رجلٌ في زمن الصمت.. بيدرو سانشيز يهزّ منصة الأمم المتحدة - عين ليبيا

من إعداد: د. فتحي الشبلي

في زمنٍ أصبح فيه الصمت سياسة، والمجاملة الدبلوماسية غطاءً للكثير من المواقف، خرج رجلٌ من قلب أوروبا ليقول ما يتردد كثيرون في قوله، وليضع أمام العالم مرآةً لا يستطيع أحد أن يتجاهل صورته فيها.

إنه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز.

وقف الرجل أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا ليضيف خطابًا جديدًا إلى أرشيف الخطب المنسية، ولا ليغرق العالم في عبارات دبلوماسية باردة، وإنما ليدافع، كما قال هو، عن المبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة والتي يرى أن حكومات موجودة داخل هذه القاعة نفسها تعمل على تقويضها.

كان خطابه أشبه بفتح نافذة في غرفة أُغلقت طويلًا.

تحدث عن عالم تتراجع فيه قيمة القانون عندما يصطدم بمصالح الأقوياء، وعن حروب لا تتوقف، وعن مدنيين يدفعون الثمن، وعن منظومة دولية يفترض أن تحمي الإنسان لكنها تبدو عاجزة أمام مشاهد القتل والدمار.

ثم وصل إلى غزة.

وهنا لم يستخدم سانشيز لغة رمادية.

قال إن بلاده فرضت حظرًا على الأسلحة تجاه حكومة بنيامين نتنياهو، واتهم نتنياهو بمواصلة ما وصفه بالإبادة الجماعية في غزة، مؤكدًا أن إسبانيا لن تتراجع عن موقفها.
ولم يكن ذلك كل شيء.

سانشيز تحدث عن أولئك الذين وصفهم بالقوى «الأنانية والجاهلة والقاسية»، وقال إنه رأى هذه القوى تكبر خلال السنوات الأخيرة، وتشن حروبًا غير قانونية، وتقتل المدنيين، وتتجاهل معاناة البشر. وقد فهمت وسائل إعلام إسبانية هذا الجزء من الخطاب باعتباره رسالة غير مباشرة إلى ترامب ونتنياهو وبوتين، رغم أنه لم يسمِّهم جميعًا بالاسم في ذلك الموضع.

وهنا بالضبط تكمن قوة المشهد.

فالرجل لم يقف ليقول إن إسبانيا تملك الحقيقة وحدها، ولم يتحدث باسم البشرية كلها، لكنه وضع سؤالًا ثقيلًا أمام ممثلي دول العالم:

ماذا تفعلون عندما تُخرق القواعد التي أقسمتم على احترامها؟

ما قيمة القانون الدولي إذا كان احترامه يتغير وفق هوية الدولة التي تنتهكه؟

وما قيمة الحديث عن حقوق الإنسان إذا كان الطفل الذي يُقتل في مكان ما يستحق التعاطف، بينما الطفل الذي يُقتل في مكان آخر يتحول إلى رقم في نشرات الأخبار؟

وما قيمة الأمم المتحدة إذا بقيت قراراتها عاجزة عندما تصطدم بمصالح القوى الكبرى؟

هذه ليست أسئلة بيدرو سانشيز وحده.

هذه أسئلة الشعوب.

فالعالم اليوم لا يشاهد ما يجري في غزة من خلال بيانات الحكومات فقط. العالم يشاهد الصور، ويرى المستشفيات المدمرة، ويرى الأطفال والنساء والمدنيين، ويسمع لغة السياسة وهي تحاول أحيانًا أن تشرح ما لا يمكن للإنسان العادي أن يبرره أمام ضميره.

ولذلك فإن أزمة العالم ليست أزمة نقص في الكلمات.

العالم لديه كلمات أكثر مما يحتاج.

لديه مواثيق ومعاهدات وقرارات ومؤسسات ومحاكم ومنظمات دولية.

لكن الأزمة الحقيقية هي في المسافة بين ما تقوله هذه المؤسسات وما يحدث على الأرض.

وهذه هي النقطة التي جعلت خطاب سانشيز مختلفًا.

لقد ذكّر الجميع بأن القانون الدولي لا ينبغي أن يكون قانونًا للقوي على الضعيف، ولا أن يكون مبدأً يُستدعى عندما يخدم المصالح ثم يُنسى عندما تصبح كلفته السياسية مرتفعة.
قال بوضوح إن إسبانيا اختارت طريقًا، وإنها لن تتراجع عنه رغم كلفته.

قد يتفق الناس معه أو يختلفون.

قد تؤيد حكومات موقفه أو ترفضه.

وقد يرى البعض أن خطابه سياسي بقدر ما هو أخلاقي.

لكن شيئًا واحدًا لا يمكن تجاهله:

لقد أعاد السؤال الأخلاقي إلى قلب القاعة.

وفي زمنٍ يكثر فيه الحديث عن المصالح، يصبح الحديث عن الإنسان فعلًا سياسيًا بحد ذاته.

وفي زمنٍ يخشى فيه كثيرون من تسمية الأشياء بأسمائها، يصبح مجرد طرح الأسئلة المحرجة نوعًا من كسر الصمت.

لا أحد يعرف إلى أين ستذهب هذه الحرب، ولا أحد يستطيع أن يختصر مأساة غزة في خطاب واحد.

لكن المؤكد أن الأمم المتحدة لا تستطيع أن تستعيد ثقة الشعوب بالخطب وحدها.

إنها تحتاج إلى أن يصبح القانون قانونًا على الجميع.

وأن تصبح حياة المدنيين مقدسة بصرف النظر عن هويتهم.

وأن تصبح حقوق الإنسان مبدأً لا يتغير بتغير التحالفات.

وأن يصبح السلام أكثر من صورة جماعية أمام الكاميرات.

لقد قال سانشيز إن الأجيال القادمة ستسألنا يومًا: ماذا فعلتم عندما بدأ البعض في كسر القواعد، وقرر آخرون أن يغضوا الطرف؟

وهذا السؤال لن يخص سانشيز وحده.

سيخص ترامب ونتنياهو، وسيخص القادة الأوروبيين والعرب والأمريكيين، وسيخص الأمم المتحدة نفسها، وسيخص كل دولة جلست في هذه القاعة وهي ترى العالم يتغير أمامها.

وفي النهاية ستبقى الحقيقة أبسط من كل الخطابات:

التاريخ لا يسألنا كم مرة تحدثنا عن السلام، بل يسألنا ماذا فعلنا عندما كان السلام يحتاج إلى موقف.

وفي زمن الصمت…

يكفي أحيانًا أن يقف رجل واحد ليقول:

لن نصمت.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا