صحة الأمعاء و«فيتامين سي» والمغنيسيوم.. ما أفضل الخيارات الغذائية؟ - عين ليبيا
تلعب التغذية دورًا أساسيًا في صحة الجهاز الهضمي ووظائف المناعة والعضلات والأعصاب، لكن اختيار الأطعمة والمكملات الغذائية لا يعتمد على شهرتها أو الادعاءات المتداولة حولها، بل على محتواها الغذائي والأدلة العلمية التي تدعم فوائدها.
وتشير دراسات منشورة في دوريات علمية ووثائق صادرة عن المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة إلى أن تنويع مصادر الألياف والأطعمة المخمرة يمكن أن يدعم ميكروبيوم الأمعاء، وأن بعض الخضراوات والفواكه توفر فيتامين «سي» بكميات تتجاوز ما توفره حبة البرتقال المتوسطة، فيما تختلف مكملات المغنيسيوم في امتصاصها واستخداماتها وتحمل الجهاز الهضمي لها.
وتُعد الأمعاء موطنًا لمجتمعات متنوعة من البكتيريا والكائنات الدقيقة التي تتفاعل مع الغذاء وتؤدي وظائف مرتبطة بالهضم والمناعة، ولذلك أصبح تأثير النظام الغذائي في هذه المجتمعات محورًا مهمًا في الأبحاث الطبية.
وفي دراسة سريرية نشرتها مجلة «Cell» في يوليو 2021، قارن باحثون من جامعة ستانفورد بين نظام غذائي غني بالأطعمة المخمرة وآخر غني بالألياف، ووجدوا أن النظام الذي اعتمد على الأطعمة المخمرة زاد تنوع ميكروبات الأمعاء وخفض مستويات 19 بروتينًا التهابيًا في الدم لدى المشاركين.
وشملت الدراسة بالغين أصحاء، واستمرت التجربة الغذائية عشرة أسابيع ضمن برنامج بحثي امتد لفترة أطول، وتضمنت الأطعمة المخمرة الزبادي والكفير والخضراوات المخمرة والكيمتشي وبعض أنواع الجبن المخمر.
وفي المقابل، لم تؤد زيادة الألياف خلال الفترة نفسها إلى ارتفاع واضح في التنوع الميكروبي لدى المجموعة التي تناولتها، لكنها أحدثت تغيرات في الوظائف الميكروبية المرتبطة بتفكيك الكربوهيدرات، كما اختلفت الاستجابات بحسب التنوع الميكروبي الموجود لدى المشاركين في بداية التجربة.
ولا تعني هذه النتائج أن الأطعمة المخمرة أفضل من الألياف في جميع الحالات، إذ تختلف آثار الأغذية باختلاف مكوناتها والجرعات المستهلكة وحالة الأمعاء، كما أن الدراسة أُجريت على بالغين أصحاء ولا تثبت أن هذه الأطعمة تعالج أمراض الجهاز الهضمي أو الالتهابات المزمنة.
وتشمل الأطعمة التي تدعم صحة الأمعاء الخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة والمكسرات والبذور، لما توفره من ألياف متفاوتة الأنواع والخصائص.
وتشير مراجعة منهجية للأبحاث المنشورة حتى فبراير 2020 إلى أن 35 دراسة تدخلية شملت 1080 مشاركًا أظهرت آثارًا مفيدة محتملة لتناول الحبوب الكاملة والألياف في تركيب الميكروبات المعوية، مع زيادة بعض أنواع البكتيريا النافعة في عدد من الدراسات.
وتعمل الألياف بطرق مختلفة؛ فبعضها يساعد على زيادة حجم البراز وتسهيل حركته، بينما تصل أنواع أخرى إلى القولون حيث تستخدمها البكتيريا في عمليات التخمر، منتجة أحماضًا دهنية قصيرة السلسلة، من بينها الزبدات، التي ترتبط بوظائف مهمة في البيئة المعوية.
ومن المصادر العملية لهذه الألياف الشوفان والشعير والفاصولياء والعدس والحمص والتفاح والخضراوات والبذور، مع أهمية تنويع الأنواع بدل الاعتماد على طعام واحد.
ويوصي المختصون بزيادة الألياف تدريجيًا مع شرب كمية مناسبة من السوائل، لأن الزيادة المفاجئة يمكن أن تسبب الغازات والانتفاخ لدى بعض الأشخاص، خصوصًا الذين يعانون اضطرابات هضمية.
وبجانب صحة الأمعاء، يبرز فيتامين «سي» بوصفه عنصرًا غذائيًا ضروريًا لتكوين الكولاجين والتئام الجروح ودعم وظائف الجهاز المناعي والمساعدة على امتصاص الحديد الموجود في الأغذية النباتية.
وعلى الرغم من ارتباط البرتقال الشائع بفيتامين «سي»، فإنه ليس المصدر الغذائي الأعلى لهذا الفيتامين في جميع الحالات.
وتوضح بيانات مكتب المكملات الغذائية التابع للمعاهد الوطنية الأمريكية للصحة أن نصف كوب من الفلفل الأحمر الحلو النيئ يوفر نحو 95 ملغ من فيتامين «سي»، مقارنة بنحو 70 ملغ في حبة برتقال متوسطة الحجم.
كما توفر ثلاثة أرباع كوب من عصير البرتقال نحو 93 ملغ، بينما يحتوي نصف كوب من الفلفل الأخضر الحلو النيئ على نحو 60 ملغ، وحبة كيوي متوسطة على نحو 64 ملغ، ونصف كوب من البروكلي المطهو على نحو 51 ملغ، ونصف كوب من الفراولة على نحو 49 ملغ.
وتوضح هذه المقارنة أن الفلفل الأحمر يتجاوز البرتقال في كمية الفيتامين وفق أحجام الحصص المذكورة، لكن المقارنة لكل 100 غرام قد تعطي ترتيبًا مختلفًا عن المقارنة بين الحصص المعتادة.
وتُعد الجوافة أيضًا مصدرًا غنيًا بفيتامين «سي»، وتختلف كميته فيها بحسب الصنف والحجم وطريقة قياس الحصة، فيما توفر فواكه وخضراوات أخرى، مثل الكيوي والبروكلي والفراولة وبراعم بروكسل، كميات مهمة من الفيتامين ضمن نظام غذائي متنوع.
ويجب الانتباه إلى أن فيتامين «سي» حساس للحرارة والذوبان في الماء، ولذلك يمكن أن يؤدي التخزين المطول والطهي في كميات كبيرة من الماء إلى خفض محتواه في الطعام، بينما يساعد تناول بعض المصادر نيئة أو استخدام طرق طهي قصيرة على تقليل الفقد.
ولا تعني زيادة كمية الفيتامين في طعام معين ضرورة تناول المكملات الغذائية، إذ يستطيع معظم الأشخاص الحصول على احتياجاتهم من خلال نظام غذائي متوازن، وتختلف الحاجة إلى المكملات بحسب الحالة الصحية والتغذية وتوصيات الطبيب.
أما المغنيسيوم، فهو معدن أساسي يشارك في مئات التفاعلات الحيوية، ويسهم في عمل العضلات والأعصاب وتنظيم مستويات السكر في الدم وضغط الدم، كما يدخل في بناء البروتين والعظام والحمض النووي.
وتشير بيانات المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة إلى أن الاحتياجات اليومية الموصى بها للبالغين تبلغ نحو 400 إلى 420 ملغ للرجال و310 إلى 320 ملغ للنساء، مع اختلاف الاحتياجات خلال الحمل والرضاعة وبحسب العمر.
ويمكن الحصول على المغنيسيوم من المكسرات والبذور والبقوليات والحبوب الكاملة والخضراوات الورقية، إضافة إلى بعض منتجات الألبان والأطعمة المدعمة.
لكن المكملات تحتوي على أشكال كيميائية مختلفة من المغنيسيوم، ولا تتساوى هذه الأشكال في قابلية الذوبان والامتصاص أو تأثيرها في الأمعاء.
وتوضح المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة أن سترات المغنيسيوم وكلوريده ولاكتاته وأسبارتاته تميل إلى الامتصاص بصورة أفضل من أكسيد المغنيسيوم في الدراسات الصغيرة المتاحة، ويرتبط ذلك جزئيًا بقابلية ذوبان المركب.
ويُستخدم أكسيد المغنيسيوم في بعض المكملات، كما يدخل في مستحضرات علاج الإمساك والحموضة، لكنه أقل امتصاصًا عمومًا من بعض الأشكال الأخرى، ويمكن أن يسبب الإسهال أو اضطرابات هضمية لدى بعض المستخدمين.
أما سترات المغنيسيوم، فتُستخدم في بعض المكملات، كما تدخل في مستحضرات ملينة للأمعاء، ولذلك ينبغي الانتباه إلى الجرعة والغرض من الاستخدام، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون اضطرابات في حركة الأمعاء.
ويُسوَّق غليسينات المغنيسيوم، المعروف أيضًا باسم بيسغليسينات المغنيسيوم، باعتباره خيارًا مناسبًا لمن يرغبون في تقليل الآثار الهضمية، لكن الأدلة المقارنة عالية الجودة التي تثبت تفوقه في تحسين النوم أو القلق أو غيرهما من الأعراض لا تزال محدودة، ولا ينبغي التعامل مع الادعاءات التسويقية بوصفها نتائج محسومة.
ويُعد كلوريد المغنيسيوم من الأشكال المتاحة في المكملات، بينما تختلف الاستخدامات الطبية للمركبات الأخرى بحسب تركيبها وتركيزها وطريقة تحضيرها.
ومن النقاط المهمة عند مقارنة المنتجات أن ملصق المكمل يوضح عادة كمية المغنيسيوم العنصري، وهي الكمية التي ينبغي اعتمادها عند حساب الجرعة، وليس الوزن الإجمالي للمركب الكيميائي الذي يحتوي عليه.
وتحذر المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة من أن الجرعات العالية من المغنيسيوم القادم من المكملات والأدوية قد تسبب الإسهال والغثيان وتقلصات البطن، كما يمكن أن تتداخل مكملاته مع بعض المضادات الحيوية وأدوية أخرى.
ويزداد خطر تراكم المغنيسيوم لدى المصابين بضعف وظائف الكلى، لأن الكليتين تؤديان دورًا رئيسيًا في التخلص من الكميات الزائدة منه، ولذلك يحتاج هؤلاء إلى استشارة طبية قبل تناول المكملات.
ولا يوجد نوع واحد من المغنيسيوم يناسب جميع الأشخاص؛ فالاختيار يعتمد على سبب الاستخدام، وكمية المغنيسيوم العنصري، وتحمل الجهاز الهضمي، والأدوية المستخدمة، والحالة الصحية العامة.
وتشير الأدلة مجتمعة إلى أن دعم صحة الأمعاء يبدأ بتنويع الأطعمة الغنية بالألياف وإدراج الأطعمة المخمرة المناسبة، وأن الحصول على فيتامين «سي» لا يتطلب الاعتماد على البرتقال وحده، فيما يستلزم اختيار مكملات المغنيسيوم فهم الفروق بين المركبات والجرعات والاحتياجات الفردية.
وتبقى الأغذية المتنوعة المصدر الأساسي للعناصر الغذائية لدى معظم الأشخاص، بينما تُستخدم المكملات عند وجود حاجة غذائية أو طبية واضحة، مع تجنب الجرعات المرتفعة أو الاعتماد على ادعاءات غير مثبتة بشأن النوم أو الهضم أو المناعة.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا