المنفي: الوساطة الدولية يجب ألا تتحول إلى «وصاية» - عين ليبيا

شهدت مدينة نيويورك في الثالث والعشرين من شهر سبتمبر لسنة 2026 أعمال الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة التي شهدت إلقاء كلمة رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بحضور رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة الدكتور خليل الرحمن والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

واستهل رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي كلمته بالتأكيد على أن العالم يشهد تحولاً كبيراً لا يقتصر على موازين القوة فحسب بل يمتد إلى مفهوم القوة ذاته وأخلاقيات استخدامها مما يعيد تشكيل معنى الأمن وطبيعة التحالفات وقدرة النظام الدولي على الوفاء بمرتكزاته ومبادئه التي تأسس عليها ومن أجلها.

وتساءل رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي عن كيفية بناء نظام دولي تكون فيه سيادة القانون حقاً متساوياً لا امتيازاً للأقوى وكيفية جعل التعاون شراكة حقيقية بين الأمم لا تقاسماً لمناطق النفوذ مشدداً على أن العالم العربي والإسلامي والقارة الإفريقية يعيشون نتائج هذه التحولات كل يوم من موقع غير موقع المراقب.

واستعرض رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي معاناة الشعب الفلسطيني المتفاقمة عبر عقود من الاحتلال والقمع وتغيير الهوية رغم تمسكه بحقه في الحياة وتقرير المصير مع الإعراب عن الأسف لعدم مقدرة وفده على المشاركة في هذه الدورة ومحذراً من أن استمرار تقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية يدفعه نحو توسيع دائرة النزاع وانتشار التطرف والبحث عن بدائل في ظل مشاريع توسعية كبرى تمتد لتتجاوز فلسطين المحتلة إلى سوريا ولبنان.

وأكد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي عدم سلامة المقدسات الإسلامية والمسيحية ولا المدنيين والمنشآت المدنية من ويلات الصراع الذي امتدت تداعياته إلى الخليج العربي وآخرها ما تعرضت له المملكة العربية السعودية مؤكداً التضامن الكامل معها في صون أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها ومقدساتها ورفض كل استهداف يهددها باعتبار أمن المملكة والخليج ركيزة لأمن المنطقة واستقرارها.

وتطرق رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إلى ما يشهده السودان الشجار والشقيق من استمرار النزاع المسلح الذي يجعل شعبه ضحية تدفع ثمناً فادحاً لحرب مدمرة تتصادم فيها المصالح والتدخلات لتهدد أمن الإقليم واستقراره ووحدة دوله فضلاً عن التهديد الوجودي الذي تعاني منه منطقة الساحل الإفريقي نتيجة تقاطع الإرهاب والجريمة المنظمة والفقر وتغير المناخ والنزوح والهجرة وتوسع دائرة النزاع المسلح بعيداً عن النظر إليها كمجرد مصدر للموارد أو ساحة للتنافس الدولي.

وشدد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي على أن إفريقيا ليست هامشاً للعالم بل هي أحد مراكز عالمه القادم وأن ليبيا من إفريقيا تاريخاً وأمنًا ومستقبلاً مستذكراً انطلاق الإرادة الإفريقية من مدينة سرت الليبية قبل عقود للمساهمة في تأسيس الاتحاد الإفريقي لتكون ليبيا شريكاً في صياغة المشروع الإفريقي لا مجرد جسر بين إفريقيا والمتوسط.

وأوضح رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي أن أمن منطقة الساحل يعد جزءاً من أمن ليبيا واستقرارها وأن التنمية في إفريقيا استثمار في الأمن المشترك للجوار الإفريقي والأوروبي بينما يُنظر إلى حوض المتوسط كفضاء مشترك للتواصل ينبغي أن تنتقل علاقات بلدانه من إدارة الهجرة والأزمات إلى جعله جسراً للتنمية والتجارة وانتقال الطاقة والاستثمار والأمن المشترك.

وبيّن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي أن ليبيا تقف جغرافياً وسياسياً عند نقطة التقاء عوالم عربية في هويتها ولغتها وإفريقية في جغرافيتها ومصيرها وانتمائها ومتوسطية في جانب أصيل من ثقافتها ومصالحها وشراكاتها وإسلامية في قيمها الحضارية التي تنحو نحو السلام وبناء الجسور معتبرًا أن تعدد هذه الدوائر مصدر قوة ومسؤولية وفرصة.

وحذر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي استناداً إلى درس السنوات الماضية من أنه حين تضعف الدولة لا يبقى الفراغ فارغاً بل تملؤه المصالح المتنافسة وتنشط الجماعات المسلحة وتنتشر شبكات الجريمة والتهريب ويتسيل المال غير المشروع وتفقد الدولة جزءاً من أمنها وقرارها الوطني مؤكداً أن السيادة ليست علماً يرفع أو حدوداً ترسم بل هي حرية القرار الوطني والتعاون الشفاف مع الأمم المتحدة وصون حقوق الشعب الليبي وألا يكون أحد فوق القانون أو يفلت من المساءلة وألا تحول مؤسسات الدولة إلى ساحات صراع مع منع المال الفاسد من شراء النفوذ.

ودعا رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي مجلس الأمن إلى الاضطلاع بمسؤولياته ومتابعة التقارير الأممية بما فيها تقارير فريق الخبراء المتعلقة بالانتهاكات وحالات عدم الامتثال والنظر الجاد في توصياتها واتخاذ ما يلزم دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير والانتقال من رصد الانتهاك إلى مساءلة مرتكبيه.

وأكد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي أن رؤية ليبيا لعلاقاتها الخارجية واضحة في عدم استبدال نفوذ بنفوذ ولا محور بمحور ولا تبعية بتبيعية بل بناء علاقات قوية مع المحيط العربي ودول الجوار واستعادة الدور الطبيعي في إفريقيا وشراكة استراتيجية متوازنة وفق قواعد المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم التدخل مع التنافس على الاستثمار والإعمار والطاقة والتقنية والتنمية لا على النفوذ داخل المؤسسات مع اعتبار الحليف الحقيقي هو من يريد دولة ليبية قوية والشريك الحقيقي هو من ترتبط مصلحته بزيادة وحدة ليبيا واستقرارها.

وأعلن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي أن ليبيا لم تعد بحاجة إلى مزيد من إدارة الأزمة بل إلى إرادة تنهيها بدولة موحدة ذات سيادة تستمد شرعيتها من إرادة شعبها عبر الآليات الدستورية والقانونية والاستفتاءات والانتخابات الحرة النزيهة بعيداً عن الصفقات المؤقتة والتسويات الهشة مشدداً على أربعة مبادئ حاكمة لأي مسار سياسي تتضمن احترام المرجعيات الدستورية وعدم الإخلال بمبدأ الملكية الوطنية الذي يرفض الوصاية الخارجية وضمان تكافؤ الفرص وعدم استخدام القوة والالتزام بالشفافية والرقابة والمساءلة.

وأعلن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي من على منبر الأمم المتحدة عن إطلاق العمل على لجنة وطنية للتهدئة وبناء الثقة تستند إلى المبادرات الوطنية والمحلية لاستباق النزاعات واحتواء التصعيد ودعم المصالحة وتهيئة بيئة آمنة للعملية السياسية والانتخابية داعياً جميع الأطراف والأمم المتحدة وشركاء ليبيا لمساندتها في احترام كامل للسيادة والملكية الوطنية.

واختتم رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي كلمته بالتأكيد على أن ليبيا المستعادة سيادتها ستكون قوة للاستقرار وعمقاً للتنمية وجسراً للتعاون معلناً رسمياً ترشح ليبيا لعضوية مجلس الأمن للفترة بين عامي 2028 و2029 عن المقعد الإفريقي تحت شعار «تكريس العدالة من أجل الأمن والسلام – ليبيا جسرٌ بين الأمم»، ومشيراً إلى أن هذا الترشح يجسد إرادة وطنية لإرساء العدالة وصون السلم والأمن الدوليين وأن ليبيا لا تريد أن تكون ساحة لتوازن مصالح الآخرين بل دولة تصنع توازنها بإرادتها وتتطلع للشراكة لا للنفوذ.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا