كروان لـ«عين ليبيا»: اتفاق «4+4» تفاهم سياسي هزيل ولا يمكن البناء عليه - عين ليبيا
أعاد اتفاق لجنة الحوار المصغر «4+4» بشأن استكمال المسار السياسي والتهيئة للانتخابات الرئاسية والتشريعية ملف الشرعية المؤسسية وآليات التنفيذ إلى واجهة المشهد الليبي، خصوصًا مع تباين الترتيبات المتعلقة بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وما يرافق ذلك من خلافات حول المرجعية القانونية القادرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات نافذة.
وقالت عضو المجلس الأعلى للدولة، الدكتورة فوزية كروان، في تصريح لشبكة «عين ليبيا»، إن الاتفاق يمثل، في تقديرها، تفاهمًا سياسيًا «لا يمكن البناء عليه»، لكنه لا يشكل حتى الآن مسارًا انتخابيًا مكتملًا وقابلًا للتنفيذ بذاته.
وأوضحت كروان أن الانتخابات «لا تقوم على مجرد توقيع سياسي»، وإنما تحتاج إلى قاعدة دستورية وقوانين انتخابية نافذة، ومفوضية مستقلة، وسلطة تنفيذية قادرة على بسط نفوذها في كامل البلاد، وبيئة أمنية تضمن قبول النتائج، مشيرة إلى أنه ينبغي النظر إلى الاتفاق باعتباره خطوة أولية، لا وثيقة نهائية منتجة لآثارها القانونية بمجرد التوقيع.
وفي ما يتعلق بالجهة صاحبة القرار النهائي في تشكيل مجلس المفوضية، قالت إن التباين بين توصية اتفاق «4+4» بتسمية السيد ضو إبراهيم الهامي عطية، وبين مرسوم المجلس الرئاسي الذي أبقى السيد عماد السائح رئيسًا للمفوضية، يكشف منذ البداية عن غياب وحدة المرجعية وصاحب الاختصاص.
وأضافت أن من الناحية القانونية، «لا يكفي أن تتفق لجنة سياسية أو أن يصدر مرسوم عن جهة منفردة لإعادة تشكيل مؤسسة سيادية»، موضحة أن المادة (15) من الاتفاق السياسي الليبي أدرجت رئيس وأعضاء المفوضية ضمن المناصب السيادية، وأوجبت التشاور بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن شاغليها، على أن يستكمل التعيين وفق الإجراءات والضمانات المنصوص عليها.
وأكدت كروان أن القرار النهائي «لا ينبغي أن يكون للجنة «4+4» ولا للمجلس الرئاسي منفردًا، وإنما يصدر من خلال المسار المؤسسي الذي يشترك فيه مجلسا النواب والدولة، ثم يستكمل بأداة قانونية صحيحة من الجهة المختصة»، محذرة من أن تحويل توصية سياسية مباشرة إلى قرار تعيين «يضعف استقلال المفوضية بدلًا من أن يعززه».
وبشأن مرسوم المجلس الرئاسي ومدى إلزاميته وقابليته للتنفيذ، قالت كروان: «لا أستطيع أن أتحدث باسم المجلس الأعلى للدولة قبل أن يصدر عنه موقف رسمي»، لكنها ترى أن المرسوم يثير إشكالات جدية من حيث الاختصاص والإجراءات، لا سيما مع إعلان أحد أعضاء المجلس الرئاسي عدم مشاركته في إصداره أو التوقيع عليه، إضافة إلى مخالفته اسم الرئيس الوارد في وثيقة «4+4».
وأوضحت أن المرسوم، حتى وإن نص على نفاذه من تاريخ صدوره، لا يحسم بذاته النزاع حول مشروعية إعادة التشكيل، مشيرة إلى أن «النفاذ الشكلي شيء، والسلامة القانونية والمؤسسية شيء آخر».
وحذرت من أنه إذا باشرت شخصيتان الادعاء بأحقيتهما في رئاسة المفوضية، «فإننا نكون أمام ازدواج جديد داخل المؤسسة التي يفترض أن تكون أكثر مؤسسات العملية الانتخابية استقرارًا وحيادًا».
وشددت على ضرورة معالجة المسألة بتوافق مؤسسي وقانوني واضح قبل الشروع في أي استحقاق انتخابي، «حتى لا تصبح شرعية المفوضية نفسها أول موضوع للطعن في العملية الانتخابية».
وفي ملف شروط الترشح، قالت كروان إن الأصل هو أن حق الترشح من الحقوق السياسية، وألا تُفرض عليه قيود إلا بنص واضح ولأسباب موضوعية ومتناسبة، لكنها أشارت إلى أن منصب رئيس الدولة يختلف عن غيره، لأنه يرتبط بالسيادة والأمن القومي وقيادة القوات المسلحة، ولذلك فإن مسألة ازدواج الجنسية «تحتاج إلى ضمانات سابقة للانتخاب، لا إلى شرط مؤجل إلى ما بعد إعلان الفوز».
وحذرت من أنه إذا فاز المرشح ثم تعذر عليه التخلي عن جنسيته الأخرى، فإن إعادة العملية الانتخابية ستكون مكلفة سياسيًا وماليًا، وقد تدخل البلاد في أزمة دستورية جديدة.
أما بشأن ترشح العسكريين، فأوضحت أن الإشكال لا يتعلق بكونهم مواطنين، وإنما بضمان حياد المؤسسة العسكرية وعدم توظيف السلاح والرتبة والنفوذ في المنافسة السياسية.
ولهذا، بحسب كروان، ينبغي أن يسبق الترشح «خروج فعلي ونهائي من الخدمة العسكرية، لا مجرد إيقاف مؤقت أو شكلي»، مع ضرورة الفصل بين الحق الفردي للعسكري وبين حياد القوات المسلحة باعتبارها مؤسسة وطنية «لا يجوز أن تتحول إلى طرف انتخابي».
وفي تقييمها للفصل بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية وإلغاء الجولة الثانية عند حصول أحد المرشحين على نسبة 50%+1، قالت إن الفصل الزمني بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية قد تكون له مبررات فنية، لكنه يحمل مخاطر سياسية، لأن انتخاب رئيس دون برلمان جديد، أو برلمان دون رئيس، قد يعيد إنتاج اختلال السلطة ويمنح إحدى المؤسستين أفضلية على الأخرى.
ورأت أن الأفضل، متى توافرت الإمكانات، هو إجراء الاستحقاقين بصورة متزامنة أو ضمن جدول زمني متقارب وملزم.
أما حصول المرشح على الأغلبية المطلقة، أي 50%+1 من الأصوات الصحيحة، فهو بطبيعته يحسم الانتخابات من الجولة الأولى، فلا تكون هناك حاجة إلى جولة ثانية، بحسب كروان، التي شددت في الوقت ذاته على ضرورة ضبط احتساب هذه النسبة، وحالات تساوي الأصوات، والطعن، وانسحاب المرشحين أو وفاتهم.
وأضافت أن هذه التعديلات «لا تمنع الطعون تلقائيًا»، موضحة أن الطعون ترتبط أساسًا بوضوح شروط الترشح، وسلامة سجل الناخبين، ونزاهة الاقتراع، وتوحيد القضاء الانتخابي، ووضوح آجال وإجراءات الفصل في المنازعات.
وفي ما يتعلق بمسألة الدستور وما إذا كان ينبغي أن يسبق الانتخابات أو يأتي بعدها، قالت كروان إن ليبيا تحتاج إلى دستور دائم، لكن ربط الانتخابات حصرًا بإقرار الدستور قد يحول الدستور نفسه إلى أداة لتعطيل التداول السلمي على السلطة، في المقابل فإن إجراء انتخابات بلا قاعدة دستورية واضحة قد يعيد إنتاج صراع الشرعيات والصلاحيات.
وترى أن الحل الواقعي يتمثل في «إقرار قاعدة دستورية مؤقتة ومحددة تنظم المرحلة الانتخابية، وتبين شكل السلطة واختصاصاتها ومدتها والعلاقة بين مؤسساتها، مع وضع مسار ملزم لاستكمال الاستفتاء على مشروع الدستور أو معالجة ملفه خلال مدة محددة».
وأكدت أنه لا ينبغي منح البرلمان القادم سلطة مفتوحة وغير مقيدة في ملف الدستور، لأن هذا الملف يتعلق بالسلطة التأسيسية للشعب، وليس بمجرد تشريع عادي، مشددة على ضرورة الحفاظ على حق الليبيين في الاستفتاء على دستورهم وعدم إحلال أي مؤسسة منتخبة محل الإرادة الشعبية المباشرة.
وبشأن إمكانية اعتماد الوثيقة دوليًا في حال رفضها مجلسا النواب والدولة، قالت كروان إن هذا البند يمكن أن يتحول بالفعل إلى وسيلة ضغط على المجلسين، لكنه لا ينبغي أن يصبح وسيلة لإحلال الإرادة الدولية محل المؤسسات الليبية.
وأوضحت أن مجلس الأمن يستطيع دعم التسوية السياسية والدعوة إلى تنفيذها واتخاذ تدابير في نطاق اختصاصاته، لكنه لا يملك، من الناحية الداخلية، أن يحول تلقائيًا وثيقة سياسية إلى قانون انتخابي ليبي أو أن ينقل اختصاصات السلطات الوطنية إلى لجنة غير منتخبة.
وأكدت: «ولا أؤيد تجاوز المؤسسات الليبية، كما لا أؤيد استخدامها حقها في الاعتراض وسيلة لتعطيل الانتخابات إلى أجل غير معلوم»، مشددة على أن المطلوب هو إلزام المجلسين بمدة محددة للنظر في الوثيقة، وأن يكون الاعتراض مسببًا ومصحوبًا ببديل قابل للتنفيذ.
وأضافت أن «القبول غير المشروط بالتدويل أو الرفض المطلق له، كلاهما لا يقدم حلًا مستدامًا».
وفي ما يتعلق بالضمانة الأهم لمنع تأجيل الانتخابات مجددًا، قالت كروان إن الضمانات مترابطة، لكن الأهم هو وجود سلطة تنفيذية موحدة وقادرة على فرض الأمن وتطبيق القوانين في جميع أنحاء البلاد.
وأوضحت أنه «فلا تستطيع المفوضية، مهما كانت محايدة ومهنية، أن تنظم انتخابات وطنية إذا كانت القرارات لا تنفذ في أجزاء من الدولة، أو إذا كانت المؤسسة العسكرية والأمنية منقسمة أو منخرطة في المنافسة السياسية».
وأضافت أن ذلك يأتي بعده الاتفاق على قوانين انتخابية واضحة وملزمة، وضمان حياد المفوضية والقضاء والمؤسستين العسكرية والأمنية، إلى جانب ضرورة أن تتضمن خارطة الطريق تواريخ دقيقة، وآلية لمراقبة التنفيذ، ومنع إجراء تعديلات جوهرية بعد بدء العملية الانتخابية، وضمان قبول النتائج والانتقال السلمي للسلطة.
وختمت كروان بتأكيد أن جوهر الأزمة لا يكمن في غياب المواعيد، قائلة: «المشكلة في ليبيا لم تكن يومًا في غياب المواعيد، بل في غياب الإرادة والضمانات التي تجعل احترامها واجبًا على الجميع».
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا