وسط جدل سياسي واقتصادي.. تونس تعيد رسم علاقتها بـ«الاتحاد الأوروبي» - عين ليبيا
صادق البرلمان التونسي، على ثلاثة مشاريع قوانين تتعلق بتعديل اتفاقيات قائمة مع الاتحاد الأوروبي، في خطوة أثارت موجة تحذيرات سياسية واقتصادية من مخاطر تعميق التبعية الاقتصادية وتحويل تونس إلى حلقة ضمن سلاسل إنتاج أجنبية دون بناء قاعدة صناعية وطنية متكاملة.
وأقر البرلمان مشروع القانون الأول الذي يخص تعديل البروتوكول الخاص باتفاق التبادل الحر بين تونس ودول المجموعة الأوروبية، كما صادق على مشروع القانون الثاني الذي يعدّل الاتفاق الأوروبي المتوسطي المؤسس للشراكة بين تونس من جهة، والمجموعة الأوروبية ودولها الأعضاء من جهة أخرى.
أما المشروع الثالث، فيتعلق بإدخال تعديلات على الاتفاقية الجهوية لقواعد المنشأ التفاضلية الأوروبية المتوسطية، والتي أُعتمدت منذ عام 1999، وتركز على مبدأ تراكم المنشأ وتعزيز التكامل الاقتصادي وتسهيل حركة التبادل التجاري بين الطرفين.
ويعود الاتفاق الأوروبي المتوسطي إلى عام 1995، حيث وضع إطارًا عامًا لشراكة طويلة الأمد تهدف إلى تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتوفير أساس قانوني للتعاون الشامل بين تونس والاتحاد الأوروبي.
تحذيرات من تداعيات اقتصادية واجتماعية
حذّر النائب السابق في البرلمان مجدي الكرباعي من انعكاسات المصادقة على هذه الاتفاقيات، معتبرًا أن تمريرها جاء في سياق سياسي استثنائي يتسم بغياب برلمان متعدد القوى، وغياب نقاش عمومي جدي أو تقييم مستقل للانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي يمثل الشريك التجاري الأول لتونس، وأن هذه التعديلات تعمّق الارتباط دون تحقيق تنويع فعلي في الشراكات الاقتصادية، ما يزيد هشاشة الاقتصاد التونسي أمام الأزمات الأوروبية أو أي تغيّر في السياسات التجارية للاتحاد.
وأشار إلى أن الفجوة الكبيرة في القدرات التفاوضية والتمويلية بين الطرفين قد تفرض شروطًا غير متكافئة، سواء على مستوى المعايير الفنية أو فتح الأسواق أو تحديد الأولويات الاقتصادية، محذرًا من تأثيرات مباشرة على القطاعات الفلاحية والصناعية المحلية، وما يترتب عليها من فرص عمل واستقرار اجتماعي.
ولفت الكرباعي إلى مخاوف ربط بعض هذه التعديلات بتفاهمات أوسع تشمل ملفات الهجرة وحماية الحدود، في ظل تحذيرات منظمات حقوقية من مقايضات غير معلنة.
وأوضح أن الاتفاقيات قد تتيح بعض الفرص لتحسين نفاذ المنتجات التونسية إلى السوق الأوروبية وجذب استثمارات إضافية، غير أن التجارب السابقة أظهرت استفادة أوروبية أكبر، مع استمرار تفاقم العجز التجاري التونسي لصالح الاتحاد الأوروبي.
وأكد أن المؤسسات الصغرى والمتوسطة تواجه صعوبات بنيوية في منافسة الشركات الأوروبية من حيث الدعم والتكنولوجيا والقدرة على الالتزام بالمعايير الصارمة، محذرًا من غياب سياسة صناعية وفلاحية واضحة وآليات حماية ذكية للقطاعات الهشة.
صدى التحذيرات الحقوقية والاقتصادية
من جانبه، اعتبر المتحدث باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر أن المصادقة على هذه الاتفاقيات تمثل تمهيدًا لمسار تعاون أوسع وصيغًا جديدة من اتفاقيات التبادل الحر الشامل والمعمق، رغم الطابع التقني للتعديلات الأخيرة.
وأكد أن تمرير الاتفاقيات جرى بشكل استعجالي دون استشارة موسعة للخبراء والمهنيين والمنظمات المدنية، مشيرًا إلى أن البلاد تعيد رسم مساراتها في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي دون مراجعة نقدية لاختلالات التجارب السابقة، وفي ظل غياب رؤية واضحة لبناء اقتصاد وطني مستقل وقادر على الصمود.
وتبلغ قيمة التبادل التجاري بين تونس والاتحاد الأوروبي نحو 25.1 مليار يورو خلال عام 2024، منها 13.0 مليار يورو صادرات تونسية إلى أوروبا مقابل 12.1 مليار يورو واردات من السوق الأوروبية إلى تونس.
يذكر أن الاتفاق الأوروبي المتوسطي، الذي بدأ عام 1995، يشكل الإطار القانوني والسياسي الأول لعلاقات تونس بالاتحاد الأوروبي، ويستهدف تطوير التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
ومع مرور السنوات، شهدت تونس توسعًا في التبادل التجاري، غير أن العجز في بعض القطاعات والاعتماد الكبير على السوق الأوروبية أثار مخاوف من زيادة التبعية الاقتصادية، خاصة في ظل غياب استراتيجيات وطنية قوية للصناعة والفلاحة، ما يجعل البلاد عرضة لتقلبات الأسواق الأوروبية والضغوط التجارية والسياسية.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا