لماذا يفضل المواطن الليبي «الوظيفة الحكومية» على العمل والإنتاج؟ - عين ليبيا

قال رجل الأعمال حسني بي إن النقاش حول أزمة الاقتصاد الليبي ينشغل في كثير من الأحيان بنتائج الاختلالات الظاهرة، من المضاربة والتهريب والتجارة في السوق الموازية وارتفاع الأسعار، وصولًا إلى المواطن الذي يحاول حماية دخله في بيئة اقتصادية مضطربة، بينما يغيب سؤال أعمق يتعلق بمصدر الحوافز التي تدفع هذه السلوكيات.

وأوضح بي، في منشور عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، أن السؤال الأساسي لا ينبغي أن يقتصر على معرفة من يمارس المضاربة أو التهريب، وإنما يمتد إلى البحث في الأسباب التي تجعل بعض هذه الأنشطة أكثر ربحية وأقل مخاطرة من العمل والإنتاج.

وأشار إلى أن النظر إلى السلوك الاقتصادي من هذه الزاوية لا يعني تبرير المخالفات أو إسقاط مسؤولية الأفراد عن أفعالهم، وإنما يضعها داخل البيئة الاقتصادية التي تحكم القرارات، معتبرًا أن الأسواق تستجيب للحوافز، وأن السياسات العامة تستطيع إما تقليص هذه الحوافز أو توسيع نطاقها.

وفي سوق الصرف، يرى بي أن إعلان سعر رسمي للدولار لا يكفي وحده لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، موضحًا أن وجود فارق بين السعر الرسمي والسعر الموازي يخلق قيمة اقتصادية لهذا الفارق، ويمنح من يستطيع الوصول إلى النقد الأجنبي بالسعر الأقل فرصة لتحقيق ريع.

ويتقاطع هذا الطرح مع تقييم صندوق النقد الدولي للاقتصاد الليبي، إذ أشار في بيان بعثة المادة الرابعة لعام 2026 إلى استمرار الفجوة بين سعري الصرف الرسمي والموازي، رغم تقلصها عن مستويات سابقة، وربط استمرارها بوجود طلب زائد على النقد الأجنبي.

وقال الصندوق إن تقارب سعر الصرف الرسمي مع مستوى يتوافق مع الأساسيات الاقتصادية يمكن أن يقلل حوافز السعي وراء الريع ويحسن التوازن بين عرض النقد الأجنبي والطلب عليه، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن تعديل سعر الصرف لا يمكن أن يحل محل ضبط المالية العامة.

وفي المقابل، لا يرى بي أن السوق الموازية تمثل سوقًا مثالية أو أن السعر الذي تنتجه يصلح معيارًا مطلقًا، مشيرًا إلى تأثرها بالمضاربة والمخاطر ونقص الشفافية.

لكنه يلفت إلى أن السوق الموازية لا تعمل بمعزل عن الاقتصاد الليبي، موضحًا أن ارتفاع الطلب على العملة الأجنبية بوتيرة تتجاوز المعروض، بالتزامن مع توسع الإنفاق والسيولة واستمرار الاختلالات المالية، يوفر تفسيرًا اقتصاديًا لارتفاع السعر الموازي، بدل التعامل معه كظاهرة منفصلة عن السياسات العامة.

وفي هذا السياق، يرى صندوق النقد الدولي أن الاختلالات المالية في ليبيا تزيد الضغوط على سعر الصرف والاحتياطيات الدولية والتضخم، ويضع ضبط المالية العامة ضمن العناصر الأساسية لاستعادة الاستقرار الاقتصادي.

وينتقل بي إلى ملف دعم الطاقة، معتبرًا أن منطق الحوافز ذاته يظهر بوضوح في هذه المنظومة، إذ يؤدي بيع الوقود أو الطاقة بأسعار تقل كثيرًا عن تكلفتها وقيمتها الاقتصادية إلى نشوء فارق سعري يمكن أن يتحول إلى حافز للتهريب والهدر وإعادة البيع.

وأشار صندوق النقد الدولي، في تقريره الخاص بإصلاح دعم الطاقة في ليبيا، إلى ارتباط منظومة الدعم بانتشار التهريب وتحويل الموارد بعيدًا عن قطاعات وخدمات أكثر إنتاجية.

وبحسب أحدث تقييم للصندوق لعام 2026، يمثل دعم الطاقة نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تقترب فاتورة الأجور من 30% من الناتج المحلي، وهي مستويات من بين الأعلى عالميًا.

وفي تقريره لعام 2025، قدّر الصندوق دعم الطاقة بنحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي و43% من الإنفاق الجاري، وهو اختلاف يعكس تغير السنة والمنهجية المستخدمة في تقدير العبء المالي للدعم.

ويرى بي أن مواجهة هذه الظاهرة عبر زيادة الرقابة الأمنية وحدها لا تعالج أصل المشكلة، لأن الأجهزة الأمنية تستطيع مواجهة الجريمة، لكنها لا تلغي الحافز الاقتصادي الذي يجعل النشاط المخالف مربحًا.

ومن هنا يطرح الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن بصورة مباشرة وأكثر استهدافًا، مع التأكيد على أن الإصلاح لا ينبغي أن يبدأ برفع الأسعار وترك المواطن في انتظار تعويض مستقبلي غير مضمون.

ويعتبر بي أن الترتيب الأكثر منطقية لأي إصلاح في هذا المجال يتمثل في توفير الحماية المالية للمواطن أولًا، أو بالتزامن مع الإصلاح، ثم تعديل منظومة دعم الأسعار بصورة تدريجية ووفق آليات واضحة.

ويرى أن ليبيا تمتلك بالفعل بنية يمكن البناء عليها لتوسيع التحويلات النقدية المباشرة، من خلال النظام المصرفي وبرامج التحويلات الاجتماعية القائمة، إلا أن نجاح هذا المسار يحتاج إلى قاعدة بيانات موثوقة وآلية شفافة للتحويل والاستهداف والرقابة.

وبحسب هذا التصور، فإن قدرة الدولة على تحويل دعم محدد إلى حسابات المستحقين تتيح إعادة تصميم منظومة الدعم تدريجيًا على أساس المستفيد، بدل استمرار دعم السلعة الذي يستفيد منه كل من يستهلكها أو يستطيع الوصول إليها، بصرف النظر عن مستوى دخله.

ولا تتوقف مشكلة الحوافز، بحسب بي، عند سوق الصرف ودعم الطاقة، إذ تظهر أيضًا في سوق العمل.

ووفق بيانات صندوق النقد الدولي، بلغت فاتورة أجور الحكومة نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، فيما أظهر تحليل الصندوق أن نحو 86% من قوة العمل الرسمية في ليبيا تعمل في القطاع العام، مقابل نحو 14% في القطاع الخاص.

ويربط صندوق النقد بين ارتفاع الأجور والمزايا في القطاع العام وبين محدودية قدرة القطاع الخاص على استقطاب العمالة الماهرة بأجور تنافسية.

ويرى بي أن المشكلة لا تكمن في رغبة المواطن في الحصول على وظيفة حكومية بحد ذاتها، وإنما في البيئة الاقتصادية التي تجعل الوظيفة العامة أكثر جاذبية واستقرارًا من المخاطرة بإقامة مشروع خاص أو البحث عن فرصة إنتاجية.

ومع تحول الوظيفة العامة إلى قناة رئيسية لتوزيع الدخل، يصبح انتظار الحصول عليها خيارًا اقتصاديًا مفهومًا بالنسبة إلى شريحة واسعة من المواطنين، وفق طرح بي، حتى مع ما يترتب على ذلك من أعباء متزايدة على الدولة على المدى الطويل.

ويخلص بي إلى أن هذه العوامل مجتمعة تسهم في إعادة إنتاج اقتصاد الريع، إذ يخلق فارق سعر الصرف فرصة للمراجحة، بينما يوفر فارق أسعار الوقود والطاقة حافزًا للتهريب وإعادة البيع، ويضيف الإنفاق العام الواسع ضغوطًا على السيولة وسوق النقد الأجنبي، في وقت يؤدي تضخم القطاع العام إلى إضعاف قدرة القطاع الخاص على المنافسة على العمالة ورأس المال.

وفي مواجهة هذه الاختلالات، تأتي المعالجة في كثير من الأحيان عبر زيادة الرقابة والإجراءات الإدارية والحملات الأمنية وتشديد العقوبات، لكن بي يرى أن التعامل مع النتائج من دون تغيير مصدر الحافز يترك المجال مفتوحًا أمام إعادة إنتاج المشكلة.

ويؤكد أن المطلوب لا يتمثل في تعويم الدينار بصورة عشوائية، ولا في رفع مفاجئ لأسعار الطاقة من دون حماية اجتماعية، ولا في ترك السوق من دون رقابة أو دولة، وإنما في إصلاح منظومة الحوافز التي توجه السلوك الاقتصادي.

ويضع بي ضمن مسار الإصلاح ضبط الإنفاق العام، ومنع تمويل العجز بوسائل تزيد الضغوط النقدية، والعمل نحو سعر صرف موحد أقرب إلى التوازن الاقتصادي، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وإعادة تصميم دعم الطاقة بصورة أكثر استهدافًا للمواطنين، إلى جانب إصلاح منظومة الأجور وتوجيه الإنفاق نحو الاستثمار والإنتاج وتهيئة بيئة تسمح للقطاع الخاص بالنمو.

وتتقاطع هذه المحاور مع توصيات صندوق النقد الدولي بشأن الاقتصاد الليبي، إذ يضع الصندوق ضبط المالية العامة ضمن العناصر الأساسية لاستعادة الاستقرار، ويدعو إلى إصلاح دعم الطاقة والأجور، وتقليل التشوهات في سوق الصرف، وتعزيز دور القطاع الخاص وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد المفرط على النفط.

ويختصر بي الفكرة في قاعدة اقتصادية مفادها أن الإنسان يميل في قراراته إلى النشاط الذي يوفر عائدًا أعلى مع مستوى مخاطرة أقل.

وبناءً على ذلك، يرى أنه إذا أصبح تحقيق الربح من فارق سعر الدولار أو الوقود المدعوم أو الوصول إلى الإنفاق الحكومي أسرع وأسهل من إنشاء مصنع أو مزرعة أو شركة إنتاجية، فإن الاقتصاد سيواصل إنتاج سلوكيات تبحث عن الريع، حتى مع ارتفاع الخطاب الداعي إلى زيادة الإنتاج.

ويقول بي إن مواجهة المضارب بعد خلق هامش الربح الذي يدفعه إلى المضاربة، وملاحقة المهرب بعد توفير سلعة بفارق سعري واسع، ولوم المواطن لمجرد استجابته للحوافز التي صنعتها السياسات الاقتصادية، كلها معالجات تركز على النتائج أكثر من الأسباب.

ويخلص إلى أن تغيير الحوافز هو المدخل الأساسي لتغيير السلوك، بينما يؤدي الإبقاء على التشوهات الاقتصادية ثم محاولة مطاردة نتائجها عبر الشرطة والقرارات الإدارية إلى استمرار المشكلة في صورة جديدة.

ومن هذا المنطلق، يطرح بي السؤال الأوسع: لماذا يضارب الليبي؟ ولماذا يهرب الوقود؟ ولماذا يفضل الوظيفة الحكومية؟

ويرى أن الإجابة الأكثر أهمية تتعلق بما يجعل هذه الخيارات أكثر ربحًا وأقل مخاطرة من الإنتاج، معتبرًا أن تغيير هذه المعادلة يمكن أن يفتح الطريق أمام تحول أعمق في بنية الاقتصاد الليبي.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا