شبح الفاشر يهدد مدينة الأبيض.. 29 دولة تطالب بفرملة التصعيد العسكري بالسودان - عين ليبيا
طالب مجلس الأمن الدولي، في بيان رسمي صادر عنه يوم السبت، قوات الدعم السريع في السودان بالوقف الفوري لعملياتها العسكرية وهجومها على مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، معرباً عن قلقه البالغ من ارتكاب انتهاكات جسيمة وفظائع جماعية بحق المدنيين.
وأبدى أعضاء مجلس الأمن انزعاجهم الشديد إزاء التقارير الميدانية الواردة التي تؤكد حشد قوات الدعم السريع لتعزيزات عسكرية ضخمة وكبيرة في محيط مدينة الأبيض، محذرين من المخاطر الإنسانية والأمنية الكارثية التي قد تترتب على شن أي هجوم بري محتمل واقتحام للمدينة المعززة أمنياً من قبل الجيش السوداني.
وأعرب أعضاء المجلس عن قلقهم العميق من استمرار وتصاعد وتيرة العنف في مختلف أنحاء السودان، ولا سيما في ولايات كردفان، مؤكدين أن هذا التصعيد ينذر بتفاقم الوضع الإنساني المتردي أصلاً في البلاد. ودعا البيان كافة أطراف النزاع إلى الوقف الفوري والشامل للقتال، والامتثال التام لالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، والتقيد بالبنود الواردة في “إعلان جدة” لحماية المدنيين.
كما رصد مجلس الأمن الدولي بقلق متزايد التقارير التي تفيد بشن غارات جوية بواسطة طائرات مسيرة تابعة لقوات الدعم السريع استهدفت مدينة الأبيض، إلى جانب تزايد استخدام هذه المسيرات في جميع أنحاء البلاد من قبل الأطراف المتنازعة، مطالباً بفتح تحقيقات موسعة في كافة الانتهاكات والتجاوزات ومحاسبة مرتكبيها.
وشدد أعضاء المجلس على ضرورة أن تسمح جميع أطراف النزاع بوصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ودون عوائق، وتسهيل المرور الآمن للمدنيين الفارين من مناطق الاشتباكات. وحث البيان جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على الامتناع التام عن أي تدخل خارجي يهدف إلى تأجيج الصراع وعدم الاستقرار، والالتزام بتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، بما في ذلك القرار رقم 2791.
واختتم مجلس الأمن بيانه بتجديد التزامه الراسخ بسيادة السودان، واستقلاله، ووحدته، وسلامة أراضيه، معلناً الرفض الدولي المطلق والقاطع لإنشاء أو الاعتراف بأي سلطة حكم موازية في المناطق والمواقع التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
كما أطلقت الأمم المتحدة من جنيف نداءات عاجلة وتحذيرات شديدة اللهجة، دعت فيها “قوات الدعم السريع” إلى الوقف الفوري لهجوم بري وشيك تعتزم شنه على مدينة الأُبَيِّض الاستراتيجية، عاصمة ولاية شمال كردفان، محذرة المجتمع الدولي من عواقب إنسانية كارثية وفظائع قد تحمل سمات جرائم واسعة النطاق ضد المدنيين في حال انفجار الموقف عسكريًا.
وعبر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن قلقه البالغ إزاء تدفق تعزيزات عسكرية ضخمة وحشود تابعة للدعم السريع تطوق المدينة المجاورة لطرق الإمداد الرئيسية، مما يؤشر على قرب عملية اقتحام برية قد تضع مركزًا سكانيًا رئيسيًا يضم مئات آلاف المواطنين في قلب دائرة استهداف مفرط وعنف مميت، بحسب ما أكده المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك.
من جانبه، أطلق المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، فولكر تورك، نداءً صارمًا طالب فيه بضرورة “وقف هذا الجنون” وقطع الطريق أمام تكرار مآسي الحصار التي شهدتها مدينة الفاشر ومخيم زمزم العام الماضي، لافتًا إلى أن استخدام الطائرات المسيّرة والقصف المدفعي المكثف بات يحصد أرواح الأبرياء في كردفان ويضع نصف مليون مدني، بينهم أكثر من 100 ألف نازح، تحت تهديد حقيقي وكارثة حقوقية وشيكة.
في غضون ذلك، أعلنت 29 دولة في مجلس حقوق الإنسان، من بينها بريطانيا وفرنسا وكندا، عن تضامنها الكامل لمنع ارتكاب مجازر محتملة، مطالبة الدول ذات النفوذ بالتدخل العاجل لفرملة هذا التصعيد، في وقت أفاد فيه مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” بأن وتيرة الحرب المتصاعدة والتوترات السريعة في الأبيض أدت لشلل كامل في عمليات الإغاثة وإغلاق جماعي للمدارس والأسواق والمستودعات الإنسانية.
وطلب الموفد الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، رسمياً من قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، عدم مهاجمة مدينة الأبيض الرئيسية الواقعة في إقليم كردفان، وأوضح المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دو جاريك، للصحافيين في نيويورك، أن هافيستو أكد خلال مكالمة هاتفية مباشرة أجراها مع محمد حمدان دقلو على الحاجة الملحة والقصوى لتهدئة الوضع الميداني المتوتر في محيط الأبيض، وتجنّب أي عمل عسكري من شأنه أن يفاقم الوضع الإنساني المتردّي أصلاً في المنطقة، أو يعرّض حياة المدنيين الآمنين لمزيد من الأخطار الجسيمة، مشيراً إلى أنه وجه إليه نداءً ملحاً جداً بضرورة ضبط النفس وتجنيب المدينة ويلات القتال والدمار.
وأضاف المتحدث الأممي في إفادته الصحفية قائلاً: “لا يزال من الممكن ألا تتم هذه العملية العسكرية، ولكن زملاءنا العاملين في المجال الإنساني يستعدون للأسوأ مع التطلّع دائماً إلى الأفضل”، مبيناً أن الأمم المتحدة وجميع شركائها الدوليين في منظمات الإغاثة يستعدون بشكل مكثف لتحرك محتمل وعاجل لعدد كبير من المدنيين الفارين من المدينة في حال تفجر المواجهات المسلحة، وتخضع مدينة الأبيض الاستراتيجية منذ عدة أشهر لحصار مشدد ومستمر من قِبل قوات الدعم السريع، التي تخوض حرباً ضارية ومواجهات مسلحة عنيفة ضد قوات الجيش السوداني في جبهات متعددة منذ اندلاع النزاع في شهر أبريل من عام 2023.
وتأتي هذه التطورات الميدانية المتفجرة لعام 2026 مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، لتؤكد أن الصراع على تخوم إقليم كردفان يمثل منعطفًا عسكريًا بالغ الحساسية؛ فنظرًا للموقع الجغرافي لمدينة الأبيض كحلقة وصل استراتيجية تربط مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور بالشرق الخاضع لسيطرة الجيش، فإن سقوطها بيد الدعم السريع، لا سيما بعد سيطرتهم على الفاشر في أكتوبر الماضي، سيعني تبدلاً كاملاً في موازين القوى وإحكامًا لقنوات الإمداد، وهو ما يفسر حالة الاستنفار الأمامي والدولي الاستثنائي لحماية المدينة من سيناريوهات تصفية الحسابات والتهجير القسري.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا