حين يتنكر الكاتب لوطنه - عين ليبيا

من إعداد: م. فتحي الشبلي

قد يختلف الناس حول أدب إبراهيم الكوني، وقد يختلفون حول مواقفه، لكن ما لا يمكن الاختلاف عليه أن الكاتب الذي يبني مجده على أرضٍ ثم يتبرأ منها، يشبه من يتسلق شجرة ليستظل بظلها، ثم يقطع جذعها وهو يبتسم.

المؤلم ليس أن يحمل الإنسان جنسية أخرى، فهذه حرية شخصية، وإنما أن يتحول الأمر إلى تنكر للهوية، وكأن ليبيا كانت مجرد محطة عبور، أو خيمة استراح فيها حتى اشتد عوده ثم غادرها دون أن يلتفت خلفه.

يا أستاذ إبراهيم… لقد عرّفك العالم بوصفك كاتب الصحراء الليبية، لا كاتب جبال سويسرا. رائحة رواياتك ليست رائحة الثلج، بل رائحة الرمال، وشخصياتك خرجت من واحات ليبيا، لا من مصارف زيورخ. فكيف تتنكر للمكان الذي منحك كل هذا الثراء الإنساني؟

لقد كتبت أحلام مستغانمي قبل سنوات أنها تغبطك، لا على موهبتك، بل لأن الدولة الليبية وفرت لك كل ما يحتاجه الكاتب: إقامة، واستقرارًا، وتفرغًا، حتى أنجزت عشرات الكتب التي ترجمت إلى لغات العالم. واليوم، وبعد كل ذلك، يأتي من يقول إنه ليس ليبيًا، وكأن كل ذلك التاريخ أصبح خطأً مطبعيًا!

أي مفارقة هذه؟!

هناك مثل شعبي يقول: “لا تبصق في البئر الذي شربت منه.” لأنك قد تعود إليه يومًا عطشان. أما أن يتنكر الإنسان للبئر، ثم يقنع الناس أنه لم يشرب منه أصلًا، فهذه ليست حرية رأي، بل أزمة وفاء.

ليس المطلوب أن تمدح نظامًا أو حاكمًا أو مرحلة تاريخية، فكل ذلك قابل للنقاش. لكن الوطن ليس نظامًا، والهوية ليست حكومة، والشعب ليس مسؤولًا عن خلافاتك السياسية.

الغريب أن بعض المثقفين يتحدثون عن الهوية والانتماء والذاكرة في كتبهم، ثم يخلعونها في أول مؤتمر صحفي أو مقابلة تلفزيونية، وكأن الوطنية أصبحت معطفًا موسميًا يُرتدى عند الحاجة ويُخلع عند أول فرصة للحصول على تصفيق الجمهور الغربي.

التاريخ لا يرحم، والقراء لا ينسون. قد يختلف الناس حول جودة روايات الكاتب، لكنهم يتفقون على أن الوفاء للوطن ليس فضيلة إضافية، بل الحد الأدنى من الأخلاق.

فالكاتب الذي يتنكر لوطنه، مهما علا اسمه، يبقى كمن يتبول في النبع الذي شرب منه أهله وأبناؤه، ثم يستغرب لماذا تغيرت نظرة الناس إليه.

أما ليبيا… فستبقى أكبر من أن تزيدها شهادة أحد، وأكبر من أن ينقصها إنكار أحد. فمن باع هويته، خسر نفسه قبل أن يخسر وطنه.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا