان أو علاجه، وهنا يجب التفريق بين الدراسات المخبرية ودراسات البشر، فقد أظهرت مركبات موجودة في الرمان نشاطًا بيولوجيًا مثيرًا للاهتمام في بعض الدراسات المخبرية والحيوانية، لكن هذه النتائج لا تكفي للقول إن تناول الرمان يمنع السرطان أو يعالجه لدى الإنسان، ولذلك يبقى من الأدق اعتباره فاكهة غنية بالمركبات النباتية المفيدة بدل تقديمه كعلاج للسرطان.

أما الأضرار، فالرمان يُعد آمنًا نسبيًا عند تناوله كغذاء لدى معظم الأشخاص، لكن بعض الناس قد يعانون اضطرابات هضمية أو أعراضًا فردية بعد تناوله، كما يمكن أن تحدث الحساسية لدى الأشخاص الذين لديهم حساسية من الرمان، ولذلك يجب التوقف عن تناوله وطلب المساعدة الطبية إذا ظهرت أعراض تحسس شديدة مثل تورم الوجه أو صعوبة التنفس.

ويجب أيضًا الانتباه عند تناول كميات كبيرة من عصير الرمان أو مستخلصاته لدى الأشخاص الذين يستخدمون أدوية مزمنة، فقد بحثت الدراسات احتمال تأثير الرمان في بعض الإنزيمات المسؤولة عن استقلاب الأدوية، لكن أهمية هذه التداخلات لدى البشر ليست مثبتة بشكل قاطع لجميع الأدوية، ولذلك لا ينبغي القول إن الرمان يتفاعل حتمًا مع أدوية معينة، وفي المقابل فإن من يتناول أدوية متعددة أو أدوية ذات هامش علاجي ضيق من الأفضل أن يستشير الطبيب أو الصيدلي قبل استخدام مستخلصات الرمان المركزة أو تناول كميات كبيرة منه بصورة منتظمة.

ويختلف تأثير الرمان أيضًا بحسب الشكل المستخدم، فهناك الثمرة الكاملة، والعصير، ومستخلصات الرمان، وزيت بذور الرمان، وهذه المنتجات ليست متساوية في التركيب أو كمية المركبات النشطة، كما أن الدراسات السريرية استخدمت جرعات ومددًا مختلفة، ولذلك لا يمكن القول إن كبسولة تحتوي على مستخلص الرمان تعادل ببساطة ثمرة رمان عادية، كما أن زيادة التركيز لا تعني بالضرورة زيادة الفائدة، وقد تزيد في المقابل احتمالات التداخلات أو الآثار الجانبية.

ومن أفضل الطرق العملية لتناول الرمان إضافة حبوبه إلى الزبادي أو الشوفان أو السلطات، أو تناولها كوجبة خفيفة، ويمكن أيضًا استخدامها مع المكسرات أو الفواكه الأخرى، وبهذه الطريقة يحصل الشخص على الثمرة في صورتها الكاملة بدل تحويلها دائمًا إلى عصير، كما يمكن التحكم في الكمية بسهولة أكبر والاستفادة من الألياف الموجودة فيها.

والخلاصة أن الرمان فاكهة غذائية ممتازة، وتوجد بالفعل أدلة من تجارب بشرية ومراجعات منهجية تشير إلى فوائد محتملة في ضغط الدم وبعض مؤشرات الالتهاب والإجهاد التأكسدي، بينما تبقى الأدلة أقل حسمًا فيما يتعلق بالكوليسترول والتخسيس والعديد من الادعاءات العلاجية الأخرى، وأفضل طريقة للاستفادة منه هي تناوله كجزء من نظام غذائي متوازن، ويفضل غالبًا في صورة الحبوب الكاملة، ولا توجد ضرورة علمية لتناوله في الصباح أو على معدة فارغة، كما أن الاعتدال مهم خصوصًا عند شرب العصير أو استخدام المستخلصات المركزة، أما من يتناول أدوية مزمنة أو يعاني مرضًا معينًا فمن الأفضل أن يتعامل مع الرمان كجزء من غذائه لا كبديل عن العلاج الطبي.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا