قرارات عشوائية وفقر يهدد «80%» من المواطنين.. تحذيرات عاجلة من كارثة معيشية في ليبيا - عين ليبيا
يعيش الاقتصاد الليبي على وقع أزمة حادة تتسم بتذبذب المستويات المعيشية واهتزاز الأسواق المحلية، وسط فجوة واسعة بين سعر صرف الدينار في السوق الرسمية ونظيره في السوق الموازية التي تلقي بظلال ثقيلة على حركة التجارة والأسعار، وتتداخل هذه التحديات مع تراجع القوة الشرائية وتآكل مدخرات الأسر بفعل موجات الغلاء، ما يخلق تشوهات اقتصادية تضر بالمستهلك والتاجر على حد سواء وتفرض أعباء معيشية مضاعفة تتفاعل مع أزمات البنية التحتية لتزيد من معاناة المواطنين في مختلف المدن، في وقت تترقب فيه الأوساط الاقتصادية خطوات فاعلة للسيطرة على سعر الصرف وتوفير السيولة والعملة الأجنبية وسط مطالبات بتبني خارطة حلول عاجلة لإصلاح اختلالات السوق وحماية الطبقات محدودة الدخل.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد يوسف درميش، مشرف الملف الاقتصادي والاجتماعي سابقًا بالمركز القومي للدراسات والبحوث العلمية، في تصريح لـ«عين ليبيا»، أن الاقتصاد الليبي لا يعاني من الشح في الموارد والأموال لكونه يملك إمكانيات وموارد متاحة، بل يعاني من سوء إدارة الموارد والأموال إلى جانب الانقسامات التي زادت من حدة مشكلة الاقتصاد وسبب التذبذب المستمر واهتزاز الأسواق المحلية.
وأوضح درميش أن انعكاسات الفجوة الواسعة بين سعر صرف الدينار في السوق الرسمية ونظيرتها السوق السوداء الموازية على الأسعار وحركة التجارة تعود إلى عدم قيام البنك المركزي بدوره الحقيقي والتنسيق مع أدوات السياسة الاقتصادية التجارية والمالية، مشيراً إلى أن المحتكر ما زال يلعب كما يشاء في السوق ويضع السعر الذي يريده للدولار في السوق السوداء لكون اقتصاد ليبيا محتكراً من قلة، في غياب البنك المركزي وعدم قيامه بدوره كمؤسسة بنكية للقضاء على الاحتكار ووضع سعر صرف يتناسب مع مستوى دخل الفرد وإمكانيات الدولة.
وأشار إلى أن التقلب المستمر وتراجع قيمة الدينار ليست وليدة اللحظة بل بدأت من تخفيض قيمة الدينار سنوات 1999 و2002 والتي أدت إلى زيادة حدة التشوهات في الاقتصاد الليبي مثل أزمة الإسكان وانخفاض فرص العمل وانخفاض مستوى دخل الفرد، مبيناً بالمختصر المفيد أن أي إصلاح اقتصادي ما لم يأخذ كل العوامل والمتغيرات سوف تكون نتائجه كارثية على المجتمع.
وأوضح أن التركيز في ليبيا دائماً ينصب على تخفيض الدينار وفرض رسوم وضرائب ينجم عنه تضخم أقام الميزانية العامة وتكدس العاملين في القطاع العام الناجم عن اتباع سياسات الانكماش وفرض الضرائب، وهو ما يؤدي إلى زيادة وتغول الاحتكار وخروج مشروعات العمل ذات رأس المال الصغير والمتوسط لعدم قدرتها على المواجهة في السوق، مما يرفع الطلب على العمل في القطاع العام وزيادة رقم المرتبات.
وبيّن أن ما يقوم به البنك المركزي من إجراءات أحادية الجانب ما زالت دون المستوى في كل جوانبها بالرغم من ضخ العملة الصعبة ولكن بدون وضع آليّة لكبح الاحتكار والقضاء عليه، إضافة إلى رفع القيود عن الإيداع والسحب وتوفير السيولة للزبائن في كل وقت، مؤكداً بالمختصر المفيد أن البنك المركزي ما زال لم يقم بدوره الحقيقي كمؤسسة بنكية وأداة نقدية كجزء من سياسة اقتصادية للدولة.
وأكد درميش أن موجة غلاء الأسعار والتضخم سببها تخفيض قيمة الدينار وفرض رسوم وضرائب عدة مرات دون الأخذ في عين الاعتبار تداعيات هذه القرارات العشوائية غير المدروسة التي تنجم عنها استنزاف مدخرات الناس وزيادة التضخم وفقر المواطن الليبي، لافتاً إلى أن هذا الإجراء تكرر في العشر سنوات الأخيرة ثلاث مرات.
وذكر أن كل القرارات العشوائية سببت مشاكل كبيرة للمواطن وزادت من نسبة الفقر التي وصلت إلى نحو 80% حسب جدول المرتبات المعمول به الآن، أما عن تأخير صرف المرتبات فأوضح أنه يجب قول الحقيقة بأنها تصرف في حينها كل نهاية شهر بالأمانة ولا يوجد بها تأخير.
وفيما يخص البنية التحتية، أوضح أنها ما زالت دون المستوى وتحتاج إلى برامج عملية تستغرق من ثلاث إلى خمس إلى عشر سنوات وكذلك استقرار وإرادة سياسية، بالرغم من وجود برامج إعمار حالياً تحت التنفيذ والصيانة واضحة للجميع في بعض المدن وغالبيتها في المستوى الجيد بالرغم من محاربة بعض العقول أصحاب الأفق الضيق لها والتحريض على إيقافها بحجة الانفاق المنفلت وعدم وجود ميزانية.
واختتم درميش بالتأكيد على أن الخارطة التي يجب اتباعها الآن في ليبيا هي إدارة الأزمة بالتنسيق ما بين السياسات التجارية والمالية والنقدية كسياسة اقتصادية واحدة، ووضع خطة استراتيجية لمتابعة الأحداث ساعة بساعة وكل يوم بيومه والتعامل مع المتغيرات الطارئة بشكل سريع ومباشر، ووضع خطة للقضاء على الاحتكار الذي هو سبب ما نحن فيه، إضافة إلى قيام مؤسسات الدولة بدورها الحقيقي كما خولها القانون والابتعاد عن سياسات الانكماش وفرض الضرائب وتخفيض قيمة الدينار بحجة الاستدامة والأجيال القادمة والوعاء لا يحتمل ومصطلحات عفا عليها الزمن وأصبحت مرحلة من مراحل تطور الفكر الاقتصادي.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا