تصفية آثار الاستعمار الإيطالي لليبيا.. من خلال معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون الليبية – الإيطالية لسنة 2008 - عين ليبيا

من إعداد: أبو العيد محمد العياش

يُعدّ قانون التدافع من القوانين الحاكمة للعلاقات الدولية، ويُعدّ الاستعمار أحد أهم نتائج هذا التدافع؛ إذ هو سيطرة دولة على جزء أو كلّ الإمكانات البشرية لشعب من الشعوب. وإذا كان القرن العشرون قد تميّز بالحركات الاستقلالية التي استطاعت أن تنتزع الحرية من الاستعمار المباشر، فإنّ آثار الاستعمار لا تزال قائمة، حيث التخلف الشامل الذي تعانيه الدول التي كانت مستعمَرة، وهو أحد النتائج المباشرة لفترة الاستعمار، ويظهر في جميع مجالات الحياة. وتُعد ليبيا إحدى الدول التي تعرّضت لاستعمار استيطاني من قبل إيطاليا التي اعتبرت ليبيا “شاطئها الرابع”.

لقد تكبّد الشعب الليبي ويلات الاستعمار من قتل وإبادة وتشريد ونفي وتجنيد قسري، فضلًا عمّا ترتّب على ذلك من مخلفات الاستعمار من ألغام وتخلف. وبالرغم من الاستقلال الصوري، فإنّ المطالبة الجادة باعتذار المستعمِر وتعويضه للشعب الليبي لم تبدأ إلا في سبعينيات القرن الماضي؛ فمنذ تلك الفترة قامت الدولة الليبية بإجلاء بقايا المستوطنين الطليان، وتأميم الشركات الإيطالية، ووضعت قيودًا تشريعية وإجرائية تحدّ من دخول الشركات الإيطالية واستثمارها في ليبيا. كما طالبت بإرجاع الآثار والمحفوظات التي نُقلت إلى إيطاليا أو غيرها من الدول أثناء فترة الاستعمار، وتقديم الخرائط الدالة على أماكن الألغام التي زرعتها إيطاليا في الأراضي الليبية والمساعدة في إزالتها على نفقتها، ومعرفة مصير الليبيين الذين رُحّلوا قسرًا إلى الجزر والمنافي الإيطالية.

غير أنّ الواقع الدولي والإقليمي، فضلا عن عدم استقرار العلاقات الليبية – الإيطالية طوال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، ساهم في تباطؤ التوصل إلى اتفاق ينهي الخلاف ويطوي صفحة الماضي.

ولقد تنبّهت ليبيا مبكرا إلى أهمية المحافل الدولية في دعم مطالبها، فقدّمت هذه المطالب إلى الأمم المتحدة (الجمعية العامة)، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، وكذلك المنظمات الإقليمية الأخرى مثل منظمة الوحدة الإفريقية، وحركة دول عدم الانحياز، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، حيث صدرت العديد من القرارات والتوصيات الداعمة للمطالب الليبية.

وأخيرا، تمّ إبرام معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون الليبية – الإيطالية لسنة 2008، وهي تُعد الوثيقة الأهم بين الدولتين، إذ أنهت علاقة المستعمَر بالمستعمِر، لتُؤسّس لعلاقة قائمة على الندية – على الأقل قانونيًا. ولهذا تم اختيار عنوان هذه الورقة البحثية:
تصفية آثار الاستعمار الإيطالي لليبيا من خلال معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون الليبية – الإيطالية لسنة 2008.

ومن خلال المعاهدة وما سبقها من إجراءات، تمّ إقرار المسؤولية الدولية للدولة الإيطالية، وذلك في الآتي:

أولًا: التعويض جبرا للضرر المادي، والاعتذار جبرا للضرر المعنوي

يُطرح هنا تساؤل حول مدى عدالة التعويض الذي حصلت عليه ليبيا. وقد صرّحت الدولة الليبية بأنّ الهدف لم يكن التعويض المادي في حدّ ذاته، بل الإدانة الأخلاقية والسياسية للاستعمار، لأنّ دماء الأجداد الذين قُتلوا لا تُعوّض، والاستباحة الاستعمارية لا يمكن أن تُقدّر بثمن. وكان الموقف الليبي قائمًا على تثبيت مبدأ: أنّ من يستعمر غيره يجب أن يعوّضه ويدفع ثمن ذلك حتى لا يتكرر الاستعمار.

يمكن القول إنّ ليبيا ليست بحاجة لأموال إيطاليا، بل إنّ التعويض هو إدانة للاستعمار أكثر من كونه تعويضًا عنه. ولذلك فإنّ الاعتذار والاعتراف بالذنب يُعدّان أهم من التعويض المالي، وهو ما تحقق في الإعلان الليبي – الإيطالي المشترك سنة 1998، وفي معاهدة الصداقة لسنة 2008.

وقدّمت الدولة الإيطالية اعتذارا رسميا للشعب الليبي، عندما عبّر رئيس وزرائها – قبيل التوقيع على المعاهدة – عن أسف إيطاليا وألمها العميق عمّا ألحقته بليبيا من أذى.

بهذا يكون الشعب الليبي من أوائل الشعوب التي قُدّم لها اعتذار علني عن فترة استعمار سابق، وهو الاعتذار الذي سعى الجانب الليبي إلى تحقيقه منذ زمن طويل. وتمّ في هذه الوثيقة التاريخية إعلان واضح بأنّ الاستعمار مدان، وأنّ المظلوم صاحب حق، وأنّ الشعب الليبي تعرّض للظلم في عقر داره ويستحق الاعتذار والتعويض.

وفي معاهدة الصداقة لسنة 2008 تقدّم الشعب الإيطالي رسميًا بالأسف والاعتذار عن حقبة الاستعمار.

أما السؤال: لماذا اعتذرت إيطاليا؟

فالجواب أنّ الاعتذار والاعتراف والتعويض جميعها تُعد إدانة صريحة للاستعمار عمومًا، وللاحتلال الإيطالي لليبيا خصوصًا، وهزيمة أخلاقية وسياسية للمشروع الاستعماري في الماضي والحاضر والمستقبل.

ثانيا: الالتزامات الإيطالية لصالح ليبيا

من خلال استقراء مواد المعاهدة، يتضح أن إيطاليا التزمت لصالح ليبيا بما يأتي:

  • إزالة أضرار الألغام والمساهمة في برنامج إزالتها.
  • دفع 5 مليارات دولار بمعدل ربع مليار سنويا لمدة عشرين سنة، مع تنفيذ الشركات الإيطالية للمشروعات.
  • بناء 200 وحدة سكنية في ليبيا.
  • تخصيص منح دراسية لعدد 100 طالب ليبي في مختلف المراحل الجامعية والعليا، تتجدد عند انتهاء الدراسة.
  • تقديم برنامج علاجي للمتضررين من الألغام داخل المؤسسات العلاجية الإيطالية.
  • استئناف دفع معاشات التقاعد للمستحقين الليبيين وفق اللوائح الإيطالية.
  • إعادة المخطوطات والقطع الأثرية المُهرّبة إلى إيطاليا خلال فترة الاستعمار.

كما تضمّنت المعاهدة مجالات تعاون أخرى:

التعاون الاقتصادي والصناعي، والطاقة، والدفاع، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والمخدرات والهجرة غير الشرعية، وعدم انتشار الأسلحة، والتعاون البرلماني.

الخلاصة

من خلال ما ذكر نخلص إلى ما يأتي:

أولا: إصرار ليبيا على الاعتذار والتعويض كان له أثر بالغ في إبرام المعاهدة التي طوت صفحة الماضي وفتحت صفحة جديدة لم تكتمل بعد.

ثانيا: التعويض منصوص عليه بشكل رمزي ولا يعادل الأضرار البشرية والمادية والمعنوية التي تكبدتها ليبيا.

ثالثا: ارتباط المصالح المشتركة ساهم في تعزيز العلاقة بين الدولتين.

رابعا: يمكن اعتبار هذه المعاهدة سابقة يُقتدى بها في العلاقات الدولية بين الدول المستعمَرة سابقًا والدول المستعمِرة.

وأخيرا نأمل من أصحاب القرار في ليبيا متابعة تنفيذ بنود المعاهدة مع الدولة الإيطالية وتنفيذ البنود الواردة فيها لما لها من أهمية معنوية



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا