حسني بي: هل أنت تتحدث عن الاقتصاد أم تدافع عن مصالح تجار الدولار والاعتمادات؟ - عين ليبيا

من إعداد: د. فتحي الشبلي

يبدو أن بعض رجال الأعمال في ليبيا أصبحوا يتحدثون عن الاقتصاد وكأنهم أوصياء على الحقيقة، وكأن المواطن الليبي لا يعرف من أين جاءت معاناته، ولا من المسؤول عن انهيار قدرته الشرائية، ولا من المستفيد من الفوضى التي أصابت سوق النقد الأجنبي.

آخر هذه التصريحات ما نشره رجل الأعمال حسني بي تحت عنوان: «كفانا دفاعاً يا دكاترة الاقتصاد عن سعر صرف تحدده القرارات الإدارية»، وهو حديث يحتاج إلى وقفة جادة، ليس دفاعاً عن سياسات مصرف ليبيا المركزي، ولا تبرئة لأي مسؤول عن الأخطاء النقدية والمالية، وإنما دفاعاً عن الحقيقة التي لا يجوز اختزالها في خطاب يخدم مصالح فئات بعينها.


أولاً، يقول حسني بي إن الأزمة الاقتصادية ليست مرتبطة بالانقسام السياسي، مستشهداً بأن ليبيا كانت لديها حكومة واحدة منذ عام 1982 وحتى 2021. وهنا أول مغالطة؛ فوجود حكومة واحدة لا يعني بالضرورة وجود سياسة مالية موحدة أو إدارة اقتصادية ناجحة، كما أن المقارنة بين مراحل تاريخية مختلفة دون مراعاة طبيعة الاقتصاد والإنفاق والإيرادات والسياسات النقدية مقارنة تفتقر إلى الموضوعية. ثم إن مصرف ليبيا المركزي نفسه يوثق أن الدينار حافظ على سعره الرسمي مقابل الدولار حتى عام 1986، وأن حرية التعامل بالنقد الأجنبي كانت قائمة بدرجة واسعة حتى عام 1982 على الأقل. فأين الدقة في تقديم عام 1982 باعتباره بداية سلسلة متصلة من الأخطاء ذات الطبيعة نفسها؟

ثانياً، يقول إن نحو 93% من الإيرادات العامة مصدرها النفط والغاز، وإنها تحت إدارة مؤسسات مركزية واحدة، وكأن هذه الحقيقة تنفي مسؤولية الانقسام. وهذا استنتاج غير صحيح. فالمشكلة ليست فقط في الجهة التي تستلم الإيرادات، وإنما في كيفية توزيعها، والجهات التي تنفقها، وغياب الميزانية الموحدة والرقابة الفعلية على أوجه الصرف. بل إن تقرير بعثة الأمم المتحدة لعام 2026 أشار إلى استمرار ضعف الانضباط المالي وتعدد الإدارات، وإلى أن الأجور والدعم استحوذا على نحو 80% من الإنفاق العام خلال 2025.

ثالثاً، يتحدث عن الإنفاق العام وكأنه اكتشف أصل المشكلة، بينما الأرقام المنشورة من مصرف ليبيا المركزي تكشف أن الإيرادات العامة خلال 2025 بلغت نحو 136.9 مليار دينار، مقابل إنفاق بلغ 136.8 مليار دينار. لكن هذه المساواة الحسابية لا تعني سلامة الاقتصاد؛ فقد بلغت استخدامات النقد الأجنبي نحو 31.1 مليار دولار، مقابل إيرادات نفطية محولة تقارب 22.1 مليار دولار، أي فجوة تقارب تسعة مليارات دولار. وهذه هي المشكلة التي ينبغي أن يناقشها الجميع بوضوح: أين تذهب العملة الصعبة؟ وكيف تُدار الاعتمادات؟ ومن يستفيد من الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية؟

رابعاً، يحاول تصوير سعر الصرف الرسمي باعتباره مجرد رقم إداري لا قيمة اقتصادية له. وهذا تبسيط مخل. نعم، لا تستطيع القرارات الإدارية وحدها خلق قيمة حقيقية للدينار، ولكن السياسة النقدية وسعر الصرف وإدارة الاحتياطيات وتنظيم عرض النقد الأجنبي أدوات اقتصادية حقيقية، وليست مجرد أرقام على الورق. والدليل أن مصرف ليبيا المركزي اتخذ قرارات تخفيض قيمة الدينار في يناير 2021، ثم أبريل 2025، ثم يناير 2026، وكانت لهذه القرارات آثار مباشرة على أسعار السلع وتكاليف المعيشة والقوة الشرائية للمواطن.

فإذا كان سعر الصرف مجرد قرار إداري لا قيمة له، فلماذا يتحمل المواطن تبعات كل قرار بتخفيض قيمة عملته؟ ولماذا لا نسمع من أصحاب المصالح الاقتصادية موقفاً واضحاً من آثار هذه القرارات على معيشة الليبيين؟

خامساً، وهنا نصل إلى السؤال الذي ينبغي ألا يهرب منه حسني بي: ما موقفه من تجارة الاعتمادات المستندية، ومن الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، ومن الأموال التي تتحول إلى أرباح ضخمة لفئات تحصل على الدولار بالسعر الرسمي ثم تتصرف فيه خارج الأغراض المخصصة له؟

إننا لا نوجه اتهاماً جزافياً إلى شخص بعينه، ولكن من حق الرأي العام أن يطالب كل من يتحدث عن أزمة الدولار، وخاصة أصحاب المصالح في سوق الاستيراد والنقد الأجنبي، بالكشف عن مواقفه ومصالحه، وأن يجيب عن الأسئلة المتعلقة بآليات الحصول على الاعتمادات والتصرف في حصيلتها. وإذا كانت هناك أدلة على بيع اعتمادات أو تحويلها إلى السوق الموازية، فيجب أن تخضع للتحقيق والمحاسبة دون استثناء.

يا حسني بي، لا أحد يرفض الانضباط المالي، ولا أحد يدافع عن الإنفاق المنفلت، ولا أحد ينكر أن توحيد المؤسسات والميزانية ضرورة وطنية. لكن لا يجوز أن تتحول هذه الحقائق إلى ستار يحجب مسؤولية المستفيدين من تشوهات سوق النقد الأجنبي.

المشكلة ليست في أن ندافع عن سعر صرف تحدده القرارات الإدارية، كما تقول، وإنما في أن نعرف من ساهم في إضعاف الدينار، ومن استفاد من انهياره، ومن حوّل حاجة الليبيين إلى الدولار إلى فرصة للثراء على حساب قوتهم اليومي.

ولنكن واضحين: لا يمكن بناء اقتصاد سليم بإنفاق منفلت، ولا بسياسة نقدية مرتبكة، ولا بتجارة عملة تستنزف موارد البلاد، ولا برجال أعمال يريدون من الدولة أن توفر لهم الدولار بالسعر الذي يناسب مصالحهم، ثم يخرجون علينا ليقدموا دروساً في الاقتصاد.

كفاكم حديثاً عن نظريات الاقتصاد بينما المواطن يدفع ثمن التجارب والمصالح. نريد اقتصاداً يخدم الليبيين، لا اقتصاداً يخدم تجار الأزمات. ونريد ديناراً يحفظ كرامة المواطن، لا سوقاً تتحول فيه العملة الصعبة إلى امتياز لمن يملك النفوذ والاعتماد.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا