ضرب بالقبضات وانسحاب وفود.. قمة نيويورك تناقش «أزمات الطاقة» والنزاعات الإقليمية - عين ليبيا

تناقلت وسائل إعلام تركية مقطع فيديو يوثق لحظة مغادرة الوفد الإسرائيلي لمقر اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بالتزامن مع إلقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كلمته الرسمية، وسط تقارير تفيد بأن الوفد لم يتحمل الاستماع إلى الحقائق والانتقادات المتعلقة بالوضع في قطاع غزة.

وذكرت وكالة الأناضول أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وجّه هجوماً لاذعاً ضد ما وصفه بالمجازر وحرب الإبادة المستمرة في القطاع، مشيراً إلى أن غزة تمثل أكثر معسكرات الاعتقال الجماعي وحشية وعاراً على الإنسانية في العصر الحالي، ومضيفاً أن أعداد القتلى تجاوزت ألف وخمسمائة شخص حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار الذي أُبرم بجهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومشاركة الدول المعنية.

وأوضح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في كلمته أن الحكومة الإسرائيلية ترفض إنهاء الاحتلال بالرغم من قبول حركة المقاومة الفلسطينية الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام، لافتاً إلى أن الضفة الغربية تواجه أسوأ مراحل الإرهاب الاستيطاني، فضلاً عن منع المسلمين والمسيحيين من الوصول إلى الأماكن المقدسة في القدس ومحاولات تقويض عمل وكالة الأونروا، مع تجديد دعوته لكافة الدول التي لم تعترف بعد بفلسطين إلى إعادة النظر في قراراتها، ومشيراً إلى غياب الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن القاعة للعام الثاني على التوالي.

وفي سياق متصل، أصدر وزراء خارجية مصر وقطر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية بياناً مشتركاً عقب اجتماعهم في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة، طالبوا فيه إسرائيل بالالتزام الفوري بتعهدات المرحلة الأولى من الخطة الشاملة الخاصة بغزة وضمان وصول المساعدات الإنسانية وإمدادات التعافي المبكر بشكل آمن ودون عوائق، مؤكدين أن خارطة الطريق توفر إطاراً لتنفيذ مرحلتها الثانية بما يشمل حصر السلاح والانسحاب الإسرائيلي الكامل ونشر قوة الاستقرار الدولية.

وعلى الصعيد الميداني والدبلوماسي الواسع، تواصلت لليوم الثاني أعمال المداولات العامة رفيعة المستوى للدورة الحادية والثمانين وسط أجواء جيوسياسية مشحونة وترقب دولي، حيث شهدت أروقة المنظمة حضور الرئيس السوري أحمد الشرع الذي ألقى كلمة أكد فيها أن بلاده بدأت رحلة التعافي والنهوض وتوحدت من شمالها إلى جنوبها ورفعت عنها العقوبات، موضحاً أن الحكومة تعمل على حصر السلاح وإعادة توحيد الجيش وتفكيك تسعين شبكة دولية للإتجار بالمخدرات والبشر.

كما أكد الرئيس السوري التزام بلاده باتفاق عام 1974 ورفضها محاولات إسرائيل الدائمة لفرض الأمر الواقع، داعياً إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي السورية ومحذراً من تهديدات أمنية جديدة جراء السياسات المتبعة وفقاً لأحداث 7 أكتوبر، ومشدداً على أن قضية الجولان السوري ليست قابلة للنقاش.

وفي ملف النزاع الأوكراني والدبلوماسية الدولية، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يريدان إنهاء النزاع، مؤكداً أنه سيعمل على إنهائه بأسرع مما يتوقع الكثيرون ومناقشة إنتاج صواريخ باتريوت مع زيلينسكي، بينما شهدت أروقة الأمم المتحدة سجالات دبلوماسية مكثفة وتصريحات لافتة لقادة دول البرازيل وفرنسا وليتوانيا وإيران وسط مساعٍ دولية واسعة لاحتواء الأزمات العالمية المتصاعدة خلال الفترة الممتدة من الثاني وعشرين إلى الثامن وعشرين من سبتمبر أيلول الجاري.

وخلف القشرة الدبلوماسية الرقيقة، عاشت قاعة الأمم المتحدة سيلًا من التوترات الميدانية التي وثقتها وسائل الإعلام الغربية كلحظات فارقة؛ إذ فجر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أولى المواجهات الدبلوماسية العلنية عندما هاجم الحكومة الكوبية بحدة ووصفها بالدولة الفاشلة تماماً، ما دفع الوفد الكوبي للانسحاب فوراً من الجلسة والاحتجاج علنا عبر الفضاء الرقمي.

ولم تقف الإثارة عند حدود الانسحابات، بل امتدت إلى لغة التهديد المباشر، حيث حمل الخطاب الأمريكي تخييرا حاسما لطهران بين صياغة اتفاق ثنائي مباشر أو مواجهة الإبادة التامة، وفي المقابل، اصطدمت هذه الواقعية الجيوسياسية بصرخة أوروبية دوت في القاعة عندما ضرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منصة الخطابة بقبضته، معلنا بلهجة حادة أن المشهد الإنساني في غزة يخجلنا جميعا، معتبرا التراخي الدولي ترويجاً لشريعة الغاب ونظاماً جديداً للإفلات من العقاب.

وتجمع التحليلات الصحفية الغربية على أن كواليس هذا العام تشهد محاولة لإعادة صياغة نظام دولي شبيه بمؤتمر يالطا التاريخي، يهدف بالدرجة الأولى إلى إدارة التنافس الاقتصادي والعسكري المباشر بين القوى العظمى خارج الأطر الأممية الكلاسيكية التي باتت تواجه أزمة شرعية حقيقية، وهذا الانقسام الحاد برز بوضوح في خطابات القادة؛ حيث حذر الأمين العام أنطونيو غوتيريش في خطاب الوداع من التآكل المرعب للمعايير والقوانين الدولية، منتقدا توهم بعض القوى بأن قوتها خارقة.

وفي ذات السياق الإقليمي، جاء خطاب العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني كأحد أقوى الخطابات التحذيرية، واصفا الأطماع التوسعية للحكومة الإسرائيلية بأنها تحولت إلى تهديد إقليمي ملموس يتجاوز حدود فلسطين ليمس الأمن القومي لدول الجوار وجنوب سوريا، وعلى جانب آخر، رصدت التقارير التحليلية اصطداما خفيا حول ملامح السيطرة على المستقبل، فبينما أطلق الأمين العام للأمم المتحدة تحذيرات مشددة حول مخاطر الذكاء الاصطناعي غير المنضبط، واجهت هذه الرؤية رفضا ضمنيا من الإدارة الأمريكية الحالية.

ويرى المحللون الغربيون أن واشنطن تنظر إلى أي قيود أو كوابح دولية تُفرض على تطوير الذكاء الاصطناعي على أنها تراجع طوعي يمنح الصين تفوقاً تكنولوجياً مجانياً؛ وهو ما يعكس كيف تحولت الخوارزميات وممرات التجارة البحرية في مضيق هرمز والبحر الأحمر إلى أسلحة مواجهة رئيسية تُناقش كواليسها في أروقة نيويورك بالتوازي مع لغة الرصاص، وفي ذات الإطار، شهدت أروقة الجمعية العامة لقاء عاصفا وقصيرا لم يتجاوز الـ 40 دقيقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفلاديمير زيلينسكي.

ورغم الصبغة الدبلوماسية المعتادة، فإن القراءات والتحليلات الصادرة عن مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام العالمية وروسيا وضعت هذا اللقاء تحت مجهر التدقيق، لتكشف عن معركة خفية من الضغوط، والمناورات الاقتصادية، وإملاءات الغرف المغلقة؛ حيث أشار المحللون إلى أن محطة زيلينسكي في أيرلندا ولقاءه بمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف قبيل وصوله نيويورك، شهدت وضع قواعد سلوك محددة أبلغ بها زيلينسكي مباشرة لمنع تجاوزه الخطوط الحمراء، وهو ما فسر ظهوره هادئا ومستمعا في معظم وقت اللقاء.

ويرى التحليل الروسي الذي قدمه المحلل السياسي ألكسندر دودتشاك أن واشنطن تدير الصراع كنموذج استثماري مربح، حيث يتلقى المجمع الصناعي العسكري الأمريكي طلبات تسليح ضخمة، وتتحول أوروبا لمستهلك رئيسي للطاقة والسلاح الأمريكي، بينما تقع الكلفة البشرية والاقتصادية بالكامل على عاتق أوكرانيا والدول الأوروبية، ومن جانبها، ركزت شبكة سي إن بي سي الإخبارية على البعد الاقتصادي الحرج الذي هيمن على المحادثات، مفسرة أسباب الضغط الأمريكي والمتمثل في ضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشدة لوقف الهجمات الأوكرانية بالمسيرات على مصافي التكرير الروسية، كونه يرى أنها تتسبب في هزات بقطاع الطاقة العالمي، ورفعت أسعار وقود الديزل داخل الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية تشكل عبئا سياسيا داخليا.

وفي المقابل، واجه زيلينسكي هذا الضغط بطرح صيغة مشروطة لهدنة طاقة متبادلة، مفادها الاستعداد لوقف استهداف المصافي والناقلات الروسية، بشرط أن تتوقف موسكو تماما عن قصف البنية التحتية لشبكات الكهرباء والتدفئة الأوكرانية مع اقتراب فصل الشتاء، رافضاً أي تقديم لتنازلات من طرف واحد، بينما وضعت شبكة فوكس نيوز يدها على الجوهر السياسي للخلاف بين الطرفين، واصفة اللقاء بأنها مواجهة بين رؤيتين متناقضتين تماما لإنهاء الصراع، حيث يرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الحرب أزهقت أرواحا لا حصر لها وهزت استقرار العالم، والحل الأمثل والوحيد هو فرض صفقة تسوية سريعة جدا تنهي النزاع فورا، بينما يرى الجانب الأوكراني أن أي تسوية سريعة ومستعجلة لا تتضمن ضمانات أمنية صارمة ومكتوبة لكييف، لن تكون سوى صيغة استسلام مقنعة وغير مقبولة.

وقدمت شبكة الأبحاث والتحليل الجيوسياسي رين نظرة استخباراتية حول أدوات الضغط المتاحة وصعوبة التطبيق على أرض الواقع، مبينة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يستند في مفاوضاته الحالية إلى تشريعات أمريكية قوية، أبرزها قانون العقوبات الجديد والمعروف بقانون ليندسي غراهام، والذي يمنحه صلاحيات واسعة لفرض تعريفات جمركية عقابية تصل إلى 100% على مشتري الطاقة الروسية، مستخدماً إياها كعصا غليظة لإجبار الأطراف على التهدئة، في حين تتفق تحليلات الشبكة مع الرؤية الروسية في أن الحسابات الميدانية لموسكو تسير بشكل مستقل تماما، فمن المستبعد جدا أن تتجاوب روسيا مع أي صيغة تفاهمات أمريكية أوكرانية مسبقة، خاصة وأن الكرملين يمضي في تحقيق أهدافه العسكرية والضغط على قطاع الطاقة الأوكراني قبيل الشتاء دون اللتفات لإملاءات واشنطن أو شروط كييف.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا