جرائم غسل الأموال تلتهم الدينار.. درميش يكشف لعين ليبيا صدمات «الفساد المالي» ومن يديرها؟ - عين ليبيا

يمثل انتشار الفساد والجرائم المالية أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصادات الوطنية، لما له من تأثير مباشر على قدرة الدول في تحقيق أهدافها التنموية، حتى في ظل توفر الموارد والإمكانات البشرية والمادية. وفي ليبيا، يبرز ملف مكافحة غسل الأموال والاقتصاد الموازي كأحد الملفات المرتبطة بضعف المؤسسات المالية والإدارية، وسط جهود رسمية لإنشاء أجهزة مختصة بمواجهة الجرائم المالية وتعزيز الرقابة على حركة الأموال.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد يوسف درميش، مشرف الملف الاقتصادي والاجتماعي سابقًا بالمركز القومي للدراسات والبحوث العلمية، في تصريح لـ«عين ليبيا»، أن انتشار وباء الفساد في المجتمعات المتخلفة ساهم بشكل كبير في إخفاق العديد من الدول في تحقيق أهدافها، رغم امتلاكها الإمكانيات والموارد البشرية والمادية.

وأوضح درميش أن تفشي ظاهرة الفساد والابتعاد عن استخدام أساليب الإدارة الحديثة، التي تعد من ركائز التقدم الاقتصادي والاجتماعي والحضاري في العالم المعاصر، يمثلان أحد أهم أسباب تعثر التنمية وضعف قدرة المؤسسات على أداء دورها.

وأشار إلى أن العقل البشري في عالم اليوم لم يعد يقبل الجدل حول ماهية الإدارة وأهميتها وضرورة الأخذ بمفاهيمها وأساليبها المتطورة، باعتبارها أسلوباً أساسياً لتنظيم الأنشطة الإنسانية في مختلف مجالات الحياة، لما لها من تأثير على حركة المجتمع في مجالات الاقتصاد والإنتاج والسياسة والثقافة وشؤون الرفاهية العامة.

وبيّن أن مختلف المجتمعات المعاصرة، بمختلف أشكالها السياسية وأنظمتها الاقتصادية، أصبحت تدرك أهمية الإدارة الحديثة باعتبارها أداة أساسية لتحقيق الكفاءة وحسن استخدام الموارد.

وحول إنشاء جهاز مكافحة الجرائم المالية في ليبيا، قال درميش إن هذه الخطوة جاءت بهدف مكافحة الفساد والجريمة المنظمة، إلا أنه لا يمكن تقييم عمل الجهاز بشكل سريع باعتباره مؤسسة حديثة التأسيس.

وأضاف أن معرفة مدى كفاية وفاعلية جهاز مكافحة الجرائم المالية تحتاج إلى وقت كافٍ وفق أساليب الإدارة الحديثة ومعايير التقييم، مشيراً إلى أن القضايا التي يعلن عنها الجهاز تمثل مؤشراً من مؤشرات التقدم في مواجهة ظاهرة الفساد.

وأكد أن جرائم غسل الأموال تحمل تأثيرات كبيرة على الاقتصاد الوطني وقيمة الدينار الليبي، موضحاً أن انعكاساتها تظهر في سيطرة مجموعات على النشاط الاقتصادي واتساع نطاق السوق السوداء.

وشدد على أن القضاء على هذه الأزمة يحتاج إلى تكاتف جميع المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، إلى جانب وجود إرادة سياسية موحدة وقوية تهدف إلى تطوير القطاع البنكي ووضع خطة استراتيجية للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية.

وأوضح أن توحيد السياسات الاقتصادية الثلاث يمثل خطوة ضرورية لبناء منظومة اقتصادية أكثر قدرة على مواجهة الجرائم المالية وتعزيز الاستقرار المالي.

وفيما يتعلق بدور مؤسسات المجتمع المدني، أعرب درميش عن أسفه لما وصفه بزج هذه المؤسسات في أمور ليست من مهامها، مشيراً إلى أن التحكم في العمل المدني والتدخل فيه يمثل تجاوزاً لنصوص الإعلان الدستوري والمواثيق الدولية وأعراف المجتمع المدني.

وقال إن ليبيا لا تزال تفتقر إلى وجود مجتمع مدني حقيقي، مع احترامه للقلة التي تعمل في هذا المجال، مؤكداً أن المجتمع المدني المستقل يعد عنصراً مهماً في تعزيز الرقابة والمساءلة ومواجهة الفساد.

وحول دور مصرف ليبيا المركزي والقطاع المصرفي في مواجهة الاقتصاد الموازي وتهريب الأموال، أوضح درميش أن مصرف ليبيا المركزي لم يقم حتى الآن بدوره الحقيقي كمؤسسة لها واجبات وحقوق وفق قانون الإنشاء.

وأضاف أن القطاع البنكي العام والخاص لا يزال لا يؤدي دوره المطلوب في التمويل والاستثمار باعتباره مؤسسة مصرفية تمثل النخاع الشوكي لاقتصاد الدولة وحركتها الاقتصادية ومحركاً أساسياً للتنمية.

وأشار إلى أن ضعف أداء القطاع المصرفي وعدم اضطلاعه بوظيفته التنموية يحد من قدرة الاقتصاد الليبي على النمو ويزيد من الاختلالات القائمة.

وأكد أن استمرار هذه الأوضاع يعطي مؤشرات سلبية للمستثمرين الأجانب حول قدرة الاقتصاد الليبي على استقبال الاستثمارات، بسبب غياب الضمانات وضعف مواكبة الاقتصاد للحركة الاقتصادية الدولية.

وأوضح أن ضعف الإدارة والتنظيم وإدارة الموارد والأموال يمثل أحد العوامل التي تؤثر على ثقة المستثمرين وتحد من قدرة ليبيا على بناء بيئة اقتصادية جاذبة.

واختتم درميش بالتأكيد على أن مواجهة الفساد والجرائم المالية لا ترتبط فقط بإنشاء الأجهزة الرقابية، وإنما تحتاج إلى إصلاح مؤسسي شامل، وتطوير الإدارة، وتعزيز دور القطاع المصرفي، وتكامل عمل مؤسسات الدولة، بما يساهم في حماية الاقتصاد الوطني وتحقيق قدر أكبر من الشفافية والاستقرار.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا