الصراع المجنون على السلطة وتبعاته على الطلبة الليبيين الموفدين - عين ليبيا
مرعي مصطفى بوعمود
يختبر الطلبة الليبيون الموفدون للدراسة بالساحة الأمريكية ظروف سيئةً للغاية بعد أن أصبحت الساحة الأمريكية مسرحاً يعكس تماما ما يحدث في أرض الوطن من صراع محموم على السلطة.
كانت البداية عندما تدخل المؤتمر الوطني العام في شئون الطلبة و أصدر جملة من القراراتٍ الغير مدروسة كان لها الأثر سلباً على مستقبل عدد كبير من الطلبة الليبيين الدارسين بالخارج.
و سرعان ما خرج مصرف ليبيا المركزي عن حياده و امتثل لقرارات المؤتمر الوطني العام.
ثم قام المصرف بعدها بإتخاذ تدابير أحادية الجانب كان لها دور في تفاقم مشاكل الطلبة.
ثم برزت وزارة التعليم العالي (البيضاء) و حاولت بسط نفوذها على الساحة الأمريكية. مستخدمةً حقها في صنع القرار، أقدمت الوزارة على إلغاء التعاقد مع المكتب الكندي الخدمي الذي كان مضطلعا بعملية الإشراف على الطلبة الليبين لمدة خمسة سنوات على التوالي. ثم عملت الوزارة على تنصيب ملحقية ثقافية لتحل محل المكتب الكندي في عملية الإشراف. من جانبها استهجنت وزراة التعليم العالي(طرابلس) هذه الخطوة و امتنعت عن تمويل الملحقية الثقافية و لم تعترف بها.
و من وجهة نظر الوزارة(طرابلس) فإن الاستغناء عن المكتب الكندي في هذا التوقيت يعد مجازفة سيترتب عليها حتما نتائج وخيمة. فالمكتب الكندي صاحب خبرة كبيرة في عملية الإشراف و يتمتع بمهارات و قدرات عالية على التواصل و التعامل مع الطلبة و المؤسسات العلمية الأمريكية على حد سواء و من ثم أقترحت الوزارة فكرة التعاقد مع هذا المكتب لمدة سنة واحدة يتم خلالها الاستعانة بخبرته في بناء ملحقية قادرة على الإشراف على الطلبة بشكل فعال.
من جانبها رفضت وزارة التعليم العالي (البيضاء) هذا المقترح مؤكدةً مُضيها قُدُما في مشروع تأسيس الملحقية و عدم التعامل مع المكتب الكندي بحكم أن هناك رائحة فساد مالي تفوح و شكوك تدور حول تورط المكتب الكندي في فساد مالي و نهب مُنظم لمُقدرات الوطن.
تجدر الإشارة أن هناك شعور بوجود هكذا فساد مالي و لكن تبقى هذه مجرد مشاعر و تُهم بلا أدلة دامغة تَثبُتُ صحتُها.
و بالفعل ظهرت الملحقية منذ البداية عاجزةً و شبهُ مشلولة فقد تم تشكيها على عجل، حيث لم يتم تزوديها بالاموال اللازمة لتغطية نفقات الرسوم الدراسية و المنح و التأمين الصحي. و بحسب الملحقية فأنها لم تُمنح الفرصة الكافية لإثبات جدارتها و تعثرت جهودها الرامية لتحسين أحوال الطلبة بسبب الامتناع عن تمويلها.
و في حقيقة الأمر قدمت الملحقية خدمات أقل بكثير من المتوقع من حيث المستوى مقارنةً بالمكتب الكندي.
فقد أشتكت الجامعات الأمريكية و كذلك الطلبة من البطء الشديد في الرد على المراسلات رغم أهميتها و كان خطابها للمؤسسات التعليمة الأمريكية خطابا يظهر ضعفها و عجزها ماليا فلم تمنح هذه المؤسسات ثِقتها للملحقية و شككت في قدرتها على الوفاء بالوعود.
كما لم تقبل الملحقية النقد حتى الموضوعي منه و لم ترحب به.
و هكذا وجد الطلبة أنفسهم يعانون من مشاكل جديدة تضاف إلى المشاكل التي كانت موجودة من قبل فزاد الحمل على عاتقهم حتى قسم الظهر أو كاد. فالمنح الدراسية تتأخر لشهور طويلة و المنحة هي مصدر دخل الطالب الوحيد في بلد الدراسة أي بلاد الغربة بها يقتات هو و من يعول و منها يدفع ثمن الإيجار و يتكفل بنفقات المعيشة. و بتأخر المنح تعرضت أسر كثيرة ليبية للعوز بل وبدأنا نسمع عن منظمات إنسانية و كنائس تقدم المساعدة للأسر الليبية.
وبتأخر وصول نفقات الرسوم الدراسية و انقطاع التأمين الطبي وجد الطالب الليبي نفسه بلا دخل و بلا تغطية لنفقات الدراسة و بلا تأمين صحي و بات مخيرا بين أمرين كلاهما مر أما الاقتراض و قبول مساعدات من الأجانب أو العودة لأرض الوطن صفر اليدين من دون الشهادة العلمية التي هو كان قد أصبح قاب قوسين أو أدنى من الفوز بها و من ثم العودة إلى أرض الوطن و الأهل مرفوع الرأس.
و بذلك وجد الطالب الليبي نفسه مجبرا على العمل فتراه يعمل كسائق سيارة أجرة أو موزع بيتزا أو صحف و جرائد أو كعامل في مشروع بناء كل ذلك من أجل التكفل بنفقات معيشته هو و أولاده. و لكن شق على الطالب التوفيق بين العمل و الدراسة ناهيك أن دخل الطالب من العمل لا يكفي للتكفل بثمن الايجار و نفقات المعيشة فمابلك بقيمة الرسوم الدراسية و التأمين الصحي و غيره من تكاليف الدراسة الأكاديمية.
و مسألة انقطاع التأمين الصحي لمدة طويلة وحدها تسببت في حدوث كوراث كبيرة و معاناة حقيقية. فهناك العديد من الطلبة او من اهاليهم المرافقين من يعاني امراضاً مُزمنة مثل السكري وغيرها من الامراض التي يحتاج من يعانيها إلى تناول الدواء بشكل دوري و مستمر. و الأدوية غالية الثمن في أمريكا و من ثم وقف الطالب عاجزا عن شراء الدواء له أو لابنه المريض أو زوجته المصابة.
لقد دفع الطلبة الموفدين للدراسة بالولايات المتحدة الأمريكية ثمنا باهضا نتيجة الصراع المحموم على السلطة و اجتهاد هذا الطرف الذي هو أخ في الوقوف كحجر عثر في طريق الخصم و هو شقيقه و العمل على خلق العراقيل و محاولة تعجيز الخصم بغية إثبات النفس و المقدرة و الظهور بمظهر الطرف الأقوى.
إن الطلبة الليبين الدارسين في أمريكا هم أولادكم و هم من يجتهد و يثابر من أجل حصد أرفع الدرجات العلمية من أحسن جامعات العالم و هم أمل ليبيا في مستقبل أفضل فلا يصح و لا يستقيم أن ترضوا لابنائكم هكذا مصير أليم.
أن الحكم على طلبة بعدم النجاح بل بالذل و العوز في بلاد الغربة هو اهدار لثروة حقيقة و كارثة ما بعدها كارثة فهؤلاء هم بُناة ليبيا المستقبل وأدوات التغيير الاجتماعي الحميد المنشود و عامل من أهم عوامل النهضة. و لا مبالغة في القول أن من يريد الخير لليبيا تراه يريد الخير للطلبة ومن لا يريد الخير للوطن لا و لن يكترث بهم.
إن الطلبة يعدون العدة لاعتصام مفتوح أمام السفارة الليبية بواشنطن دي سي رمز الدولة الليبية و بالتزامن يعتصم الطلبة في كل الولايات و من هناك سوف يوجه الطلبة نداء استغاثة عاجل للشرفاء و الوطنيين حقا و نطلب منهم الدعم و المساعدة في إنقاذ مستقبل الطلبة أولادكم أبناء ليبيا.
الطلبة اليوم عالقون بين ملحقية تم تنصيبها من طرف في النزاع على عجل و لا تملك هذه الملحقية المال اللازم للإنفاق على عملية الايفاد، و مكتب خدمي تم الاستغناء عن خدماته و تمويل عملية الايفاد يتم فقط عبر المكتب من وجهة نظر الطرف الثاني في الصراع
نحن كطلبة لا نكترث إلا لما فيه الخير لنا جميعا و للوطن و نريد فقط أن تتم تأمين البعثة الدراسية تأمينا جيدا بحيث يتسنى لنا التركيز على دراستنا و تحقيق الغاية التي من آجلها تم إيفادنا. و لا يجوز بل هو عيب ما بعده عيب أن نكون نحن عيالكم ضحية الصراع على السلطة تماما كما كان مصير الوطن الغالي الذي عبث به الصراع المجنون على السلطة و مزقه شر ممزق.
نسأل الله التوفيق و السداد و نسأله أَن يصل النداء يوم الاعتصام المخلصين و الشرفاء و الرجال حقا من أهل الوطن
و الله حسبنا و الله على كل شيء قدير
مرعي مصطفى بوعمود
طالب ناشط في الحراك الطلابي
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا