الشبعاني يحدد لـ«عين ليبيا» 3 مسارات لتحويل المصادقة البحرية إلى نتائج عملية - عين ليبيا
تثير المصادقة على الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا تساؤلات بشأن المكاسب القانونية والاستراتيجية التي يمكن أن تحققها، والخطوات المطلوبة لتحويلها إلى فرص للتعاون والاستثمار، في ظل الاعتراض المصري وما يطرحه من مسائل تتعلق بترسيم الحدود البحرية والحقوق في المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.
وفي هذا السياق، قال أستاذ القانون العام المشارك بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا، الدكتور مجدي الشبعاني، في تصريح لشبكة «عين ليبيا»، إن المصادقة تعزز قدرة ليبيا على حماية مصالحها البحرية، مشيراً إلى أن الاستفادة منها تتطلب توحيد الموقف المؤسسي، واستكمال الإجراءات القانونية والفنية، ووضع برامج تعاون واضحة، إلى جانب التعامل مع الاعتراض المصري بالحوار والاحتكام إلى الأسانيد القانونية.
توحيد الموقف الليبي وتعزيز القدرة على التفاوض
وأوضح الشبعاني أن أهم مكاسب المصادقة، من وجهة نظره، يتمثل في تعزيز وحدة الموقف الليبي في ملف يرتبط بحقوق الدولة ومصالحها الاستراتيجية، لافتاً إلى أن عدول مجلس النواب عن رفضه السابق واعتماده المذكرة يقلص مساحة الخلاف المؤسسي بشأنها، ويوفر أساساً أقوى لاستمرارية موقف الدولة.
وأضاف أن تقارب المؤسسات الليبية حول الملف البحري ينعكس على قدرة البلاد على التفاوض والتخطيط والتعاون مع شركائها، إذ تصبح الدولة أكثر قدرة على عرض مطالبها والدفاع عنها بصورة متسقة، مع تقليص فرص استغلال الانقسام الداخلي لإضعاف موقفها.
الاتفاقية وتنظيم المصالح البحرية الليبية
وأشار الشبعاني إلى أن الاتفاقية تحدد خطاً بحرياً بين ليبيا وتركيا في القطاع المتفق عليه، وفق إحداثيات وملاحق محددة، موضحاً أن أهميتها تكمن في تنظيم العلاقة بين الطرفين وتوفير مرجع مكتوب يمكن الاستناد إليه في التعاون والتخطيط.
وأكد أن الاتفاقية لا تنشئ من الصفر جميع الحقوق البحرية الليبية، إذ سبق لليبيا أن أعلنت منطقتها الاقتصادية الخالصة بموجب القرار رقم 260 لسنة 2009.
وبحسب الشبعاني، فإن الفائدة تتمثل في الانتقال من المطالبة العامة بالحقوق إلى تنظيم جانب من العلاقات البحرية مع دولة أخرى، مع استمرار الحاجة إلى معالجة التداخلات مع الدول المعنية ضمن الخطوات اللاحقة.
فرص التعاون الاقتصادي والاستثمار
وفي ما يتعلق بالفرص الاقتصادية التي يمكن البناء عليها بعد المصادقة، أوضح الشبعاني أن المجالات المحتملة تشمل تنفيذ برامج للمسح وجمع البيانات، وتبادل الخبرات، وتدريب الكفاءات الليبية، ودراسة فرص الاستكشاف والاستثمار وفق التشريعات والإجراءات المختصة.
ولفت إلى أن المادة الرابعة من المذكرة تتيح الاتفاق على كيفية استغلال الموارد الطبيعية إذا امتدت بين منطقتَي الطرفين، مشدداً على أن هذه الفرص تحتاج إلى برامج واتفاقات تنفيذية واضحة.
ورأى أن المصلحة الليبية تقتضي تضمين المشروعات التزامات محددة بشأن نقل المعرفة، وتأهيل العاملين، وحماية البيئة البحرية، وضمان العائد الاقتصادي للدولة.
وفي المقابل، أكد أن تقدير الاحتياطيات وتحديد جدوى استخراجها يتطلبان بيانات فنية ودراسات مستقلة، موضحاً أن الترسيم وحده لا يكفي لإثبات حجم الموارد أو جدوى استثمارها.
ثلاثة مسارات لتحويل المصادقة إلى نتائج عملية
وشدد الشبعاني على ضرورة العمل عبر ثلاثة مسارات متوازية لتحويل المصادقة إلى نتائج ملموسة، يتمثل أولها في المسار القانوني والمؤسسي، من خلال توثيق المصادقة واستكمال الإجراءات اللازمة لتنفيذها، وتوحيد المراسلات والمواقف الرسمية.
أما المسار الثاني، فيتعلق بالجانب الفني، ويشمل جمع الإحداثيات وخطوط الأساس والمطالبات والتراخيص ضمن ملف واحد، وتحديد مواضع التداخل بدقة.
ويتمثل المسار الثالث في الجانب الاقتصادي، من خلال وضع أولويات التعاون والمشروعات الممكنة، وتقييم جدواها وشروط التعاقد بشأنها.
وأكد أن الجهات المختصة ينبغي أن تتولى هذه المسارات في إطار تنسيق واضح، بحيث تستند كل خطوة تنفيذية إلى أساس قانوني وفني، وتكون النتائج قابلة للمتابعة والمساءلة.
المصادقة وفرص التفاوض مع الدول الأخرى
وقال الشبعاني إن المصادقة يمكن أن تعزز استعداد ليبيا للتفاوض انطلاقاً من موقف داخلي أكثر اتساقاً، لكنها لا تضمن قبول الدول الأخرى بمطالبها، مشيراً إلى ضرورة بحث كل قطاع بحري وفق طبيعته الجغرافية والاستحقاقات المتداخلة فيه.
وأضاف أن ليبيا أعلنت، في مذكرتها إلى الأمم المتحدة المؤرخة في 27 مايو 2025، استعدادها للتفاوض مع الدول الساحلية المجاورة، معتبراً أن هذا الموقف يمكن البناء عليه لإدارة الخلافات والتوصل إلى اتفاقات أو ترتيبات مؤقتة تصون المصالح المشروعة.
كما شدد على ضرورة احترام التزام الإبلاغ والتشاور الوارد في المادة الرابعة من المذكرة عند التفاوض مع دولة ثالثة بشأن ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة، وذلك قبل الوصول إلى اتفاق نهائي.
الاعتراض المصري ومقتضيات التعامل القانوني معه
وفي قراءته للاعتراض المصري، أوضح الشبعاني أن البيان الصادر عن القاهرة يتضمن اعتراضاً قانونياً صريحاً، إذ ترى مصر أن المذكرة تخالف قواعد الترسيم وتمس ما تعتبره حقوقها في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، كما تؤكد أن التصديق لا ينتج آثاراً قانونية بالنسبة إليها.
وشدد على ضرورة التعامل مع هذه الحجج بجدية، من دون التسليم مسبقاً بصحتها، مشيراً إلى أن الاعتراض يؤدي أيضاً وظيفة حفظ الموقف المصري وإثبات عدم القبول.
واعتبر أن الاعتراض لا يكفي وحده لوصف العلاقة بين ليبيا ومصر بالعداء، إذ يمكن لدولتين أن تختلفا بشأن الحدود البحرية مع مواصلة التعاون في ملفات أخرى.
وأضاف أن فهم وظيفة الاعتراض لا يعني قبول المطالبات المصرية، كما أن التمسك بالموقف الليبي لا يستلزم تحويل الخلاف إلى مواجهة سياسية.
الاعتراض المصري لا يلغي الاتفاقية تلقائياً
وأكد الشبعاني أن الاعتراض المصري لا يلغي الاتفاقية تلقائياً بين ليبيا وتركيا، موضحاً في الوقت نفسه أن الاتفاق الثنائي لا يجوز أن يُلزم مصر بالتنازل عن حق بحري يثبته لها القانون الدولي من دون رضاها، وهي القاعدة العامة التي تدونها المادة 34 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.
ورأى أن التعامل المهني مع الاعتراض يبدأ بتحديد مواضع التداخل التي تستند إليها القاهرة، ومقارنتها بالإحداثيات والأسانيد الليبية، مشدداً على أن مطالبات أي طرف تحتاج إلى سند، وأن الحدود المعلنة من جانب واحد لا تصبح حاسمة بمجرد إعلانها.
وأشار إلى إمكانية بحث الترسيم أو الترتيبات المؤقتة أو غيرها من وسائل التسوية، لافتاً إلى الإعلان الصادر في 24 أكتوبر بشأن توجه حكومة الوحدة الوطنية إلى معالجة الشواغل المصرية المتعلقة بالحدود البحرية والمياه الاقتصادية من خلال الحوار والتنسيق.
واعتبر أن هذا المسار يمكن تطويره مع المحافظة على الحقوق والمواقف القانونية الليبية.
نتائج التنفيذ معيار نجاح المصادقة
وفي ما يتعلق بمعايير الحكم على نجاح المصادقة، أوضح الشبعاني أن التقييم ينبغي أن يستند إلى نتائج محددة، تشمل توحيد الملف البحري للدولة، وبدء مفاوضات فنية جادة، ووضع برامج تعاون واضحة مع تركيا.
كما دعا إلى متابعة مدى تضمين المشروعات آليات لنقل المعرفة إلى ليبيا، وتدريب الكفاءات، وتحقيق عوائد تُدار بشفافية.
وأكد أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو إعلان أولويات التنفيذ، وتحديد الجهات المسؤولة عنها، ومتابعة التقدم في إنجازها.
وختم الشبعاني بالتأكيد أن المصادقة تعزز الموقف الليبي، غير أن قيمتها العملية ستظهر في قدرة المؤسسات على تحويلها إلى حماية للحقوق وتعاون اقتصادي يعود بالنفع على الدولة والمواطن.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا