خسائر بـ«المليارات» وفاتورة يدفعها المواطن.. كيف يهدد إغلاق النفط معيشة الليبيين؟ - عين ليبيا

يمثل قطاع الطاقة في ليبيا العصب الحساس للاقتصاد الوطني، حيث تتقاطع فيه إيرادات الخزانة العامة مع الاستقرار المعيشي للمواطن، في وقت تتوالى فيه الصدمات الهيكلية نتيجة الإغلاقات القسرية المتكررة للخطوط والحقول النفطية.

وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور حلمي القماطي، رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، أن ما يحدث في قطاع النفط الليبي منذ 21 سبتمبر ليس مجرد توقف مؤقت في خط أنابيب، وإنما صدمة اقتصادية تمتد من الإنتاج إلى التكرير ومن الإيرادات العامة إلى النقد الأجنبي ثم إلى الكهرباء والأسعار ومستوى معيشة المواطن.

وأوضح القماطي، وفق بيانات المؤسسة الوطنية للنفط، أن إغلاق الصمام رقم (7) على خط الشرارة الزاوية خلال الفترة من 21 إلى 24 سبتمبر أدى إلى فقدان نحو 720,362 برميلاً من الخام وخسائر مالية مباشرة تجاوزت 75 مليون دولار، مبيناً أن هذه أرقام مباشرة فقط ولا تمثل التكلفة الاقتصادية الكاملة للأزمة.

وبيّن القماطي أن الخسارة الحقيقية أكبر بكثير من قيمة النفط المفقود، إذ إنه عندما يفقد الاقتصاد الإنتاج النفطي فإنه لا يفقد قيمة البراميل فقط بل يفقد معها إيراداً كان يمكن أن يتحول إلى احتياطيات من النقد الأجنبي وتمويل للإنفاق العام، مشدداً على أنه في اقتصاد يعتمد بدرجة كبير على النفط يصبح أي توقف في الإنتاج أو التصدير صدمة مباشرة للمالية العامة وللحساب الخارجي.

وأشار القماطي إلى أن توقف أو تراجع تشغيل مصفاة الزاوية يخلق خسارة مزدوجة، حيث تخسر البلاد من جهة الخام الذي كان يمكن تكريره محلياً، وتضطر من جهة أخرى إلى تعويض جزء من المنتجات النفطية عن طريق الاستيراد، لافتاً إلى أن المؤسسة الوطنية للنفط حذرت من أن استمرار إغلاق خط الشرارة قد يؤدي إلى توقف وحدات التكرير تباعاً وبالتالي ارتفاع فاتورة استيراد المحروقات.

ولفت القماطي إلى أن هنا تظهر مشكلة هيكلية أعمق تتمثل في كون ليبيا دولة منتجة للنفط ولكنها لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المشتقات المكررة، وبالتالي فإن أي اضطراب في المصافي أو خطوط نقل الخام يتحول بسرعة إلى فاتورة إضافية على الدولة وإلى ضغط على السوق المحلي.

وعلى صعيد قطاع الطاقة الكهربائية، أكد القماطي أن قطاع الكهرباء يتحمل جزءاً من تكلفة الأزمة، موضحاً أن محطات الكهرباء التي تعتمد على إمدادات الوقود لا تتعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة نفط فقط، إذ إن أي نقص في الوقود قد يرفع تكاليف التشغيل أو يدفع للجوء إلى بدائل أكثر كلفة أو انخفاض القدرة على تلبية الطلب على الكهرباء، ومشيراً إلى أن الكميات اليومية المحددة التي تحتاجها كل محطة تحتاج إلى توثيق تشغيلي من الجهات المختصة قبل تحويلها إلى تقدير مالي دقيق.

وأوضح القماطي أن هناك خسارة مالية ونقدية في آن واحد، حيث يعني انخفاض الإيرادات النفطية انخفاض تدفقات الدولار إلى الاقتصاد، وهو أمر مهم جداً في حالة الاقتصاد ليبيا لأن النقد الأجنبي يمثل أساس قدرة الدولة على تمويل جانب كبير من الواردات والإنفاق العام، ولذلك فإن استمرار الإغلاقات لا يضغط فقط على الإيرادات بل يمكن أن يزيد الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي وعلى قدرة مصرف ليبيا المركزي على تمويل الطلب على العملة الأجنبية.

وبخصوص البدائل التشغيلية، بيّن القماطي أنها ليست مجانية، فعندما تضطر المؤسسة الوطنية للنفط إلى تحويل التدفقات عبر مسارات أو موانئ بديلة فإن ذلك قد يتطلب ترتيبات فنية ولوجستية وتشغيلية إضافية، وقد يرفع تكاليف النقل والمناولة والتخزين ويخلق اختناقات في أجزاء أخرى من المنظومة، مذكراً بأن المؤسسة سبق أن استخدمت تحويلات عبر مسارات أخرى للحفاظ على استمرارية الإنتاج أثناء أعطال سابقة في خط الشرارة.

وحول الأبعاد المعيشية، أكد القماطي أن المواطن يدفع جزءاً من الفاتورة حتى لو لم يدفعها مباشرة، فعندما ترتفع تكلفة استيراد الوقود أو تتعطل عمليات التوزيع فإن التكلفة لا تختفي بل تنتقل تدريجياً إلى النقل والكهرباء والخدمات والسلع، ولذلك فإن أزمة النفط يمكن أن تتحول إلى ضغط تضخمي غير مباشر على القوة الشرائية للمواطن خصوصاً إذا تزامنت مع نقص السيولة أو ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازية.

وأضاف القماطي أن أعمال الصيانة وإعادة التشغيل لها تكلفة اقتصادية مستقلة، إذ إن أي توقف مفاجئ في خطوط نقل الخام أو وحدات التكرير يرفع مخاطر الأعطال الفنية ويحتاج إلى إجراءات فحص وصيانة وإعادة تشغيل آمنة، وبالتالي فإن تكلفة الأزمة لا تنتهي بمجرد فتح الصمام فهناك تكلفة لإعادة المنظومة إلى التشغيل الطبيعي وقد تكون هناك خسائر إضافية مرتبطة بالإنتاج الذي يحتاج إلى وقت لاستعادة معدلاته السابقة.

وحذر القماطي من أن أخطر الخسائر قد تكون غير مرئية في الحسابات اليومية، مبيناً أن الاستثمار النفطي يحتاج إلى بيئة مستقرة يمكن للشركات أن تتنبأ فيها بالتكاليف والمخاطر والإنتاج والتصدير، وأن تكرار إغلاق الحقول وخطوط الأنابيب والموانئ يرفع علاوة المخاطر التي ينظر إليها المستثمر وقد يجعل بعض الشركات أكثر تحفظاً في ضخ استثمارات جديدة أو توسيع استثماراتها القائمة، وهو أمر مهم خصوصاً في وقت تسعى فيه ليبيا إلى جذب استثمارات أجنبية وزيادة إنتاجها النفطي، مشيراً إلى أن تقارير حديثة أشارت إلى أن عدم الاستقرار السياسي والأمني يمثل عامل قلق للمستثمرين في قطاع الطاقة الليبي.

وخَلُص الدكتور حلمي القماطي إلى أنه لا ينبغي أن نحسب خسارة أزمة الشرارة بـ75 مليون دولار فقط، فهذا الرقم يمثل الخسارة المباشرة التي أعلنت عنها المؤسسة الوطنية للنفط حتى 24 سبتمبر بينما التكلفة الاقتصادية الكاملة تشمل النفط المفقود وانخفاض الإيرادات العامة وزيادة واردات المشتقات وتكاليف النقل والبدائل التشغيلية ومخاطر الكهرباء والآثار التضخمية وتكاليف الصيانة وإعادة التشغيل إضافة إلى تكلفة فقدان الثقة والاستقرار الاستثماري.

وبعبارة أخرى واضحة، أكد القماطي أن كل برميل نفقده اليوم لا يمثل فقط إيراداً نفطيام ضائعاً، بل يمثل دولاراً أقل في الاقتصاد وضغطاً أكبر على النقد الأجنبي وتكلفة إضافية على الدولة وفي النهاية فاتورة يدفع المواطن الليبي جزءاً منها، مشدداً على أن المشكلة إذن ليست في النفط وحده وإنما في هشاشة اقتصاد يعتمد على مورد واحد بينما منظومة حماية هذا المورد واستمرارية إنتاجه ونقله وتكريره ما زالت معرضة للصدمات السياسية والأمنية والفنية، وما لم تتحول حماية النفط من رد فعل بعد وقوع الأزمة إلى سياسة مؤسسية دائمة فإن تكرار الإغلاقات سيظل يعيد إنتاج الخسائر نفسها وربما بأرقام أكبر.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا