القهوة و«ضغط الدم».. العلم يحسم الجدل - عين ليبيا

في ظل الانتشار الواسع لاستهلاك القهوة حول العالم، تتواصل الأبحاث العلمية لفهم تأثيرها على صحة القلب وضغط الدم، حيث تشير دراسات حديثة وتحليلات مجمعة إلى أن العلاقة بين القهوة وضغط الدم أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا، إذ تجمع بين تأثير فوري مؤقت واستجابة طويلة المدى غالبًا ما تكون محايدة لدى معظم الأفراد.

وتوضح أبحاث فسيولوجية منشورة في مجلات طبية محكمة أن الكافيين، وهو المكون النشط الأساسي في القهوة، يعمل على تنشيط الجهاز العصبي المركزي وتحفيز إفراز هرمونات التوتر مثل الأدرينالين، ما يؤدي إلى تضيق مؤقت في الأوعية الدموية وارتفاع ضغط الدم بشكل سريع بعد الاستهلاك.

وبحسب النتائج، فإن ضغط الدم الانقباضي قد يرتفع بمعدل يتراوح بين 5 إلى 10 ملم زئبق لدى الأشخاص غير المعتادين على الكافيين، خلال نحو ساعة من تناول القهوة، قبل أن يعود تدريجيًا إلى مستوياته الطبيعية خلال ساعات.

لكن الباحثين يؤكدون أن هذا التأثير يكون أوضح لدى غير المعتادين على شرب القهوة، بينما يضعف بشكل ملحوظ لدى من يستهلكونها بشكل يومي نتيجة ما يُعرف بـ”التكيف الفسيولوجي”، حيث يطور الجسم قدرة تدريجية على تقليل الاستجابة للكافيين.

وعلى المدى الطويل، تشير دراسات الرصد الواسعة والتحليلات الإحصائية المجمعة لبيانات آلاف المشاركين إلى أن الاستهلاك المعتدل للقهوة، والذي يتراوح بين كوبين إلى أربعة أكواب يوميًا، لا يرتبط بارتفاع مزمن في ضغط الدم لدى الأشخاص الأصحاء.

بل إن بعض النتائج العلمية أوضحت أن مستهلكي القهوة بانتظام لا يختلفون بشكل واضح في مستويات ضغط الدم عن غير الشاربين، فيما أشارت دراسات أخرى إلى احتمال وجود ارتباط بانخفاض طفيف في مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية، مع استمرار الجدل العلمي حول قوة هذه النتائج وحدودها.

وتفسر الأبحاث هذا الحياد النسبي بأن الجسم يتكيف مع الكافيين بمرور الوقت، مما يقلل من تأثيره المباشر على الجهاز القلبي الوعائي، خصوصًا عند الاستهلاك المنتظم والمعتدل.

كما تؤكد الدراسات أن الاستجابة للقهوة ليست موحدة بين جميع الأشخاص، إذ تلعب العوامل الوراثية دورًا رئيسيًا في سرعة تكسير الكافيين داخل الجسم، إلى جانب نمط الحياة مثل التدخين، التوتر النفسي، قلة النوم، وزيادة الوزن، والتي قد تعزز حساسية الجسم للكافيين وترفع تأثيره على ضغط الدم.

وفي ما يتعلق بمرضى ارتفاع ضغط الدم، تشير الأدلة العلمية الحالية إلى ضرورة الحذر دون المنع الكامل، إذ يمكن للاستهلاك المعتدل أن يكون مقبولًا لدى الحالات المستقرة، بينما قد يظهر تأثير أوضح لدى بعض المرضى غير المستقرين، ما يستدعي متابعة فردية لقراءات الضغط بعد الاستهلاك.

كما تحتوي القهوة على مركبات نشطة بيولوجيًا مثل البوليفينولات ومضادات الأكسدة، والتي تشير بعض الدراسات إلى دورها المحتمل في دعم صحة الأوعية الدموية وتقليل الالتهابات، ما قد يفسر بعض النتائج التي تُظهر حيادًا أو فوائد محتملة عند الاستهلاك المنتظم.

وتخلص مجمل الأدلة العلمية الحديثة إلى أن تأثير القهوة على ضغط الدم ينقسم إلى استجابة فورية مؤقتة، وتأثير طويل المدى غالبًا ما يكون محايدًا لدى أغلب المستهلكين المعتدلين، مع بقاء الفروق الفردية عاملًا حاسمًا في تحديد طبيعة الاستجابة.

وبحسب الباحثين، فإن القهوة لا تُعد عامل خطر مباشر على ضغط الدم عند الاستهلاك المعتدل، لكنها تبقى مادة نشطة بيولوجيًا تتطلب فهمًا دقيقًا لتأثيرها حسب كل حالة على حدة.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا