حفتر يفاوض بالقوة: مناورات «درع الكرامة» ورسائل إعادة التموضع في المشهد الليبي - عين ليبيا

من إعداد: م. فتحي الشبلي

لم تكن مناورات “دروع الكرامة” التي شهدها شرق ليبيا حدثاً عسكرياً عابراً يمكن قراءته في إطار التدريب التقليدي أو الاستعراض الاحتفالي المرتبط بذكرى “عملية الكرامة”، بل جاءت في سياق سياسي وإقليمي بالغ الحساسية، ما يجعلها أقرب إلى رسالة استراتيجية متعددة الاتجاهات، موجهة إلى الداخل الليبي بقدر ما هي موجهة إلى القوى الدولية المنخرطة في إعادة صياغة المشهد الليبي، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

ففي اللحظة التي تتكثف فيها التحركات الأمريكية لإعادة إنتاج مسار سياسي جديد يقوم على توحيد المؤسسات السيادية والعسكرية والمالية، اختار المشير خليفة حفتر أن يبعث برسالة واضحة مفادها أن أي ترتيبات مستقبلية لا يمكن أن تتجاوز معادلة القوة القائمة على الأرض، وأن شرق ليبيا لم يعد مجرد مساحة جغرافية ذات نفوذ سياسي، بل بات يمتلك بنية عسكرية وأمنية منظمة تسعى لفرض نفسها باعتبارها شريكاً رئيسياً في تقرير شكل الدولة الليبية المقبلة.

القراءة الدقيقة لتوقيت المناورات تكشف أنها جاءت متزامنة مع حراك دولي متسارع تقوده واشنطن عبر اتصالاتها مع الأطراف الليبية المختلفة، ومحاولاتها دفع مسار توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية ضمن رؤية تهدف إلى تقليل الانقسام المزمن الذي تعيشه البلاد منذ سنوات. غير أن هذا المسار، رغم زخمه الدبلوماسي، يصطدم دائماً بحقيقة أساسية في الحالة الليبية، وهي أن التوازنات العسكرية ما تزال تتقدم على التفاهمات السياسية، وأن الفاعلين المحليين لا ينظرون إلى التسوية باعتبارها شراكة وطنية متكاملة، بل باعتبارها عملية إعادة توزيع للنفوذ ومراكز القوة.

وفي هذا السياق، تبدو المناورات العسكرية وكأنها عملية “إعادة تموضع تفاوضي” أكثر من كونها استعداداً لحرب مباشرة. فحفتر يدرك أن البيئة الدولية الحالية لا تسمح بمغامرات عسكرية واسعة النطاق، لكنه في الوقت ذاته يعلم أن امتلاك أوراق القوة الميدانية يمنحه هامشاً أوسع في أي مفاوضات مقبلة تتعلق بإعادة تشكيل السلطة أو توزيع الصلاحيات داخل الدولة الليبية.

كما أن الرسائل لم تكن موجهة إلى طرابلس وحدها، بل إلى المجتمع الدولي أيضاً، وخاصة الولايات المتحدة، التي تحاول منذ فترة بلورة مقاربة جديدة للأزمة الليبية تقوم على مبدأ “الاستقرار مقابل إعادة توحيد المؤسسات”. إذ أراد حفتر أن يؤكد أن الاستقرار الذي يبحث عنه الغرب لا يمكن تحقيقه عبر تجاوز مراكز القوة الفعلية على الأرض، وأن أي مشروع لإعادة بناء الدولة سيظل هشاً ما لم يأخذ بعين الاعتبار التوازنات العسكرية القائمة.

ومن زاوية أخرى، فإن هذا الحراك يعكس تحولاً مهماً في طبيعة الصراع الليبي ذاته. فبعد سنوات من المواجهات العسكرية المفتوحة، انتقل الصراع تدريجياً إلى مرحلة “التفاوض بالقوة”، حيث لم تعد الأطراف تعتمد فقط على العمل العسكري المباشر، وإنما على توظيف القوة العسكرية كأداة لتحسين الموقع السياسي والتفاوضي. وهنا تكمن خطورة المشهد الليبي، لأن السلاح لم يعد مجرد وسيلة للحسم، بل أصبح جزءاً من اللغة السياسية ذاتها.

وفي المقابل، ينظر خصوم حفتر إلى هذه المناورات باعتبارها محاولة لفرض أمر واقع سياسي تحت غطاء الاستعراض العسكري، ورسالة ضغط موجهة إلى كل من يفكر في إعادة هندسة السلطة الليبية دون تقديم ضمانات حقيقية لمعسكر الشرق. كما أن ذاكرة الحرب على طرابلس عام 2019 لا تزال حاضرة بقوة، ما يجعل أي تحرك عسكري واسع النطاق يثير مخاوف من إمكانية العودة إلى مربع التصعيد، حتى وإن كانت المؤشرات الحالية لا تدل على وجود قرار بحرب شاملة.

غير أن الأهم في كل ذلك هو أن الأزمة الليبية باتت تكشف بصورة أوضح عن معضلة الدولة نفسها. فالمشكلة لم تعد فقط في الانقسام بين حكومتين أو مؤسستين، بل في غياب اتفاق وطني جامع حول طبيعة السلطة ومن يملك أدواتها السيادية. لذلك فإن كل مسار سياسي ترعاه القوى الدولية يصطدم سريعاً بحقيقة أن موازين القوة العسكرية ما تزال اللاعب الأكثر تأثيراً في تحديد شكل الحلول الممكنة.

إن مناورات “دروع الكرامة” لا يمكن فصلها عن هذا السياق المعقد، فهي ليست مجرد استعراض للقوة، ولا إعلان حرب بالمعنى التقليدي، بل تعبير واضح عن مرحلة سياسية جديدة تحاول فيها الأطراف الليبية إعادة تثبيت مواقعها استعداداً لأي تسوية قادمة. وفي ظل غياب مشروع وطني جامع، سيظل السلاح حاضراً ليس فقط كأداة صراع، بل كوسيلة تفاوض وفرض شروط.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه ليبيا اليوم لا يتعلق فقط بكيفية توحيد المؤسسات، بل بكيفية بناء دولة تستطيع أن تجعل السياسة أعلى من القوة، والقانون أعلى من موازين السلاح. فبدون ذلك، ستظل كل التسويات مؤقتة، وكل الاتفاقات قابلة للانهيار عند أول تغير في ميزان القوة على الأرض.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا