تزوير الرقم الوطني.. تزييفٌ للمواطنة واختبارٌ لسيادة الدولة - عين ليبيا
من إعداد: د. مجدي الشبعاني
لم يكن تصاعد الحديث في الأسابيع الأخيرة عن ضبط متورطين في العبث بالأرقام الوطنية مجرد “زحمة أخبار” عابرة، بل هو مؤشر على أزمة أعمق: أزمة في مفهوم الهوية القانونية للدولة، وفي كيفية إدارة البيانات السيادية التي تُنشئ المواطنة وتُفعّل آثارها.
فالرقم الوطني — في أي دولة — ليس خانةً في نموذج إداري، بل هو مفتاح قانوني يفتح أبوابًا واسعة: من استخراج جواز السفر، إلى الاستفادة من مزايا مقصورة على المواطنين، إلى دخول منظومات المال العام والخدمات والحقوق. وحين يُزوَّر هذا المفتاح أو يُمنح لمن لا يستحقه، فإن الجريمة لا تُصيب فردًا بعينه، بل تُصيب الدولة كمنظومة قانونية، وتمس جوهر السيادة ذاتها.
حين تتحول “ورقة العائلة” إلى أداة لاختراق الدولة
اللافت في الوقائع المنشورة حديثًا — كما نقلتها وسائل إعلام ليبية استنادًا إلى بيانات مكتب النائب العام — أن الجريمة غالبًا لا تأتي من “باب خارجي” فقط، بل تمرّ عبر ثغرة داخلية.
موظف يزوّر “قيدًا عائليًا”، أو يُدرج أسماء على قيد لأسرة منقطعة النسل، أو يمرر بيانات مزورة تُنتج رقمًا وطنيًا كامل الأثر.
وفي يناير 2026 وحده، ظهرت صور متعددة لهذا النمط:
• استعمال قيد أسرة منقطعة النسل لاستخراج 10 أرقام وطنية لأجانب.
• تواطؤ موظف سجل مدني مع وافد أجنبي لاستخراج أرقام وطنية ترتب عليها الاستفادة من منافع مقصورة على الليبيين.
• استعمال رقم وطني لشخص من ذوي الإعاقة لاستخراج جواز سفر ليبي مقابل مبلغ مالي.
• تزوير ورقة عائلة للحصول على 33,400 دولار من النقد الأجنبي المخصص للأسر الليبية.
• تزوير قيود عائلية لإدراج 16 أجنبيًا بما مكّنهم من أرقام وطنية.
هذه الوقائع تكشف حقيقة واحدة: نحن أمام جريمة مركبة لا تقف عند حدود تزوير المستند، بل تُنتج مواطنةً غير مشروعة، ثم تُطلق سلسلة من الحقوق والمزايا المالية والسيادية التي لم تُنشأ أصلًا لمن حازها، وهو ما يجعلها أقرب إلى جرائم المساس بالنظام العام الدستوري منها إلى جرائم التزوير التقليدية.
ولا يتوقف أثر هذه الجريمة عند المال العام أو الوثائق الرسمية، بل يمتد إلى جوهر الأمن القانوني والانتخابي للدولة؛ إذ إن الرقم الوطني هو الأساس الذي تُبنى عليه سجلات الناخبين، وتُمنح به أهلية المشاركة السياسية. ومن ثم فإن العبث به لا يهدد فقط عدالة توزيع المنافع، بل يفتح الباب لاختلالات ديموغرافية وسياسية تمس مبدأ المشروعية ذاته.
لماذا اتسعت الظاهرة؟ لأن الرقم الوطني صار طريقًا للمال
في السابق، كان تزوير الهوية يُطلب للهروب أو للتنقل. أمّا اليوم، فقد صار الرقم الوطني — بحكم سياسات الدعم والمزايا — طريقًا مباشرًا إلى المال العام.
وحين يصبح التزوير “مربحًا”، يصبح قابلًا للتكرار والتمدّد، وتتحول منظومة السجل المدني من جهاز لإثبات الوقائع إلى “سوق” لمن يملك النفاذ، أو لمن يشتريه.
ولا يمكن فصل هذه الجرائم عن ملفات الاستفادة من المنح والنقد الأجنبي وغيره. فقضية “ذات الرمال” في مصراتة، مثلًا، لم تتوقف عند تزوير الورقة، بل ارتبطت بالحصول على آلاف الدولارات من النقد الأجنبي المخصص للأسر الليبية. ويُضاف إلى ذلك غياب الربط الفوري والذكي بين منظومات السجل المدني ومنظومات الصرف والدعم، بما يسمح أحيانًا بتحقق المنفعة قبل انكشاف التزوير، وهو خلل لا تعالجه العقوبة اللاحقة بقدر ما تعالجه الحوكمة الاستباقية.
الخلل ليس في النصوص… بل في حوكمة البيانات
التشخيص القانوني المنصف يبدأ من نقطة جوهرية:
أن المشكلة ليست في غياب التجريم أو انعدام النصوص، بل في بيئة إدارية تسمح بالاختراق.
ومن خلال تكرار الوقائع، يمكن رصد ثلاث مواطن خلل بنيوية:
1. جمع الصلاحيات في يد واحدة: إدخال، تعديل، واعتماد القيد دون مراجعة مستقلة يجعل التزوير مسألة وقت لا أكثر.
2. ضعف التعامل مع القيود عالية الخطورة: قيود الأسر منقطعة النسل، القيود القديمة، أو القيود التي بلا ورثة، يفترض أن تكون تحت تدقيق خاص، لكنها استُعملت مرارًا كوعاء جاهز للتزوير.
3. غياب الأثر الرقمي الرادع: في نظم الحوكمة الحديثة، كل تعديل يترك أثرًا لا يُمحى يحدد: من؟ متى؟ ولماذا؟ فإذا غاب هذا الأثر أو أمكن تجاوزه، صار العبث ممكنًا ثم قابلًا للإنكار.
كيف استطاعت النيابة العامة كشف هذا الحجم من التزوير؟
لم يكن كشف هذا العدد من القضايا نتيجة مصادفة أو بلاغات معزولة، بل ثمرة تحول منهجي واعٍ في مقاربة الملف. فقد جرى التعامل مع السجل المدني بوصفه قطاعًا إداريًا ذا طبيعة سيادية، لا مجرد ملف جنائي تقليدي.
في هذا الإطار، دُرِّب أعضاء التحقيق على فهم البنية الإدارية للسجل المدني، وآليات القيد والتعديل، ونقاط الضعف التي يمكن أن ينفذ منها التزوير، والتمييز الدقيق بين الخطأ الإداري العارض الذي يُعالج تصحيحيًا، والتزوير المقصود المنتج لأثر قانوني الذي يستوجب المساءلة الجنائية الكاملة.
ثم وُضعت خطة استراتيجية قائمة على فرز مرحلي للملفات:
مرحلة أولى تقوم على المصادقة على القيود السليمة ظاهريًا، ضمانًا لعدم تعطيل الحقوق أو شلّ الإدارة، ومرحلة لاحقة تُخصَّص للتمحيص العميق والتحقيق في القيود المشتبه بها.
هذا المنهج المتدرج — القائم على تتبع الأثر والنتيجة قبل القيد ذاته — هو ما مكّن من كشف شبكات التزوير دون المساس باستقرار المنظومة الإدارية أو الوقوع في التعميم أو التجريم بالجملة.
هل العقوبات القائمة كافية؟ وما المطلوب من السلطة التشريعية؟
رغم أهمية الأحكام المشددة التي صدرت مؤخرًا، يظل السؤال مطروحًا حول مدى كفاية الإطار العقابي القائم، ومدى اتساقه مع مبدأ التناسب بين الجريمة وأثرها الدستوري. فالوقائع تُظهر أن العبث بالرقم الوطني لم يعد مجرد تزوير محرر رسمي، بل جريمة ذات طبيعة سيادية مركبة، تمس المواطنة والمال العام والسجل الانتخابي معًا.
ومن هنا، تبرز مسؤولية السلطة التشريعية في الانتقال من منطق التجريم العام إلى التجريم الخاص المشدد، عبر:
• استحداث نصوص تُجرّم صراحة العبث بمنظومات الهوية والسجل المدني بوصفها منظومات سيادية.
• تشديد العقوبة إذا كان الفاعل موظفًا عامًا، أو إذا ترتب على الجريمة أثر مالي أو سيادي.
• النص على مصادرة واسترداد جميع المنافع المترتبة على الرقم الوطني المزور.
• إقرار عقوبات تكميلية، مثل الحرمان من تولي الوظيفة العامة، والمنع من النفاذ إلى منظومات البيانات السيادية مستقبلًا.
هل هذه الوقائع حصرية على ليبيا؟ التجربة المقارنة تقول لا
من المهم التأكيد أن هذه الظاهرة ليست استثناءً ليبيًا. فقد شهدت دول أخرى، خصوصًا في مراحل انتقالية أو في ظل توسع سياسات الدعم، وقائع مشابهة تتعلق بتزوير سجلات السكان أو العبث بمنظومات الهوية الوطنية.
وفي عدد من هذه التجارب، جرى التعامل مع هذه الجرائم باعتبارها جرائم تمس النظام العام الدستوري أو الأمن القومي للدولة، لا مجرد مخالفات إدارية، فتم تشديد العقوبات، وإنشاء وحدات تحقيق متخصصة، وربط السجل المدني بمنظومات مالية وأمنية بشكل فوري يمنع تحقق المنفعة قبل اكتمال التحقق.
وتؤكد هذه التجارب أن الردع الحقيقي لا يتحقق بالعقوبة وحدها، بل بوضوح الرسالة التشريعية:
العبث بالهوية الوطنية خط أحمر، لأنه مساس بعقد المواطنة ذاته.
الردع يبدأ عندما تتحول الوقائع إلى أحكام
من المؤشرات الإيجابية المهمة أن الأمر لم يعد مقتصرًا على الإيقاف أو التصحيح الإداري، بل بدأنا نشهد أحكامًا قضائية مشددة، من بينها الحكم الصادر بسجن موظف سجل مدني عشر سنوات لتزوير أرقام وطنية، مع سحبها وحرمانه من حقوقه المدنية.
فالرسالة التي يجب أن تصل واضحة هنا:
النفاذ إلى المنظومة لا يعني امتلاكها، والوظيفة العامة ليست غطاءً للإفلات، بل مسؤولية مضاعفة.
ما المطلوب الآن؟ إجراءات واقعية قبل أن تتسع الفجوة
إذا أردنا معالجة جذر الظاهرة لا أعراضها، فإن الحل يجب أن يقوم على ثلاثة مسارات متوازية:
1. مسار وقائي: فصل وظيفي صارم داخل السجل المدني (مدخل بيانات ≠ مراجع ≠ معتمد)، مع إخضاع القيود الحساسة لتدقيق خاص.
2. مسار رقابي رقمي: أثر رقمي إلزامي لكل تعديل، مع صلاحيات متدرجة لا تتجمع في يد واحدة.
3. مسار استرداد: ليس فقط سحب الرقم الوطني، بل تتبع واسترداد كل المنافع المترتبة عليه، سواء كانت منحًا أو نقدًا أجنبيًا أو جوازات أو امتيازات.
وفي مداخلتي على قناة ليبيا الأحرار ، حين قلت إننا قد نرى «شعبًا ليبيًا جديدًا»، لم يكن المقصود توصيفًا اجتماعيًا أو عرقيًا، بل تحذيرًا قانونيًا من آثار العبث بمنظومات الهوية الوطنية. فحين يُزوَّر الرقم الوطني، لا نكون أمام خلل إداري، بل أمام إعادة تشكيل غير مشروعة للجسم القانوني للمواطنة، بما ينعكس على السجل الانتخابي، والحقوق العامة، وتوازنات الدولة نفسها. هي قراءة في خطر تزييف القيد، لا في هوية المجتمع.
وختاما ،،، إن أخطر ما في تزوير الرقم الوطني أنه لا يزوّر وثيقة فقط، بل يزوّر العلاقة القانونية بين الفرد والدولة. وحين تُشوَّه هذه العلاقة، لا يعود الخلل إداريًا، بل يتحول إلى أزمة ثقة في الدولة ذاتها.
ولهذا، يجب أن يُقرأ هذا الملف باعتباره قضية سيادية بامتياز:
سيادة تبدأ من القيد… وتنتهي حيث تنتهي الثقة في الدولة.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا