خبير يكشف لـ«عين ليبيا» من يتحمّل وزر «أزمة المعلمين».. ما خفايا العجز الذي ينهش حقوق الموظفين؟ - عين ليبيا

تتصاعد مطالب المعلمين في ليبيا بتحسين أوضاعهم المالية والوظيفية، وسط اعتصام واسع دخلته قطاعات من المعلمين في عدد من المدن، للمطالبة بزيادة المرتبات وصرف الفروقات المستحقة وتوفير التأمين الصحي، في وقت تثار فيه تساؤلات بشأن قدرة المالية العامة على تحمل هذه المطالب، وانعكاس استمرار الاحتجاجات على العملية التعليمية والاقتصاد.

وقال الدكتور محمد يوسف درميش، المشرف سابقًا على الملف الاقتصادي والاجتماعي بالمركز القومي للدراسات والبحوث العلمية، في تصريح لـ«عين ليبيا»، إن الدولة الليبية، رغم ما تمر به من محن وانقسامات، تتمتع باقتصاد ممتاز ومركز مالي جيد جدًّا، معتبرًا أنها قادرة، من خلال حسن اختيار القيادات وإدارة الموارد والأموال بصفة عامة، على توفير حياة معززة كريمة لكل الليبيين، وتقديم مرتبات مناسبة لمختلف شرائح المجتمع، بما في ذلك التأمين الصحي وكافة الحوافز.

وأوضح درميش أن توحيد المرتبات أمر مطلوب لتحقيق العدالة في توزيع الدخل، مشيرًا إلى أن ذلك سيترتب عليه بطبيعة الحال عبء مالي على خزينة الدولة، لكنه ربط هذا العبء بالسياسات الاقتصادية التي اتُّبعت خلال السنوات العشر الماضية، ومنها سياسات الانكماش وفرض الضرائب وتخفيض قيمة الدينار الليبي عدة مرات، إلى جانب عدم توفير بيئة خصبة للمال والأعمال وقصور القطاع المصرفي في أداء مهامه كمؤسسة مصرفية في مجالي التمويل والاستثمار، وهو ما زاد الضغط على خزينة الدولة.

وأكد أن هذه التداعيات، من وجهة نظره، ليست ذنب المعلم، وإنما نتيجة أخطاء ارتكبها متخذ القرار الاقتصادي خلال السنوات العشر الماضية، بسبب اتباع سياسات الانكماش وفرض الضرائب وتخفيض قيمة الدينار.

وأشار درميش إلى أن المشكلة الأساسية في ليبيا تكمن في سوء إدارة الموارد والأموال وعدم العدالة في توزيعها، مؤكدًا أن البلاد لا تعاني شحًّا في الموارد أو الأموال، وإنما تحتاج إلى إدارة كفؤة وقيادات قادرة على تحسين إدارة شؤون الدولة.

وفي ما يتعلق بالفروقات المالية المستحقة للمعلمين، أرجع درميش هذه الظاهرة إلى سوء الإدارة وعدم صرف المستحقات وإجراء التسويات في حينها، الأمر الذي يترتب عليه تراكم أعباء مالية مستحقة الدفع على الدولة، معتبرًا أن ذلك يمثل قصورًا في إدارة الأموال وليس شحًّا في الموارد، وأن ليبيا، وفق تقديره، تملك موارد وأموالًا ورأس مال عاملًا يمكّنها من تلبية جميع مستحقاتها المالية.

وحول الفروقات في المرتبات بين العاملين في قطاعات الدولة المختلفة، رأى درميش أن عدم العدالة في توزيع الدخل على شكل مرتبات خاصة لبعض القطاعات له انعكاسات سلبية على الموظف العام، ويتعارض مع بنود الإعلان الدستوري المؤقت. وقال إن الدولة الليبية تستطيع وضع جدول للمرتبات يحقق العدالة بين مختلف شرائح القوى العاملة في المجتمع، من خلال تكليف أخصائيين في الإدارة وإدارة الموارد البشرية باعتبارهم مختصين بهذا المجال، بما يسهم في إنهاء مشكلة الاختلاف في جداول المرتبات.

وفي شأن تأثير اعتصام المعلمين على الاقتصاد والعملية التعليمية، أوضح درميش أن الاعتصامات، ولا سيما في مرافق التعليم، تؤدي إلى تأخير الدراسة وفقدان الطلبة جزءًا كبيرًا من الحصص، وهو ما ينعكس على مستويات التحصيل العلمي لديهم.

وفي المقابل، اعتبر أن وضع جدول مناسب لمرتبات المعلمين ستكون له آثار إيجابية على معدل أدائهم، بما ينعكس على مستوى تحصيل الطلاب، إلى جانب تحسين مستواهم المعيشي وقدرتهم على مواجهة موجة تقلب الأسعار والتضخم الناجم عن تخفيض قيمة الدينار وفرض الرسوم والضرائب، فضلًا عن المتغيرات الدولية الناجمة عن الحروب والاضطرابات العالمية.

واختصر درميش رؤيته للحل في ضرورة أن يعمل متخذ القرار على وضع جدول موحد للمرتبات في جميع القطاعات بما يحقق العدالة في التوزيع، بالتوازي مع رفع كفاءة أداء الإدارة، وعدم تأخير صرف المستحقات وإجراء التسويات وصرفها في حينها، داعيًا كذلك إلى الابتعاد عن سياسات الانكماش وفرض الضرائب وتخفيض قيمة الدينار، لما لها من تأثير سلبي على مستوى دخل المواطن الليبي.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا