سقوط معقل استراتيجي.. هل تغير «الكرمك» مسار الحرب في السودان؟ - عين ليبيا

أعلن الجيش السوداني استعادة السيطرة على مدينة الكرمك الاستراتيجية في إقليم النيل الأزرق جنوب شرق السودان، بعد 106 أيام من سيطرة تحالف قوات الدعم السريع والحركة الشعبية- شمال على المدينة، في تطور عسكري يرى مراقبون أنه قد يؤثر على مسارات القتال في مناطق أخرى من البلاد.

وتكتسب الكرمك أهمية استراتيجية بسبب موقعها القريب من الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، ما يجعلها نقطة محورية للتحركات العسكرية وخطوط الإمداد والعمليات اللوجستية بين السودان والدولتين المجاورتين.

وقال الجيش السوداني، في بيان، إنه تمكن من بسط سيطرته على المدينة عقب “معارك شرسة” مع قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها، مشيرًا إلى تكبدها “خسائر فادحة في الأرواح والعتاد”، وفق قناة الجزيرة.

كما قال القائد الميداني بالقوة التي شاركت في استعادة الكرمك، العقيد الركن عبادي الطاهر، في تسجيل مصور، إن السيطرة على المدينة جاءت بعد معارك وصفها بالدامية، مؤكدًا أن قوات التحالف تكبدت خسائر في الأرواح والمعدات، وأن العمليات العسكرية ستتواصل لإنهاء وجود القوات المناوئة للجيش.

وعقب إعلان استعادة المدينة، شهدت مدينة الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق، احتفالات شعبية شارك فيها مئات المواطنين، حيث تجمعوا أمام مقر الفرقة الرابعة للجيش ورددوا هتافات داعمة للقوات المسلحة.

وأكد قائد الفرقة الرابعة اللواء إسماعيل الطيب، خلال كلمة أمام المحتفلين، استمرار العفو الذي أعلنه القائد العام للجيش أمام قوات الحركة الشعبية- شمال بقيادة جوزيف توكا، مشددًا على استمرار العمليات حتى استعادة الأمن وإنهاء وجود القوات المسلحة المتحالفة مع الدعم السريع في الإقليم.

من جانبه، ظهر حاكم إقليم النيل الأزرق أحمد العمدة بادي في مواكب احتفالية بمدينة الدمازين، حيث جاب شوارع المدينة مهنئًا المواطنين الذين رفعوا أعلام السودان ورددوا هتافات احتفاءً باستعادة الكرمك.

وتأتي السيطرة على الكرمك بعد تقدم للجيش السوداني خلال الأسابيع الماضية في إقليم النيل الأزرق، تمكن خلاله من استعادة السيطرة على 8 مناطق قريبة من حدود إثيوبيا وجنوب السودان، بينما لا تزال مناطق محدودة تشهد وجودًا لقوات الدعم السريع والحركة الشعبية- شمال، من بينها بابوس والمنصور.

في المقابل، نفت منصات قريبة من قوات الدعم السريع انسحاب قواتها من الكرمك، مؤكدة أن العمليات العسكرية تشهد حالة من الكر والفر، فيما قالت مصادر مقربة من التحالف إن بيانًا بشأن التطورات في المدينة سيصدر لاحقًا.

ويرى الخبير الأمني إبراهيم عبد القادر أن استعادة الكرمك تمثل مكسبًا عسكريًا وأمنيًا للجيش السوداني، موضحًا أن المدينة تعد بوابة مهمة في جنوب شرق البلاد، وأن السيطرة عليها تحقق عدة أهداف، من بينها:

  • قطع خطوط إمداد رئيسية لتحالف قوات الدعم السريع والحركة الشعبية- شمال، وتقليص قدرته على التحرك في الإقليم.
  • تأمين خطوط الإمداد العسكرية واللوجستية للجيش داخل إقليم النيل الأزرق.
  • تعزيز قدرة الجيش على إدارة العمليات في أكثر من جبهة في وقت واحد، بالتزامن مع استمرار المعارك في دارفور وكردفان.
  • رفع الروح المعنوية للقوات المسلحة والقوى المساندة لها بعد استعادة منطقة ذات أهمية استراتيجية.
  • تقليل التهديدات المحيطة بسد الروصيرص القريب من الحدود الإثيوبية، الذي يمثل مصدرًا مهمًا للطاقة والري والنشاط الاقتصادي.
  • التأثير على ما وصفه مراقبون بـ”مخطط شد الأطراف”، الذي يقوم على فتح جبهات جديدة لإجبار الجيش على توزيع قواته ومنعه من التقدم في مناطق أخرى.

ويشير مراقبون إلى أن استعادة الكرمك قد تنقل الضغط العسكري إلى محاور أخرى، خصوصًا في إقليمي كردفان ودارفور، حيث تستمر المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

ويعد إقليم النيل الأزرق من المناطق ذات الحساسية الأمنية والتاريخية في السودان، إذ شهد منذ ثمانينيات القرن الماضي موجات متتالية من التوتر والصراع، وكان معقلًا للحركة الشعبية قبل انفصال جنوب السودان.

ومنذ يناير 2026، كثفت الحركة الشعبية- شمال المتحالفة مع الدعم السريع هجماتها على مناطق في الكرمك وقيسان وباو، بالتزامن مع هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع عدة قرب الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان.

تقرير حقوقي أميركي يتهم الجيش السوداني بشن هجمات جوية واسعة على مدنيين في دارفور

كشف تقرير حقوقي أميركي حديث عن رصد نمط واسع ومتزايد من الضربات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة في إقليم دارفور بالسودان، مشيرًا إلى أنها استهدفت مدنيين وأعيانًا مدنية، وأن بعض هذه الوقائع قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وأصدر التقرير مشروع “ذا ريكونينغ بروجيكت”، وهو مشروع حقوقي أميركي متخصص في توثيق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني، حيث وثق 17 هجومًا جويًا، بينها هجمات نفذتها طائرات مسيّرة، خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2024 وحتى أبريل 2026.

وأوضح التقرير أن هذه الهجمات أسفرت، وفق ما ورد فيه، عن مقتل وإصابة مئات المدنيين، إضافة إلى تدمير أسواق ومستشفيات ومراكز صحية ومناطق سكنية ومواقع للنازحين ومناسبات اجتماعية.

واعتمد التقرير على شهادات 31 شاهدًا مباشرًا، إلى جانب مراجعة تقارير طبية وإعلامية وحقوقية، وصور ومنشورات على منصات التواصل الاجتماعي، وبيانات تحديد المواقع الجغرافية، بهدف تحليل مسار الهجمات وتحديد طبيعتها وتأثيراتها على المجتمعات المحلية.

وأشار التقرير إلى أن الأسواق كانت من بين المواقع التي ركز عليها، موضحًا أنها لا تمثل أماكن تجارية فقط، بل تعد مراكز رئيسية يحصل من خلالها السكان على الغذاء والدواء ووسائل النقل ومصادر الدخل.

وذكر التقرير حادثة قصف شارع السينما في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور في 3 فبراير 2025، حيث قال شهود إن طائرة بيضاء يعتقد أنها تابعة للجيش السوداني ألقت قنابل على مناطق مكتظة بالمدنيين بالقرب من مستشفى نور العيون وشارع السينما.

وبحسب التقرير، أدى القصف إلى مقتل ما لا يقل عن 22 مدنيًا، بينهم نساء وأطفال وكبار سن، إضافة إلى إصابة عشرات الأشخاص وتدمير محال تجارية ومركبات.

كما وثق التقرير قصف سوق طرة شمال الفاشر في 24 مارس 2025، خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، عندما كان السوق يشهد ازدحامًا بالمتسوقين استعدادًا لعيد الفطر.

وقال التقرير إن الهجوم المنسوب إلى الجيش السوداني أسفر عن مقتل نحو 450 شخصًا، معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب إصابة أكثر من 223 آخرين.

وفي منطقة الكومة بشمال دارفور، أشار التقرير إلى تعرض البلدة لعشرات الضربات الجوية، موضحًا أن السكان يعيشون حالة خوف مستمرة بسبب تحليق الطائرات، ونقل عن أحد المستجيبين الأوائل قوله إن 90% من ضحايا القصف الجوي في المنطقة كانوا من المدنيين.

وأضاف التقرير أن الهجمات لم تقتصر على الأسواق، بل شملت منشآت صحية، بينها مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور بتاريخ 20 مارس 2026، حيث تحدث عن مقتل عشرات الأشخاص، بينهم أطفال وعاملون في المجال الطبي، وتدمير أقسام الطوارئ والولادة والأطفال.

وأوضح التقرير أن تحليل صور الأقمار الصناعية أظهر آثار ضربات داخل مجمع المستشفى، مرجحًا استخدام طائرات مسيّرة بعيدة المدى وذخائر موجهة.

كما أشار إلى ما وصفه بـ”الضربة المزدوجة”، حيث تأتي ضربة ثانية بعد الأولى وتستهدف، بحسب التقرير، المسعفين والمواطنين الذين يتوجهون إلى مواقع القصف لإنقاذ المصابين.

وتناول التقرير كذلك هجمات استهدفت تجمعات اجتماعية، بينها قصف مناسبة في منطقة كتيلا بجنوب دارفور في ديسمبر 2025، حيث ذكر أن أكثر من 100 مدني قتلوا، بينهم نساء وأطفال.

كما أشار إلى قصف حفل زفاف في مدينة كتم بشمال دارفور خلال أبريل 2026، ما أدى إلى مقتل ما بين 40 و56 شخصًا، بينهم أطفال ونساء وشباب.

واعتبر التقرير أن حجم الوقائع وتكرارها وتوقيت الضربات ومواقعها يجعل من الصعب اعتبارها أضرارًا جانبية مرتبطة بالعمليات العسكرية، موضحًا أن الهجمات وقعت في أسواق مزدحمة ومناطق سكنية ومنشآت طبية وأماكن تجمع مدنيين.

وقال التقرير إن استخدام قنابل غير موجهة من طائرات مثل “الأنتونوف” في مناطق مكتظة بالسكان يمثل، بحسب تقييمه، هجمات عشوائية تخالف القانون الدولي الإنساني.

وفي ما يتعلق بالطائرات المسيّرة، ذكر التقرير أن دقة بعض الضربات تثير مخاوف بشأن احتمال استهداف مواقع مدنية أو تجاهل واضح للمخاطر التي تهدد حياة المدنيين.

وأضاف أن الجيش السوداني نفى في غالبية الحالات استهداف المدنيين أو لم يصدر تعليقًا بشأنها، بينما نقل التقرير شهادات ميدانية قال إنها تشير إلى أن غالبية الضحايا كانوا من المدنيين وأن المواقع المستهدفة لم تكن أهدافًا عسكرية مشروعة.

وأوضح التقرير أن آثار القصف في دارفور تجاوزت أعداد الضحايا، لتصل إلى تدمير شبكات الحياة اليومية، مشيرًا إلى أن قصف الأسواق أدى إلى خسائر كبيرة للأسر التي فقدت مصادر رزقها، إضافة إلى تدمير البضائع والمركبات والماشية وتعطيل حركة الإمدادات في مناطق تعاني من الحصار والجوع وتراجع الخدمات.

كما أشار إلى أن استهداف المستشفيات والمراكز الصحية حرم مجتمعات كاملة من العلاج في ظل ارتفاع أعداد المصابين والنازحين ونقص الأدوية.

ولفت التقرير إلى الآثار النفسية للهجمات على السكان، موضحًا أن المدنيين يعيشون حالة خوف مستمرة من أصوات الطائرات والمسيّرات، ونقل شهادات تحدثت عن مشاهد الدمار والجثث والبحث عن الأقارب وسط مواقع القصف.

ودعا التقرير الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى وقف الهجمات الجوية والمسيّرة ضد المدنيين والمنشآت المدنية، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، والسماح بإجراء تحقيقات دولية مستقلة.

كما طالب المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في الضربات الجوية والمسيّرة ضد المدنيين في دارفور وملاحقة المسؤولين عن إصدار الأوامر أو تنفيذ الهجمات.

ودعا كذلك مجلس الأمن الدولي إلى تفعيل نظام حظر السلاح المفروض على دارفور، والتحقيق في مصادر الأسلحة والطائرات المسيّرة المستخدمة في الهجمات، وفرض عقوبات على الجهات المتورطة في الانتهاكات.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا