الغرياني: «الحوار المهيكل» انتهاك صارخ للسيادة الليبية - عين ليبيا

شنت دار الإفتاء الليبية هجوماً حاداً وعنيفاَ على مخرجات ما يعرف بـ الحوار المهيكل. واعتبرت هذه النتائج محاولة صريحة لفرض وصاية دولية على القرار الليبي، وإعادة إنتاج للأزمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ سنوات.

وأوضح مفتي عام ليبيا الصادق الغرياني عبر حلقة برنامج الإسلام والحياة أن هذه المخرجات تمثل تسليماً كاملاً لمفاتيح القرار الوطني إلى جهات خارجية متورطة في صناعة الأزمات وإطالتها. وأكد أن المسار الحالي يشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة الليبية، وإطالة للمرحلة الانتقالية التي لم تحقق أي استقرار حتى الآن.

وبين مفتي عام ليبيا الصادق الغرياني أن البعثة الأممية اختارت لجنة الحوار المهيكل على مقاسها الخاص. وأشار إلى أن البعثة تمتلك دربة وخبرة في خداع الشعوب والمكر بها وطريقة اختيار أتباعها ومؤيديها.

ولفت إلى أن من سياساتها المخادعة إعلانها في بادئ الأمر للمشاركين أنهم هم من يقررون ما يريدون وليس البعثة، وأن توصياتهم استشارية غير ملزمة. وبين قيام البعثة باستفتاء الآلاف عبر تقنية الزوم في التوصيات التي انتهوا إليها.

وأضاف أن البعثة تطمع من اختارتهم في أثناء ذلك بتولي المناصب في الحكومة الانتقالية القادمة لتضمن ولاءهم، كما فعلت تماماً بمن جندتهم لمشروع الصخيرات سابقاً. حيث غيرت خطابها بعد أن استدرجتهم لما تريد، وصارت تتكلم على أن هذه التوصيات ستكون ملزمة وستقدمها لمجلس الأمن لفرضها على الليبيين.

ووصف الأمر بأنه خداع في خداع لن يتحقق منه شيء لمن أطمعتهم بالمناصب. ومستشهداً بمن جندتهم البعثة السابقة لمشروع الصخيرات كعبرة، حيث جعلتهم بعد فوات الأوان يأكلون أصابعهم من الندم، ولم يكن لهم في حكومة السراج موطئ قدم كما كانوا يؤملون.

وأشار مفتي عام ليبيا الصادق الغرياني إلى أن ما حل بالبلد ممن جندتهم بعثة الصخيرات من وضع ليبيا تحت الفصل السابع، وفرض الوصاية الدولية عليها من أعدائها، يحرق أكبادهم بسبب ما تعانيه ليبيا اليوم، لكن المكابرة تمنعهم من الاعتراف بالحق والرجوع إليه.

ونوه بأن في شرع الله وحكمه أن الرجوع إلى الحق عند أهل الدين والمروءة خير من التمادي على الباطل.

واعتبر أن من اختارتهم البعثة هذه الأيام على مقاسها للحوار المهيكل هم كسابقيهم في الصخيرات وعملهم يعد اعتداء على الليبيين كونهم نصبوا أنفسهم وكلاء عن الشعب دون أن ينصبهم أحد. ومشبهاً مثلهم في هذا الاعتداء كمن اعتدى على جاره فباع عنه بيته نيابة عنه دون توكيل، وادعى زوراً أنه وكيل عنه، أو أن عدواً لجاره نصبه للقيام بذلك العدوان كما نصبت البعثة هؤلاء.

وشدد مفتي عام ليبيا الصادق الغرياني على أن تنصيب لجنة الحوار المهيكل ومخرجاتها يمثلان اعتداء على السيادة الليبية، كونه يسلم مصير الليبيين إلى أعدائهم في اختيار من يحكمهم. وموضحاً أن المخرجات أسندت مؤسسات الدولة الرقابية والمالية والقضائية وغيرها إلى خبراء دوليين يحلون محل تلك المؤسسات تحت ستار الاستعانة بالخبرة الدولية.

ومؤكداً أن هؤلاء الخبراء سيكونون من دول مثل أمريكا وفرنسا وبريطانيا ممن لا يخفون عداءهم للشعب الليبي والإجهاز على ثورته، مثلما ظهر في تحالفهم مع حفتر في العدوان على ثوار بنغازي بحسب تعبيره.

وحذر من أن أخطر مخرجات الحوار المهيكل تتمثل في إعطاء الحكومة الانتقالية التي يريدون فرضها صلاحية التصرف في السجل المدني، الذي ضبط فيه النائب العام حتى الآن عشرات الآلاف من حالات التزوير والفساد، ومؤكداً أن التدخل في السجل المدني يفتح الباب واسعاً للتغيير الديمغرافي الخطير عبر توطين المهاجرين ومنعهم من التدفق عبر البحر خدمة للدول الأوروبية.

ووجه مفتي عام ليبيا الصادق الغرياني الشكر للأعضاء الستة في لجنة الحوار المهيكل على المذكرة الشارحة الناقدة للمخرجات وما فيها من ضرر بالغ بالوطن. ولفت إلى أنه رغم أن أصل قبولهم للعمل في اللجنة يعد اعتداء، إلا أنه يذكر لهم خروجهم عنها وبيان خفايا الفساد، وتنبيههم على المخاطر التي تبيتها البعثة من تقرير مصير الليبيين نيابة عنهم واستلابهم الحق في الاستفتاء على الدستور والانتخابات الحرة.

ودعت دار الإفتاء باقي أعضاء الحوار المهيكل لانضمام لهؤلاء الستة لإنقاذ أنفسهم مستشهدة بالآية الكريمة “ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار”. كما دعت النخب والسياسيين وعامة الشعب لرفض المخرجات وتأييد الخارجين عليها لما فيها من استلاب لحقوق الناس وفرض حكومات انتقالية جديدة تجهز على ما بقي من مقدرات وثروات تنهب دون توقف ولا حياء.

وانتقدت دار الإفتاء البعثة الأممية بأنها اختارت تسليم المؤسسات إلى الأعداء عبر حكومة انتقالية جديدة لن يكون لها أمد، لتتفاقم الأزمات وتستمر المعاناة ويطول عمر البعثة واقتياتها ورفاهية أعضائها على حساب عذاب الليبيين، بدلاً من السعي للاستفتاء على الدستور وإنهاء المراحل الانتقالية، ومؤكداً في الوقت ذاته أن البعثة الأممية تؤكد أن دورها يقتصر على تيسير الحوار بين الأطراف الليبية لإنهاء المراحل الانتقالية دون تدخل مباشر أو انحياز.

وأكد مفتي عام ليبيا الصادق الغرياني أن الذي يجب أن يعرفه الناس هو أن ما يسمى المجتمع الدولي لا يحترم إلا القوي، ومطالباً الحكومة إذا أرادت أن يحترمها المجتمع الدولي ويقف معها أن تبسط سيطرتها وسلطانها على كافة الكتائب والألوية والمؤسسات الأمنية التابعة لها وتجعلها تأتمر جميعاً بأمرها وأمر المؤسسات الرسمية في وزارتي الدفاع والداخلية.

وموضحاً أن هذا الأمر هو ما يفرض الاحترام، وليس استجداء الدول أو تمرد الكتائب والألوية عليها وانفراد كل منها بجهة في العاصمة وخارجها، وهو ما يفقد الحكومة سلطانها ويظهر ضعفها.

وشدد على أن التجارب أثبتت أنه إذا أظهر أهل بلد ضعفهم وخوارهم أمام المجتمع الدولي ومدوا رقابهم إليه لمحاولة استرضائه على حساب مصالح بلدهم فلن يرحمهم ولن يتردد في إعناتهم وتدمير مؤسساتهم، ومضيفاً أن البلد الذي يسترضي المجتمع الدولي لو افتقر فيه الناس كلهم أو قتل منهم الملايين لن يحرك ذلك في الدول الكبرى شعرة رحمة أو ندم، ولن يزداد المجتمع الدولي باستجدائه وإعطاء أهل البلد الدنية في دينهم ووطنهم إلا صولة وجرأة لا تبقي ولا تذر.

وطالب الحكومة ومؤسساتها والنخب والسياسيين بالاعتزاز بأنفسهم وإظهار القوة والدفاع عن السيادة والحرمات والأموال والأعراض أمام الأعداء ووكلائهم المحليين، معتبراً أن إظهار القوة والاستماتة في التمسك بالحق يفرض نفسه ويثبت الملك، أما الارتعاش والتلفت والتردد فهو ما ينذر بزوال الملك.

ومستذكراً أحداث عام ألفين وأحد عشر بأن المجتمع الدولي حينها هو نفسه اليوم، وما كان يملكه الليبيون من قوة مادية لم يكن أكثر مما يملكونه اليوم، ولكن الإرادة وإظهار القوة وجمع الكلمة ووفود الدول الكبرى التي كانت تسترضي دار الإفتاء والشعب الليبي هو ما جعل الدول الكبرى تقف في وجه القذافي وتفرض الحظر الجوي وتدعم الثوار بالقصف عند محاولة اجتياح بنغازي.

وفي الشأن الخدمي، انتقد مفتي عام ليبيا الصادق الغرياني انهيار المؤسسات والخدمات الصحية وازدياد سوء الأوضاع يوماً بعد يوم. ومؤكداً أنه على الرغم من صرف الميزانيات الكبيرة على قطاع الصحة إلا أن الخدمات الصحية تقع في أضعف مستوياتها، مشيراً إلى شكاوى الناس المرة من اختفاء الأدوية الضرورية لإنقاذ الحياة، حيث لم يقتصر الأمر على أدوية الأورام التي تصرف لها ميزانيات ضخمة، بل شمل اختفاء الأنسولين رخيص الثمن منذ مدة طويلة.

واعتبر أن من مظاهر الإخفاق الصحي عدم وجود مركز له بال في التشخيص على امتداد البلاد يغني ضعاف الحال عن تجشم صعوبات السفر لتشخيص عللهم في تونس وسط انعدام قدرتهم المالية على ذلك. ومشدداً على أن هذا الإخفاق في التشخيص وتوفير الأدوية يتسبب في موت كثير من المرضى الذين كان يمكن إنقاذ حياتهم لولا الإخفاق والإهمال ممن أسندت إليهم هذه المهام.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا