ثورة العقول وبناء الغد.. نحو ميثاق ليبي جديد يجمع الأقاليم الثلاثة - عين ليبيا

من إعداد: لواء نايف الحاسي

إن إدمان الالتفات إلى الوراء والغرق في جدليات الماضي، سواء بالتباكي على العهد الملكي أو تمجيد العهد الجماهيري، لم يعد ينتج إلا عقمًا سياسيًا واجتماعيًا يزيد من عمق الأزمة؛ فالتاريخ يُقرأ لأخذ العبر لا للسكنى فيه، والمرحلة الحرجّة التي تمر بها بلادنا اليوم تفرض علينا بكل إلحاح أن نتحرر من تلك القيود الفكرية والنفسية التي تكبل عقولنا، وأن نطلق ثورة وعي حقيقية تتجاوز ثقافة التصفيق والنفاق السياسي والاجتماعي ، لتتجه طاقاتنا بالكامل نحو صناعة الحاضر وتصميم المستقبل. إن الوطن لا يُبنى بالشعارات المستهلكة بل بالعمل الجاد والبحث عن الذات الوطنية وسط بحر من التدخلات الخارجية والمشاريع الأجنبية التي لا تحركها سوى مصالحها، مما يجعل الحل الوحيد المتبقي أمامنا هو العودة إلى حوار داخلي ليبي-ليبي خالص، حوار يتجاوز النزاعات الجهوية والأيديولوجية المعقدة ويعيد الاعتبار للهوية الجامعة التي تأسست عليها الدولة.

ولكي يكون هذا الحوار مثمرًا وواقعيًا، يجب أن ينطلق من الحقائق التاريخية والجغرافية التي تشكلت بناءً عليها الدولة الليبية في دستور عام 1951، كاسم جامع يضم الأقاليم الثلاثة التاريخية: برقة، وفزان، وطرابلس. وعند الحديث عن هذه الأقاليم، لا بد من قراءة التاريخ بإنصاف وبعيدًا عن المزايدات السياسية أو تبخيس التضحيات؛ فإقليم برقة الذي أعلن استقلاله كدولة عربية ثامنة مستقرة عام 1949 قد أسس لخطوة سياسية واعية قادت لاحقًا إلى الاستقلال الأكبر، ومن غير المقبول اليوم الاستماع لخطابات التخوين أو التشكيك التي تصف تلك المحطات التاريخية بالاستقلال المنقوص أو المزيف، لأنها شعارات جوفاء لا تسمن ولا تغني من جوع في وقت نعيش فيه ورطة تاريخية ونزاعًا وجوديًا يتغذى على الانقسام والجهوية.

ومن أجل الخروج من هذا الانسداد وتجسيد الحل الفيدرالي بشكل ديمقراطي وعملي، تبرز رؤية سياسية واضحة تقوم على عودة الملكية الدستورية كنظام مظلي تملك فيه المؤسسة الملكية ولا تحكم، لتشكل رمزًا للسيادة الوطنية وضمانة معنوية جامعة وفوق التجاذبات السياسية لكل الليبيين، وضمن هذا الإطار الدستوري الجامع، تُجرى انتخابات مباشرة في كل إقليم على حدة تحت إشراف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وبمباركة ورعاية دولية تضمن نزاهتها، حيث يقوم سكان كل إقليم باختيار وانتخاب زعيم أو قائد أو رئيس يمثلهم بشكل شرعي ومباشر، وبعد صعود هؤلاء القادة الثلاثة المنتخبين من أقاليمهم، يجتمعون تحت قبة البرلمان الوطني الجديد المنتخب ليتنافسوا ويتم التصويت بينهم لاختيار رئيس الحكومة الاتحادية أو القيادة التنفيذية العليا للبلاد، وهو ما يضمن شرعية مزدوجة: شرعية نابعة من خصوصية كل إقليم، وشرعية وطنية جامعة تتم تحت مظلة النواب الممثلين للشعب الليبي وبمباركة المظلة الملكية الدستورية، لتشكل هذه الآلية المبتكرة جوهر الاستقرار السياسي المأمول الذي يحمي الحقوق ويمنع التفرد بالسلطة.

لقد عانت برقة لسنوات طوال من ويلات الإرهاب الأعمى والقتل الممنهج والتهجير القسري، وبفضل تلاحم الشعب والتفاف الحاضنة الاجتماعية ودور القيادة العامة في ذالك، تحقق الاستقرار واندحر الإرهاب، ليمتد هذا الأثر الإيجابي نحو الجنوب (فزان) الذي بات ينعم بالسيطرة والأمان، وصولاً إلى أهلنا في الغرب (طرابلس) الذين يتطلعون بدورهم إلى الاستقرار الحقيقي وإنهاء الفوضى وبدء عجلة الإعمار الشامل، وهذا يؤكد أن الرغبة في البناء موحدة، لكنها تحتاج إلى قاعدة سياسية متينة لا يمكن أن تقوم إلا على أساس تقاسم الحقوق والواجبات بإنصاف، وهنا يبرز النظام الفيدرالي كحل أمثل وأقرب لواقعنا لتجاوز مركزية المقيتة وطمأنة الجميع.

إن صياغة هذا المستقبل تتطلب شجاعة سياسية تبدأ بتوزيع كراسي النيابة والتمثيل التشريعي بالتساوي أو التقارب بين الأقاليم الثلاثة، وتوزيع المناصب السيادية بآلية عادلة تضمن الكفاءة، مع التأكيد المطلق على استقلال القضاء باعتباره صمام الأمان لأي دولة قانون. كما يظل توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية تحت راية وطنية واحدة مسألة مصيرية لا تقبل التأجيل، مما يفرض على القادة الحاليين تقديم التنازلات المتبادلة كواجب وطني مقدس يعلو فوق أي مصلحة شخصية أو فئوية. إن التعافي من الماضي يتطلب فتح المجال واسعًا أمام جميع المعارضين والقوى السياسية بلا استثناء للمشاركة في حوار سياسي وطني شامل وجاد، يترافق مع برامج حقيقية لجبر الضرر ورد الحقوق وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة بعيدًا عن التعصب والتشفي، لنطوي صفحة الآلام ونؤسس لليبيا جديدة تتسع لجميع أبنائها.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا