المركزي يتحرك لـ«تعزيز السيولة ومواجهة التزوير».. ماذا يحدث بالسوق الليبية؟ - عين ليبيا

يتحرك مصرف ليبيا المركزي على أكثر من مسار لمواجهة الضغوط التي تحاصر السوق النقدية الليبية، بالتزامن مع تراجع قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية في السوق الموازية، إذ يستعد المصرف لإعادة طرح فئة الـ50 دينارًا بإصدار جديد يحمل مواصفات أمنية مختلفة، بالتوازي مع رفع سقوف السحب النقدي للمواطنين، فيما تتصاعد التحذيرات الاقتصادية من استنزاف احتياطيات البلاد من العملة الأجنبية.

وكشف مصدر مسؤول في مصرف ليبيا المركزي لقناة الجزيرة أن المصرف يعتزم إعادة طرح ورقة الـ50 دينارًا للتداول خلال الفترة المقبلة، موضحًا أن الإصدار الجديد لن يكون امتدادًا للنسختين السابقتين اللتين جرى سحبهما من السوق، بل سيصدر بمواصفات أمنية جديدة تستهدف رفع مستوى الحماية وتعزيز القدرة على مواجهة محاولات تزوير العملة.

وتأتي إعادة طرح الفئة النقدية بعد أزمة واسعة ارتبطت بتداول أوراق مزورة، إذ أنهى مصرف ليبيا المركزي التعامل بفئة الـ50 دينارًا من الإصدارين الأول والثاني بصورة نهائية في يونيو 2025، ضمن إجراءات استهدفت الحد من تداول النقد المزور والحفاظ على استقرار النظام النقدي في البلاد.

وأظهرت عمليات فرز الأوراق النقدية التي سُحبت من السوق، وفق بيانات وتقارير لاحقة، العثور على كميات كبيرة من النقد غير القانوني، ما سلط الضوء على حجم أزمة التزوير التي واجهت العملة الورقية الليبية خلال الفترة الماضية.

ولم تتوقف أزمة التزوير عند فئة الـ50 دينارًا، بل شملت أيضًا الأوراق النقدية من فئة الـ20 دينارًا، فيما نقلت قناة الجزيرة تقديرات تشير إلى وصول القيمة الإجمالية للأوراق المزورة من الفئتين إلى نحو 10 مليارات دينار، في مؤشر على اتساع نطاق التحديات التي واجهها القطاع النقدي الليبي.

ومع عودة فئة الـ50 دينارًا إلى واجهة التداول بعد أكثر من عام على سحبها، تترقب الأوساط الاقتصادية والمالية في ليبيا تفاصيل الإصدار المرتقب، وفي مقدمتها موعد طرحه، وشكله النهائي، والمواصفات الأمنية التي ستتضمنها الورقة الجديدة، إلى جانب حجم الكميات التي سيضخها مصرف ليبيا المركزي في السوق.

ويأتي ذلك في وقت يعمل فيه المصرف أيضًا على زيادة قدرة المواطنين على الحصول على السيولة النقدية، إذ أعلن مصرف ليبيا المركزي رفع سقوف السحب النقدي في مختلف أنحاء البلاد اعتبارًا من الأحد المقبل.

وأوضح المصرف، عقب اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مديري المصارف التجارية، أن الحد الأقصى للسحب في المناطق الغربية والشرقية والوسطى سيصل إلى 3 آلاف دينار ليبي، موزعة بواقع ألفي دينار عبر فروع المصارف، وألف دينار من خلال أجهزة الصراف الآلي.

أما المنطقة الجنوبية، فحدد المصرف سقف السحب فيها عند 4 آلاف دينار، موزعة بالتساوي بين المعاملات المباشرة عبر الفروع والسحب من أجهزة الصراف الآلي، وذلك وفق البيان تقديرًا للظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة.

وتأتي هذه الإجراءات النقدية بينما يواصل الدينار الليبي خسائره أمام العملات الأجنبية في السوق غير الرسمية، إذ أشارت المعلومات الواردة في التقرير إلى وصول سعر الدولار الأمريكي إلى نحو 8.70 دينار ليبي في السوق الموازية.

وفي موازاة الضغوط المرتبطة بسعر الصرف والسيولة، أطلق أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور علي الشريف، تحذيرًا بشأن ما وصفه بالنزيف الحاد في احتياطيات البلاد من العملة الأجنبية، مرجعًا ذلك إلى الارتفاع القياسي في حجم الاعتمادات المستندية.

وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور علي الشريف إن جزءًا كبيرًا من الاعتمادات المستندية يُستغل لتحقيق أرباح سريعة من خلال الاستفادة من الفارق بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية.

ودعا الشريف مصرف ليبيا المركزي ووزارة الاقتصاد والتجارة إلى التنسيق العاجل والتكامل من أجل وضع آلية متطورة للتوريد المباشر للسلع الأساسية، مقترحًا إعادة تفعيل «صندوق موازنة الأسعار»، بالتزامن مع إيقاف الاعتمادات المستندية المخصصة لهذه السلع بصورة كاملة.

ووضع الخبير الاقتصادي مجموعة من المقترحات التي يرى أنها تستهدف الحد من المضاربة وضبط السوق، تبدأ بإعادة تنظيم قائمة السلع المستوردة وفقًا للأولويات الوطنية، وتحديد الكميات وفق الاحتياجات الفعلية للسوق المحلي، بهدف تقليص الطلب غير الحقيقي على النقد الأجنبي.

كما دعا إلى ترشيد وضبط الإنفاق الحكومي بما يتناسب بصورة كاملة مع حجم الإيرادات النفطية والسيادية الفعلية، إلى جانب الامتناع التام عن اللجوء إلى إحداث أي دين عام جديد، حفاظًا على الاستقرار المالي والنقدي ومنع تفاقم التضخم.

وحذر الشريف من أن التقاعس أو التأخر في تنفيذ هذه التدابير الإصلاحية العاجلة سيؤدي إلى استنزاف متسارع للاحتياطيات الأجنبية لدى مصرف ليبيا المركزي، الأمر الذي يمكن أن يدفع المسؤولين إلى اللجوء لتخفيضات جديدة في قيمة الدينار الليبي.

وأكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي أن الوصول إلى مرحلة تخفيض قيمة الدينار سيجعل معالجة التداعيات الاقتصادية والمعيشية أكثر تعقيدًا وصعوبة.

وبذلك تتقاطع أمام السياسة النقدية الليبية عدة ملفات في وقت واحد؛ فمصرف ليبيا المركزي يستعد لإعادة إدخال فئة الـ50 دينارًا بإصدار أمني جديد بعد سحب الإصدارات السابقة بسبب أزمة التزوير، ويرفع سقوف السحب النقدي لتوفير مساحة أكبر للحصول على السيولة، بينما يواجه الدينار ضغوطًا في السوق الموازية، وسط تحذيرات اقتصادية من استمرار استنزاف الاحتياطيات الأجنبية عبر الاعتمادات المستندية.

وتبقى تفاصيل الإصدار الجديد لفئة الـ50 دينارًا، وحجم الكميات التي سيجري ضخها، ومدى فعالية مواصفاته الأمنية في مواجهة التزوير، إلى جانب انعكاس إجراءات رفع سقوف السحب على السيولة وسعر الصرف، من أبرز الملفات التي تترقبها الأوساط الاقتصادية والمالية في ليبيا.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا