السودان.. جامعة الفاشر توثق مقتل «54 من أبنائها» بينهم 8 عمداء - عين ليبيا
وثقت جامعة الفاشر مقتل 54 من أبنائها، بينهم 8 عمداء كليات، خلال الحرب في السودان، فيما تواصل الجامعة نشاطها الأكاديمي من مقرها المؤقت في أم درمان، وفق إفادات مسؤولين وأساتذة في الجامعة للجزيرة نت.
وقال الدكتور بهاء الدين جمعة هارون، مدير مركز دراسات السلام والتنمية وحقوق الإنسان، عن اللوحة التذكارية التي تضم أسماء الضحايا: «كل اسم في هذه اللوحة قصة كاملة».
وأضاف هارون: «الختيم كان يحلم بافتتاح قسم جديد خاص بتطوير المناهج، والصادق كان يعدّ مقترحا لإضافة أقسام جديدة للكلية، وبهاء الدين كان يقول إن السلام في دارفور يحتاج إلى عقول لا إلى بنادق. والآن، كل هذه الأحلام معلقة على جدار».
ويروي الدكتور عبد الرحمن خروجه من مدينة الفاشر يوم سقوطها في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، قائلا إنه لا يزال يستعيد تفاصيل ذلك اليوم.
وقال: «في صباح ذلك اليوم، سمعت أصوات القناصة فوق أسطح المباني. حاولت الوصول إلى بوابة الجامعة، لكن الرصاص كان يتساقط كالمطر. مشيت بين الجثث، وأنا أردد: يا رب نجني».
وأضاف: «وصلت إلى أم درمان بعد رحلة استغرقت أياما، كنت أشرب من مياه ملوثة، وأنام تحت الأشجار. لم أعرف إن كنت سأصل أم لا. لكنني وصلت، ووصلت معي ذكريات لا تموت».
وقال وكيل جامعة الفاشر، البروفيسور عبد القادر أحمد حمدان، للجزيرة نت، إن الجامعة هي الأولى في دارفور، وتضم 32 كلية، ويعمل بها 1179 من أعضاء هيئة التدريس والموظفين والعاملين.
وأضاف حمدان: «بعد الحرب، لم يتبقَّ سوى 887 شخصا، بينما استُشهد 54 من أبناء الجامعة، من بينهم 8 عمداء كليات، وآخرون لا يزالون في عداد المفقودين».
وذكر حمدان أن العمداء الذين قُتلوا هم الدكتور محمد أحمد آدم الختيم، عميد كلية التربية، والدكتور الصادق أحمد عبد الله، عميد كلية القرآن الكريم، والدكتور بهاء الدين جمعة هارون، مدير مركز دراسات السلام والتنمية وحقوق الإنسان، والدكتور يعقوب عيسى أحمد، عميد كلية الآداب، والدكتور عبد الرحمن محمد أحمد، عميد كلية التربية، والدكتور آدم إبراهيم أحمد عثمان، نائب أمين الشؤون العلمية، والدكتور محمد مصعب عباس البقي، من قسم الأحياء بكلية التربية.
وقال حمدان: «هذه الأسماء ليست أرقاما بل رموزا لعطاء لا ينقطع».
من جهته، قال عميد الشؤون العلمية بجامعة الفاشر، البروفيسور حافظ محمد إبراهيم، للجزيرة نت: «تعرضت البنية التحتية لتدمير ممنهج استهدف القاعات ومنازل الأساتذة، وفي مقدمتها إنسانها».
وأضاف إبراهيم: «الفاشر هي جامعة الشهداء، حيث قدمت 54 شهيدا، ولا يزال عدد كبير من أبنائها في عداد المفقودين».
وتابع: «ما تعرضت له الجامعة لم يكن استهدافا لمؤسسة أكاديمية فحسب، بل كان محاولة لطمس ذاكرة العلم في دارفور، لكننا سنواصل رسالتنا حتى في المنفى».
وقال استشاري علم الاجتماع وأحد خريجي الجامعة، الدكتور محمد سليمان حامد أتيم، إنه كان موجودا في الفاشر يوم سقوط المدينة.
وأضاف للجزيرة نت: «كنت حاضرا يوم سقوط المدينة، حيث ارتكبت قوات الدعم السريع أبشع الانتهاكات داخل الجامعة، وحوّلتها إلى ثكنة عسكرية حتى تاريخ اليوم».
وقال أتيم: «الجامعة التي كانت رمزا للتعايش السلمي في دارفور، أصبحت اليوم ساحة للانتهاكات، وقاعاتها التي كانت تضج بأصوات المحاضرات، صارت مقرا للاعتقالات والتعذيب».
وبحسب تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 13 فبراير2026، فإن قوات الدعم السريع خلال هجومها على الفاشر في 26 أكتوبر2025 «أطلقت النار من أسلحة ثقيلة على نحو ألف مدني كانوا يحتمون في داخلية الرشيد بجامعة الفاشر، مما أسفر عن مقتل نحو 500 شخص».
ووصف التقرير الواقعة بأنها من أكثر الحوادث التي وثقتها البعثة الأممية إيلاما.
وقال التقرير إن «القتل الجماعي والإعدام خارج نطاق القضاء والعنف الجنسي والاختطاف مقابل فدية والتعذيب والاختفاء القسري والنهب واستخدام الأطفال في الأعمال العدائية، كلها انتهاكات وثقتها البعثة في الفاشر».
وقال عميد شؤون الطلاب بجامعة الفاشر، الدكتور أحمد محمد أحمد، للجزيرة نت، إن اللوحة التذكارية التي علقتها الجامعة في مقرها المؤقت بجامعة أم درمان الأهلية تمثل توثيقا لأسماء الضحايا.
وأضاف: «اللوحة التذكارية التي علقناها في جامعة أم درمان الأهلية ليست مجرد قائمة أسماء، بل هي شهادة على أن جامعة الفاشر لم تمت، وأن أبناءها ما زالوا يحملون رسالتها في المنفى».
وتابع: «نحن نعلم أن الأسماء لا تعيد الشهداء، لكنها تحفظ ذاكرتهم، وتحفظ معها حق الأجيال المقبلة في معرفة ما حدث».
وأشار أحمد إلى أن الجامعة تواصل عملها الأكاديمي رغم الظروف، قائلا إن الدراسة استُؤنفت في المقر المؤقت، وإن الطلاب يواصلون تعليمهم رغم الجراح.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة، نزح أكثر من 14 مليون شخص بسبب «النزاع» في السودان منذ أبريل/نيسان 2023، بينما يواجه نحو 28 مليون شخص خطر الجوع الحاد.
وسعت الجزيرة نت للحصول على تعليق من قوات الدعم السريع بشأن اتهامها باستهداف جامعة الفاشر وارتكاب انتهاكات داخل حرمها، عبر التواصل مع الناطق الرسمي باسمها، لكنها لم تتلقَّ ردا.
وفي تطور عسكري منفصل، أعلن الجيش السوداني، الخميس، إسقاط مسيّرة «معادية» من طراز «إف إتش 95» في منطقة الكوكيتي بولاية شمال كردفان.
وقال الجيش في بيان مقتضب: «تمكنت دفاعاتنا الجوية صباح اليوم من إسقاط طائرة مسيرة معادية من طراز FH-95، شمال شرق منطقة الكوكيتي بولاية شمال كردفان».
ولم يحدد الجيش مصدر المسيّرة أو الجهة «المعادية» التي قال إنها أطلقتها.
وفي 20 سبتمبر الجاري، أعلن الجيش إسقاط مسيّرة شمال المنطقة نفسها في ولاية شمال كردفان.
و«إف إتش 95» طائرة صينية الصنع صُممت لمهام الاستطلاع والمراقبة والحرب الإلكترونية، وتتميز بقدرتها على التحليق لأكثر من 12 ساعة.
وفي أغسطس الماضي، أعلن الجيش السوداني إسقاط 3 مسيّرات من الطراز ذاته في ولاية شمال كردفان، كانت آخرها في 17 أغسطس بمدينة بارا.
وتتهم السلطات السودانية ومنظمات وهيئات حقوقية قوات الدعم السريع باستهداف المنشآت المدنية، بينما لا تعلق الأخيرة عادة على هذه الاتهامات وتقول إنها تعمل على «حماية المدنيين».
وتشهد ولايات إقليم كردفان الثلاث، شمال وغرب وجنوب، اشتباكات بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ومنذ أبريل 2023، يشهد السودان حربا بين الجيش وقوات الدعم السريع، أسفرت عن عشرات الآلاف من القتلى ونحو 13 مليون نازح، وفق تقديرات أممية ودولية.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا