بعد كارثة درنة وترهونة وتاورغاء.. تحرك جديد لمعالجة «ملف المفقودين» في ليبيا - عين ليبيا
دعت مؤسسات ليبية وأسر مفقودين ومنظمات من المجتمع المدني إلى اعتماد مشروع قانون بشأن المفقودين والاختفاء القسري، ووضع خارطة طريق تيسّر انضمام ليبيا إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.
وجاءت الدعوات خلال اجتماع عُقد في طرابلس في 10 سبتمبر، بمشاركة نحو 30 شخصاً، ويسّرته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قبل الذكرى العشرين لاعتماد الجمعية العامة للاتفاقية.
وشارك في الاجتماع ممثلون عن روابط أسر الضحايا ومنظمات المجتمع المدني من ترهونة وتاورغاء ومرزق ودرنة، إلى جانب ممثلين عن المجلس الرئاسي ومجلس النواب والهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين والمجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان، كما حضر سفير هولندا وممثلون عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
ولا تزال ليبيا خارج الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، لكنها وافقت خلال الاستعراض الأممي لسجلها في مجال حقوق الإنسان في نوفمبر 2025 على توصيات تتعلق بتجريم الاختفاء القسري والكشف عن مصير المفقودين والمختفين وتعزيز حماية الأسر المتضررة وسبل وصولها إلى العدالة، إلى جانب إجراء إصلاحات مؤسسية والتعاون في التحقيقات المتعلقة بحالات الاختفاء والمقابر الجماعية.
وأكد المشاركون أن الانضمام إلى الاتفاقية يمكن أن يشكل أساساً للبناء على الالتزامات التي سبق أن تعهدت بها ليبيا.
وقال رئيس المجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان عبد المولى انتيشة إن الخطوة الأولى تتمثل في مواءمة التشريعات الليبية مع معايير الاتفاقية، وهو ما اعتبره المشاركون في الوقت نفسه أبرز العقبات والطريق إلى معالجة الملف.
وأوضح أعضاء في مجلس النواب أن طلب الانضمام الرسمي يجب أن يصدر عن إدارة المعاهدات والقانون الدولي بوزارة الخارجية، قبل إحالته إلى البرلمان للموافقة عليه أو رفضه وفق الإجراءات الوطنية المعمول بها.
واتفق المشاركون على إعداد خارطة طريق للانضمام إلى الاتفاقية والتواصل مع مجلس النواب بشأنها، فيما أعلن المجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان عزمه نشر تقرير مواضيعي مستقل عن المفقودين في ليبيا قبل نهاية العام.
ويأتي مشروع قانون المفقودين وضحايا الاختفاء القسري، الذي أُحيل إلى البرلمان في مايو وأُعد بدعم فني من بعثة الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ضمن الجهود الرامية إلى مواءمة التشريعات الليبية مع المعايير الدولية.
وكانت بعثة الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد دعما خلال العام الماضي مشاورات لصياغة مشروع القانون، فيما أظهرت عملية المراجعة القانونية وجود فجوات وتداخلات في الإطار التشريعي والمؤسسي الخاص بالمفقودين في ليبيا.
وعرض أعضاء مجلس النواب خلال الاجتماع أبرز أحكام مشروع القانون، مؤكدين أن التشريع الوطني ينبغي ألا يقتصر على البحث عن المفقودين والتعرف إلى هوياتهم، بل أن يشمل الحقوق القانونية والاجتماعية والاقتصادية والإرثية والمالية للأسر، إلى جانب حماية البيانات الشخصية والجينية.
وتعهد البرلمانيون بدعم تقدم المشروع وضمان اتساقه مع الالتزامات الدولية لليبيا.
وقال عضو مجلس النواب عبد السلام نصية: “نعتبر هذا القانون قانوناً للسلم الأهلي، وقانوناً للعدالة الانتقالية، وقانوناً يحقق البناء السليم للدولة”.
وأحيا الاجتماع كذلك الذكرى الثالثة لكارثة درنة التي وقعت في سبتمبر 2023، عندما أدت الفيضانات وانهيار السدود إلى اندفاع المياه عبر المدينة وجرف أحياء كاملة، ما أودى بحياة الآلاف، بينما لا يزال آلاف آخرون في عداد المفقودين.
واستعرضت إحدى الأمهات، التي فقدت ثلاثاً من بناتها الأربع في ليلة 10 و11 سبتمبر 2023، تفاصيل الساعات التي عاشتها أسرتها مع ارتفاع منسوب المياه داخل المنزل، والانتظار في الطابق العلوي، ثم الصباح الذي أعقب الكارثة، حين كانت الجثث ملقاة في الشوارع ولم تصل فرق الإنقاذ إلى الحي.
وقالت الأم: “كأنه يوم القيامة”.
ولم تتوقف معاناة الأسرة عند فقدان أفرادها، إذ ضاعت الوثائق المدنية مع المنزل، واضطرت الأسرة إلى التنقل بين المدن لاستخراج بدائل لها، فيما تستأجر الأم مسكناً في طرابلس مع ابنتها الناجية التي تفصلها سنة واحدة عن إتمام دراستها الجامعية.
وقالت أسر المفقودين إن الآثار النفسية للكارثة لا تزال حادة، في ظل محدودية الدعم النفسي والاجتماعي وبطء عمليات التعرف إلى الهويات.
وأوضحت الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين أن العينات البيولوجية جُمعت، لكن إثبات تطابق الحمض النووي يستغرق وقتاً طويلاً ويتأثر بالموارد المتاحة، خصوصاً أن معظم الجثامين تأثرت بمياه البحر المالحة التي تؤدي إلى تلف الحمض النووي.
وتزيد أزمة الكهرباء من صعوبة العمل، إذ تعيق صيانة المعدات المستخدمة في عمليات البحث والتعرف، وتؤثر في ظروف حفظ الرفات المنتشلة.
ودعا المشاركون إلى تعزيز القدرات الفنية والبشرية والمالية للهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين.
كما طالبوا بتمكين الهيئة من العودة إلى درنة وإعادة فتح مكاتب تشغيلية في درنة وبنغازي، بما يسمح بالتواصل المباشر والمنتظم مع الأسر وإطلاعها على مستجدات عمليات التعرف إلى الهويات وتسليم الرفات التي جرى التعرف عليها لدفنها بكرامة.
وعرض نازحون من درنة الصعوبات التي تواجههم في استخراج وثائق الهوية وجوازات السفر والوصول إلى حساباتهم المصرفية وتلبية احتياجاتهم الأساسية، في انتظار ظروف تسمح لهم بالعودة إلى ديارهم.
وقال ممثل نازحي درنة وأسر المفقودين نبيل عزوز إن الاجتماع أسفر عن التزام بالتحرك سريعاً لإبلاغ الأسر في الحالات التي جُمعت فيها العينات بالفعل، بما يتيح لها دفن أحبائها.
وقال عزوز: “اليوم وجدنا من يستمع إلينا فعلاً”.
وأضاف أن مئات الضحايا لا يزالون مجهولي الهوية بعد 3 سنوات على الكارثة، متسائلاً: “هل يُفترض بنا أن ننتظر ثلاثين عاماً؟”.
وتناول الاجتماع أيضاً أوضاع المفقودين في مناطق أخرى، بينها ترهونة وتاورغاء ومرزق.
وفي ترهونة، طالبت الأسر باستئناف أعمال الحفر بصورة عاجلة في الموقع المعروف باسم “مثلث الموت”، حيث يُعتقد أن ما لا يقل عن 66 مفقوداً مدفونون فيه.
وتواجه أعمال الحفر عقبة تتعلق بنقص الجرافات والمعدات اللازمة لإزالة الركام، ما يحول دون عودة فرق البحث إلى الموقع.
ودعا المشاركون السلطات المعنية والشركاء إلى إيجاد حل للمشكلة وتحديد الجهة المسؤولة عن التأخير.
وتنسجم هذه المطالب مع دعوات أممية سابقة إلى استئناف أعمال البحث عن المفقودين في ترهونة، حيث وثقت الأمم المتحدة استمرار معاناة الأسر وحقها في معرفة مصير ذويها والحصول على العدالة وجبر الضرر.
وجددت أسر ترهونة كذلك مطالبتها بالاعتراف الرسمي بالضحايا والأسر المتضررة وإدراجهم في قائمة الشهداء الرسمية، بما يترتب على ذلك من استحقاقات تشمل جبر الضرر، إلى جانب توسيع الاعتراف ليشمل ضحايا الانتهاكات المرتكبة قبل عام 2019.
وأشارت الأسر إلى وجود قائمة بالفعل بالأسر المستحقة، فيما تعهد ممثل المجلس الرئاسي بمتابعة الملف.
وشدد المشاركون على ضرورة منح الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين الصلاحيات والموارد اللازمة لإقامة وجود دائم في شرق ليبيا وجنوبها، كما دعوا مكتب النائب العام إلى متابعة قضايا الاختفاء القسري.
وقالت الهيئة إنها مستعدة للعمل في الشرق والجنوب، لكنها تحتاج إلى دعم المؤسسات الأمنية والنائب العام، موضحة أن التحقيقات في هذه القضايا تتطلب موارد كبيرة.
وفي تاورغاء، أكد المشاركون ضرورة استئناف أعمال الحفر في محيط المدينة، حيث تعتقد الأسر أن عدداً كبيراً من المفقودين لا يزالون مدفونين منذ عام 2011.
وقال رئيس الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين إنه مستعد لمعاينة الموقع، لكنه يحتاج إلى تكليف من النائب العام.
ودعا المشاركون كذلك إلى تبسيط الإجراءات الإدارية التي تمكّن الأسر من الحصول على شهادات الوفاة وممارسة حقوقها القانونية والاجتماعية والمالية المرتبطة بها.
وأوضح ممثلو الهيئة أن معالجة القضايا تجري بصورة مستقلة عن التاريخ السياسي والاستقطاب، استناداً إلى حق الأسر في معرفة مصير ذويها وليس إلى انتماءات الضحايا.
وطالب المشاركون بتمثيل المجتمعات المتضررة المختلفة في الجهات المعنية بملف المفقودين.
وعرضت بعثة الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي جهودهما في مجالات الرصد والإبلاغ والبرامج، بما يشمل تقريراً مرتقباً بشأن مرزق، إلى جانب المساعدة القانونية والدعم النفسي والاجتماعي المقدمين للأسر في ترهونة وتاورغاء ودرنة.
وجددت البعثة والبرنامج الإنمائي استعدادهما لتقديم المساعدة الفنية لدعم انضمام ليبيا إلى الاتفاقية ومواءمة الإطار القانوني الوطني مع المعايير الدولية.
ويأتي ذلك ضمن برنامج مشترك يمتد لثلاث سنوات ويستهدف تعزيز القدرات الفنية في ملف المفقودين ودعم التشريعات وتوسيع الدعم النفسي والقانوني للأسر، فيما أُنجز في فبراير 2026 مسح للإطار القانوني الخاص بالمفقودين لتحديد الفجوات والتداخلات واقتراح سبل تعزيز المنظومة القانونية والمؤسسية.
واتفق المشاركون في الاجتماع على إجراء مسح قانوني للتشريعات الليبية في ضوء الاتفاقية الدولية، والدفع نحو وجود تشغيلي للهيئة في شرق البلاد وجنوبها، والعمل على حل أزمة نقص المعدات التي تعطل أعمال الحفر في ترهونة، إلى جانب الجمع بين رابطة أسر ترهونة والمجلس الرئاسي بشأن قائمة الشهداء.
وقال نبيل عزوز: “إن شاء الله سنعود بسلام ونجمع ليبيا كلها من جديد”.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا