انتحار الملك - عين ليبيا

من إعداد: د. عبيد الرقيق

new-article2_5-11-2016

وأنا أراجع بعضا من كتاباتي السابقة وجدت هذه القصة القصيرة التي كتبتها في أبريل عام 2010 ونشرت في موقع ليبيا وطننا آنذاك وبعض المواقع الأخرى، هل ترون معي بعض اسقاطاتها على الواقع الليبي!؟

كان ملك يحكم قرية، يحمل فلسفة يعتقد أنها متميزة ولصالح الناس، لذلك كان يوعز إلى رجاله بالقبض على كل مخالف وإيداعه السجن. انطلق رجاله يتجسسون ويتنصتون. وما هي إلا بضع سنوات حتى غصت السجون بالمتهمين. وبعد عقود راجع الملك نفسه فوجد أن الفلسفة شيء وأسلوب الحكم شيء آخر. واقتنع بأن أسلوب التفكير يختلف من شخص إلى آخر. ولا يمكن نسخ تفكير الناس في قالب واحد مهما كان. لذلك قرر الإعفاء عن جميع المساجين بل وتعويضهم ماديا ومعنويا جبرا للضرر! فأصدر مرسوما ملكيا بالإفراج والتعويض. لقد كانت التعويضات المادية كبيرة بشكل أسال لعاب الآخرين من باقي الشعب بما فيهم رجالات الملك أنفسهم!! لقد أثار ذلك حفيظة الكثيرين تحت تأثير شديد من الطمع المادي، مما دفعهم إلى التفكير في ارتكاب ما يدخلهم سجون الملك طمعا وجشعا في مكرمة الملك أسوة بالسابقين. لذلك قرر الكثير من الناس انتقاد النظام والملك. فانتشرت الإشاعات وكثرت وتعاظمت الانتقادات في المجالس السرية والعلنية! ظل الملك يراقب الموقف وأمر رجاله بعدم التعرض لأحد. بل شجعهم على الخوض مع الخائضين لاستكشاف تلك الظاهرة!! وذات يوم تفاجأ الملك وزبانيته بخروج الناس في مظاهرات عارمة غصت بها شوارع وساحات القرية! وبرباطة جأش قرر الملك أن يستمع مباشرة إلى مطالب المتظاهرين فخرج عليهم طالبا منهم اختيار وفدا من بينهم للقاء والاستماع واعدا إياهم بتلبية طلباتهم.

اجتمع الملك مع الوفد، فبهته مطلبهم الغريب! حين قالوا جميعا نحن ووكلائنا نريد السجن!! فقال الملك ولماذا السجن؟! إنكم لم ترتكبوا ما تستحقون عليه السجن!!. قالوا كلا! نحن نريد السجن ولن نرضى عنه بديلا! وهذا هو مطلبنا!!. احتار الملك وطلب من مستشاريه الإدلاء برأيهم لكنهم وقفوا جميعا عاجزين أمام مطلب غريب كهذا!! أمر الملك بأن يعودوا الى بيوتهم وسينظر في الأمر غدا، رفض المتظاهرون العودة وأصرّوا على مطالبهم مما جعل الملك يرضخ ويأمر بسجنهم. وفي صباح اليوم التالي فوجئ الملك بالمزيد من المتظاهرين في الشوارع والساحات!!. ظن الملك أنهم جاءوا احتجاجا على سجن المتظاهرين بالأمس وتخوف من أن الموقف قد يتطور أكثر وربما سينقلب إلى ثورة عارمة ضده! لذلك استعد للرحيل وأمر رجاله باستكشاف مطالب المتظاهرين، وكم كانت دهشته كبيرة حينما تأكد من أنهم كذلك يريدون السجن أسوة بسابقيهم بالأمس!!..

احتار الملك كثيرا ولم يستطع تفسير تلك الظاهرة الغريبة فأمر بالمزيد من المستشارين لعرض الرأي وقرر الاستعانة برأي حتى من سجنوا وأطلق سراحهم في الفترة الماضية! وبعد مشاورات، قرر أن يطلق سراح المساجين وأصدر مرسوما يقضي بذلك!!. وما أن فتحت أبواب السجن حتى اندفع المتظاهرون الجدد إلى داخل السجن ليلتحموا بالمساجين ويقرروا جميعا البقاء في السجن لا الخروج منه! اختلطت الأمور على الملك ولم يجد تفسيرا منطقيا للأحداث، فقد أصبح السجن ملاذا للجميع! زادت حيرة الملك وزبانيته فقد تحول سكان تلك القرية وبإرادتهم إلى مساجين!! تركوا أعمالهم ومشاغلهم فأصبحت قريتهم خاوية على عروشها. تعطلت مسيرة الحياة وتوقفت الحركة وعم الذهول والحيرة الجميع!! بهت الملك، فعجز عن تفسير تلك الظاهرة، فكر و فكر .. ثم قرر .. لقد انتحر الملك!! انتشر الخبر. انقسم الناس بين مصدق ومكذب، بعضهم لايزال يعتقد انه حيّا رغم خروجه في جنازة الملك المهيبة! لقد مات الملك وماتت معه أمنية للطمع بشهية طعم السجن! مات الملك، وبقي الشعب حائرا مضطربا يبحث عن الحرية! الحرية التي توهمها تولد يوما من رحم السجون..!! مات الملك فتحرر من جبروت شعبه ، وبقي الشعب مكبلا بجبروت الوهم والطمع وفوضى الحرية!



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا