فزان.. متلازمة السلبية والتبعية - عين ليبيا

من إعداد: د. إسماعيل علي الشريف

” شكل إستمرار حالة الإنسداد السياسي والإنقسام المؤسساتي وتشعباتها ضغوطاً إقتصادية وإجتماعية هائلة على إقليم فزان المصاب أصلاً بمتلازمة سلبية أهله تجاه إنتزاع حقوقه وتبعية إدارية مطلقة للمركز تجرده من التفاعل .. وخلَق واقعاً مشوهاً ومعقداً ويبعث على القلق تجاه مستقبله واستقلاليته ودور أبنائه في عملية إعادة بناء دولة ليبية جامعة وعادلة ومستقرة  “.

 السؤال المشروع: هل فزان صنيعة واقعها أم الواقع صنيعة أهلها؟

تاريخياً لم يتجاوز في أي مرحلة زمنية سكان فزان نسبة 10% من إجمالي سكان ليبيا في إشارة إلى محدودية المورد البشري علاوةً على شح الإمكانات والموارد والطبيعة الجغرافية القاسية .. لكن الدور الوطني الجهادي والسياسي لرجالاتها إبان الحقبة الإستعمارية ومراحل الفقر المدقع في ليبيا ليس محل تشكيك أو جدل .. وكان إسهام فزان في الحفاظ على وحدة ليبيا ونيل إستقلالها قوياً وجلياً ومشهوداً .. برغم الفرضيات والإدعاءات بكون (تثليث) الدولة الليبية إلى ثلاث أقاليم تاريخية متعادلة سياسياً (طرابلس، برقة، فزان) هو تحصيل حاصل لمرحلة تصفية الإستعمار ونشؤ الدولة الوطنية المستقلة.

بالمقابل ورثت فزان واقعاً مضنياً وتركة متراكمة من الإهمال والتهميش والتخلف التنموي وترسيخ التبعية للمركز على مدى نيف وستين عاما (أو تحديداً منذ إلغاء النظام الإتحادي عام 1963) نتيجة أنماط وسياسات الدولة شديدة المركزية وهي السمة السائدة للإدارة السياسية والإقتصادية والأمنية خلال الحقب السياسية التاريخية الثلاث (المملكة، الجمهورية/الجماهيرية، فبراير) .. إلا أن الصورة ازدادت قتامةً خلال مرحلة فبراير نتيجة تفكك الدولة وانزلاقها للصراعات وتعمق التدخلات الأجنبية وفشل عملية إعادة بناء الدولة واستمرار حالة عدم الاستقرار.

تشكل فزان مجموعة من التناقضات الفارقة .. ففي حين يؤمن حقل الشرارة النفطي وحده ربع الناتج النفطي المحلي، لا زال الجنوب يتزود بالوقود عبر صهاريج سيارة أشبه بقوافل المساعدات والإغاثة مع تطبيق برنامج رفع الدعم (بصورة قسرية) في أغلب الأوقات نتيجة آلية عبثية لبيع الوقود للمستهلك تتجاوز أضعاف سعره المورد به من الشمال بمئات المرات .. غيرت البنزين والديزل سلوك البشر هناك بقسوة نتيجة المطاردة اليومية لتأمين لترات الوقود للحركة والتنقل .. ناهيك عن ضغوطات تردي جودة الخدمات وتهالك البنية التحتية (ماء الشرب، الكهرباء، الصرف الصحي، الطرق، التعليم، الخدمات الصحية).

تبعية متوحشة تربط فزان بمركز السلطة والقرار .. يرهن جل سكانها معيشته بمرتبات الوظائف الحكومية المرسلة من وزارة المالية في العاصمة برغم وجود 25 بلدية تتمترس خلف لافتات وزارة الحكم المحلي العتيدة .. لم ينجُ إلا القليل من السكان من فخ الفقر بامتلاك مزارع منتجة أو رعاية الحيوان .. في حين استغنت نخبة أخرى وشريحة محدودة عن أموال الحكومة إلى الإثراء من عوائد تهريب كل ما تصله الأيادي من الأخضر واليابس.     

التبعية والسلبية: من أنتج الآخر؟

فقدت فزان أوراق التأثير في المشهد السياسي الليبي عقب نزاع 2011 وتداعياته السياسية والإقتصادية والأمنية والإجتماعية وتحولت الى مجرد كيان مسلوب القرار مفعول به غير قادر على الفعل والتأثير .. وفي أفضل الأحوال يتم إظهاره كعنصر مكمل ضمن مسار التفاهمات والصفقات أو حتى الصدامات بين قوى غرب ليبيا وشرقها .. في لحظة مكاشفة وجدت فزان أن ليس لديها أية أوراق تفاوضية في معركة الغنائم وإدارة النفوذ والثروات .. طغت ثقافة الإستسلام للواقع المأزوم على تفكير نخب وعموم أهل فزان كلٍ من منظوره الخاص وتنامت السلبية كسلوك وموقف .. وصار البحث عن الأمن والأمان هو الأولوية ولو كان على حساب جودة المعيشة والكرامة الإنسانية .. تداخلت بشكل محزن ومتشابك التبعية للآخر والسلبية في إتخاذ ردود فعل ومواقف حاسمة لإستعادة الحقوق وشكلت فلكاً يدور في مجاله الإقليم .. فالسلبية هي ما أضاع حقوق فزان وانتهت إلى التبعية .. وواقع التبعية رسخ السلبية.

أكبر أخطاء نخب فزان وقواها السياسية والثقافية والإجتماعية في سعيها لمحاولة تموضع فزان واستعادة دورها التاريخي الوطني ضمن المشهد السياسي، هو التعاطي مع الأزمة الليبية بروح العاطفة إلى درجة السذاجة في عديد الأحداث المفصلية .. ظلت الفكرة والمقاربة المتبعة لبقاء فزان ضمن حسابات المعادلة الوطنية هو مجرد حصولها وتمثيلها ببعض المقاعد أثناء (بازار) تقاسم السلطة وفق صيغة مشوهة من المحاصصة .. السلبية (الممزوجة) بالعواطف ايضا هي من أمَن إفلات ممثليها في السلطة التشريعية وما يتبعها من المحاسبة .. ذاب النواب في ملذات المصالح الشخصية واحتوتهم شبكات النفوذ حتى انفصلوا تماما عن القواعد الشعبية التي انتجتهم.

في تقديري أن الأولوية التي ينبغي أن يتم تبنيها لأي حراك لنخب فزان لانتزاع حقوقها وإستعادة دورها الوطني والتاريخي وضمان حسابها في أي معادلة وطنية يقوم أولاً على تغيير منهج التفكير التقليدي الذي يكرس الصورة النمطية عن فزان: الجزء الأضعف والمطيع والتابع .. هناك ضرورة ملحة لاعتماد التقييم الاستراتيجي كمنهجية للتعاطي مع تحديات فزان ضمن المخاطر الوجودية التي تتعرض لها ليبيا وتستهدف سيادتها وإستقلالها ووحدتها وأمنها وإستقرارها .. فالتعامل بالعواطف والنوايا والشعارات الجميلة والطيبة لن يغير من الواقع شيئا ولن يكبح جماح ونفوذ القوى المحلية المتنفذة وبالمثل لن يسترعِ انتباه القوى الإقليمية والدولية ذات المطامع والأجندات في إقليم فزان .. سيكون انتحاراً وسذاجة أن تتعاطي مع الأزمات السياسية والتحديات الوجودية بحسن النوايا والتنازلات المجانية أو ردود الافعال المتشنجة في غياب تقييم ذاتي لما نملك من إمكانات وأدوات وما نستطيع أن نفعل ونؤثر به محلياً وإقليمياً ودولياً.

خيارات فزان المتاحة

أمام طوفان الهجرات الإفريقية إلى فزان وعبرها للشمال وملامح التوطين .. وإنحسار أهلها وغياب حلول سياسية محلية أو دولية للخروج من المأزق ليس لدى فزان الكثير من الوقت والأدوات للبقاء في (الحسبة) الوطنية .. تحتاج فزان (مكرهة) إلى قرارات شجاعة والإصطفاف للحزب الذي يمنحها قدرها ودورها على أساس المصلحة المشتركة .. أي ثمن (إستراتيجي) مقابل الحصول على الحقوق السياسية والتنموية للإقليم سيكون مبرراً دفعه .. وتذويب أو تجميد خلافات المكونات الثقافية والإجتماعية (الطوارق والتبو والعرب بتركيباتهم الداخلية) ستكون شرطاً للتفاوض .. أما إنتظار فزان أن يحل السلام والعدل في غرب ليبيا الملتهب والمتشظي حتى يتم النظر في مظلوميتها فهو ضرب من الخيال .. فكيانات فسيفساء إقليم طرابلس (مصراته، الزاوية، الزنتان، ورشفانه، الجبل، وبعض من طرابلس) لا تشغلها شواغل فزان فهي منشغلة بمعارك النفوذ والغنائم والإفلات من الجنايات الدولية قبل أن يحصل الإنهيار الشامل أو الغضب الإلهي الكامل.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا