لغة القوة ستجبرها على الاعتذار.. فورين بوليسي: دور أمريكا في «الشرق الأوسط» انتهى - عين ليبيا
قال رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني إبراهيم عزيزي إن الولايات المتحدة ستضطر إلى مغادرة منطقة الشرق الأوسط وتقديم اعتذار للشعب الإيراني، معتبرًا أن «لغة القوة» هي الوسيلة التي ستجبر واشنطن على تغيير مواقفها تجاه طهران.
وكتب عزيزي في منشور على منصة للتواصل الاجتماعي أن الولايات المتحدة «أثبتت أنها لا تفهم لغة الدبلوماسية»، مضيفًا أن الأمريكيين لن يرفعوا العقوبات المفروضة على إيران، ولن يفرجوا عن الأموال والأصول الإيرانية، ولن يوقفوا ما وصفه بـ«أعمال القرصنة البحرية».
وقال عزيزي: «لكن التاريخ سيثبت أنهم، أمام لغة القوة، لن يجبروا على اتخاذ هذه الإجراءات فحسب، بل سيضطرون أيضًا إلى الاعتذار للشعب الإيراني ومغادرة المنطقة».
وفي تصريحات نقلتها وسائل إعلام إيرانية، شدد رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني على الموقف نفسه، قائلًا إن «لغة القوة» ستجبر الولايات المتحدة، بحسب تعبيره، ليس فقط على رفع العقوبات والإفراج عن الموارد الإيرانية وإنهاء ما وصفه بالقرصنة البحرية، بل كذلك على «الاعتذار للأمة الإيرانية العظيمة ومغادرة المنطقة إلى الأبد».
وتأتي تصريحات عزيزي وسط تصعيد مستمر بين طهران وواشنطن، في وقت تواجه فيه إيران عقوبات أمريكية واسعة وضغوطًا اقتصادية وبحرية، بينما تستمر الاتصالات غير المباشرة بين الجانبين عبر وسطاء في الشرق الأوسط بحثًا عن شروط اتفاق جديد ينهي الصراع.
ترامب يلوّح بالخيارات العسكرية
وتزامنت تصريحات المسؤول الإيراني مع موقف للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إيران، إذ مازح بشأن إمكانية العودة إلى قصفها، مؤكدًا في الوقت نفسه أن انتقال واشنطن إلى استراتيجية الحرب الاقتصادية لا يعني التخلي عن الخيارات العسكرية.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن بدء عملية اقتصادية ضد إيران، واصفًا إياها بأنها «عزل على نطاق غير مسبوق»، ودعا حلفاء واشنطن إلى الانضمام إليها.
وبحسب ما نقلته شبكة CNN عن مسؤولين أمريكيين، تنتقل الولايات المتحدة إلى استراتيجية «خنق» اقتصادي تدريجي لإيران، بدلًا من النهج السابق الذي ارتكز على عملية عسكرية بدأت في نهاية فبراير 2026.
وفرضت وزارة الخزانة الأمريكية، يوم الخميس الماضي، عقوبات جديدة على إيران شملت 21 شخصًا و16 شركة و10 سفن مرتبطة بها، موضحةً أن الإجراءات الجديدة لا تصل إلى مستوى القيود الواسعة التي هدد بها ترامب.
وفي المقابل، أعلنت إيران استمرار ضغوطها الاقتصادية والسياسية على الولايات المتحدة، بالتزامن مع استمرار القيود على صادرات النفط الإيرانية والضغط على حركة الملاحة في المنطقة.
النفط الإيراني تحت الضغط
وأعلن محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي أن صادرات النفط الإيرانية توقفت تقريبًا في ظل الظروف الراهنة نتيجة الحصار والعقوبات، ما يزيد الضغوط على الاقتصاد الإيراني ويؤثر في القدرة الشرائية للمواطنين.
وجاء ذلك بعد انتهاء المهلة المحددة بـ60 يومًا لمذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة في 17 أغسطس، من دون تحقيق تقدم ملموس في المفاوضات، فيما تتمسك طهران، وفق المعلومات الواردة في التقارير الإيرانية، باستمرار إغلاق مضيق هرمز إلى حين التزام واشنطن بشروطها.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن إيران «في ورطة كبيرة»، واعتبر أن جيشها «مهزوم تمامًا»، بينما تعكس تصريحات عزيزي إصرار طهران على مواصلة المواجهة لتحقيق مطالبها، وفي مقدمتها رفع العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة.
«نهاية الشرق الأوسط الأمريكي»
ويتزامن التصعيد السياسي والعسكري مع قراءة أوسع لمستقبل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط.
وفي مقال مطول في مجلة «فورين أفيرز» تحت عنوان «نهاية الشرق الأوسط الأمريكي»، قال أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن مارك لينش إن النظام الإقليمي الذي ساد منذ عام 1991 يقترب من نهايته، وإن الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران شكّلت واحدة من أكبر الضربات لهذا النظام.
ويذهب لينش إلى أن فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في إزاحة النظام الإيراني أثبت، من وجهة نظره، محدودية عقود من العقوبات والعنف، فيما أدى عجز واشنطن عن حماية حلفائها الخليجيين من الهجمات الإيرانية أو إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا إلى تقويض الأساس الأمني الذي قامت عليه شبكة القواعد الأمريكية في المنطقة.
ويرى لينش أن الموقف الإسرائيلي المتزايد تهديدًا، إلى جانب تراجع الحديث عن تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أضعف أيضًا المهمة الأمريكية التي استمرت عقودًا، والمتمثلة في الجمع بين الحلفاء العرب وإسرائيل ضمن شراكة أمنية إقليمية.
وبحسب تحليله، سعت الولايات المتحدة طوال ثلاثة عقود ونصف إلى تثبيت حلفائها المختلفين داخل نظام يقوم على حماية إسرائيل واحتواء إيران والعراق في البداية، ثم إيران وحلفائها من الفاعلين غير الحكوميين لاحقًا.
ويرى أن حرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إيران لم تكن خروجًا عن هذه الاستراتيجية، بل وصلت بها إلى أقصى مداها عبر محاولة إزالة التهديد الإيراني بالقوة دفعة واحدة.
ويعتبر لينش أن صانعي الحرب بالغوا في تقدير قدرة القوة العسكرية على تحقيق أهداف سياسية حاسمة، وقللوا من قدرة الخصوم على التكيف، وافترضوا أن الحلفاء سينضمون تلقائيًا إلى الموقف الأمريكي، متجاهلين الكلفة البشرية للصراعات.
النظام الذي تشكل بعد حرب الخليج
يربط تحليل لينش نشوء النظام الإقليمي الحالي بانهيار الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج عامي 1990 و1991، عندما أصبحت الولايات المتحدة القوة المهيمنة في منطقة كانت لفترة طويلة ساحة تنافس دولي.
وأقامت واشنطن قواعد عسكرية وترتيبات أمنية هدفت إلى احتواء العراق وإيران، وأصبح الدعم العسكري والسياسي الأمريكي أحد الأعمدة التي استند إليها بقاء معظم أنظمة المنطقة.
ولإضفاء شرعية على الدور الأمريكي، دفعت واشنطن باتجاه عملية السلام العربية الإسرائيلية، على أمل دمج الحلفاء العرب وإسرائيل في إطار أمني مشترك.
وبمرور الوقت، انقسمت المنطقة، وفق توصيف لينش، إلى كتلة تقودها الولايات المتحدة وتضم إسرائيل وتركيا وتقريبًا جميع الدول العربية، وكتلة مضادة أقل تنظيمًا تضم إيران وسوريا في عهد عائلة الأسد، إلى جانب فاعلين غير حكوميين مثل حماس وحزب الله والحوثيين.
واستمرت هذه البنية طوال ثلاثة عقود تقريبًا رغم التحولات الكبيرة في السياسة العالمية والإقليمية والأمريكية.
وبحسب الرواية الأمريكية التي يناقشها لينش، وفر هذا النظام مستوى من الاستقرار وحمى مصالح أمريكية أساسية، بينها تجارة النفط وأمن إسرائيل ومكافحة الإرهاب.
لكن الكاتب يرى أن كلفة هذا النظام على شعوب المنطقة كانت مرتفعة للغاية، مشيرًا إلى الحروب التي خاضتها إسرائيل، وانهيار مسار السلام الفلسطيني الإسرائيلي، والحرب في غزة، إضافة إلى العقوبات والقصف والغزو الأمريكي للعراق، والحروب التي ضربت لبنان وليبيا والسودان وسوريا واليمن.
ويرى لينش أن النظام الأمريكي لم يعتمد فقط على ضمانات أمنية للدول العربية، بل ارتبط أيضًا بضمان بقاء حكومات سلطوية، مع إبقاء المطالب الديمقراطية تحت السيطرة.
ويشير إلى أن انتفاضات 2010 و2011 شكلت اختبارًا مهمًّا لهذا الترتيب، لكن معظم الأنظمة المنضوية ضمن المنظومة الأمريكية بقيت في السلطة، فيما شدد بعضها قبضته بعد الاحتجاجات.
كما ينتقد لينش سياسات الإصلاح الاقتصادي التي دعمتها واشنطن، معتبرًا أنها شجعت الخصخصة وساهمت في زيادة نفوذ النخب، بينما دفعت حملات مكافحة الإرهاب بعض الحلفاء إلى توسيع المراقبة وقمع المعارضة.
إيران وإسرائيل داخل النظام القديم
ويعرض لينش إيران وإسرائيل باعتبارهما من أبرز القوى التي استفادت، بصورة مختلفة، من طبيعة النظام الإقليمي.
فالعقوبات الأمريكية والدولية، بحسب تحليله، أضعفت الاقتصاد الإيراني، لكنها ساهمت أيضًا في تعزيز نفوذ الجهات المرتبطة بالنظام التي سيطرت على الأسواق غير الرسمية.
وعلى مدار سنوات، بنت إيران شبكة من الحلفاء غير الحكوميين، واستثمرت في إنتاج صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة منخفضة الكلفة، لتعويض الفجوة في التكنولوجيا العسكرية مقارنة بالخصوم الذين يمتلكون أنظمة أكثر تطورًا وكلفة.
أما إسرائيل، فاستفادت من ضمانات أمنية أمريكية قوية، الأمر الذي أتاح لقادتها، بحسب لينش، التركيز على الائتلافات الحاكمة والخصوم الداخليين بدلًا من معالجة القضية الفلسطينية أو خفض التوترات الإقليمية.
وبعد هجمات السابع من أكتوبر، اتجهت إسرائيل نحو تصعيد عسكري واسع، وازداد استخدام القوة في غزة ولبنان وسوريا، وفق ما يورده الكاتب.
ويشير لينش إلى أن الثقة بالضمانات الأمريكية بدأت تهتز بصورة واضحة منذ عام 2019، عندما لم ترد الولايات المتحدة على الهجوم الذي استهدف منشآت نفطية سعودية ونسب إلى إيران، ثم تجددت الشكوك بعد هجمات الحوثيين بطائرات مسيّرة على الإمارات عام 2022.
اتفاقات أبراهام والانقسام العربي
وفي محاولة لترسيخ النظام الإقليمي، دفعت واشنطن نحو تعاون عسكري وسياسي معلن بين إسرائيل ودول عربية.
وفي عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، توسطت واشنطن في اتفاقات أبراهام عام 2020، التي شملت البحرين والإمارات وإسرائيل، ثم انضم المغرب، بينما وقع السودان اتفاقًا أوليًا لم يستكمل رسميًا.
ويرى لينش أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن أخطأت في تقدير أهمية القضية الفلسطينية لدى الرأي العام السعودي، كما أخطأت في قراءة التنافس بين الرياض وأبوظبي وتنامي المعارضة الشعبية للتطبيع.
ويعتبر أن الحرب في غزة زادت صعوبة مساعي واشنطن لإقناع السعودية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل.
ويشير التحليل إلى استمرار التعاون الإماراتي الإسرائيلي خلال حرب غزة، مقابل مخاوف سعودية من تنامي الشراكة بين أبوظبي وتل أبيب وتأثيرها في موقع الرياض القيادي في المنطقة.
وضاعف ذلك، بحسب لينش، صعوبة تشكيل جبهة إقليمية موحدة خلف الحملة الأمريكية ضد إيران.
الحرب مع إيران واختبار الضمانات الأمريكية
ويرى لينش أن حرب غزة وضعت القيادة الأمريكية للمنطقة أمام اختبار صعب، بينما جاءت الحرب مع إيران لتكشف بصورة أكبر حدود النفوذ الأمريكي.
وبحسب التحليل، شعر قادة الخليج بالغضب لأن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا الحرب من دون التشاور معهم، رغم علمهما بمعارضتهم لها، وفي وقت كانت المفاوضات مع إيران تجري بوساطة عُمانية.
ووجدت دول الخليج نفسها أمام رد إيراني مباشر على حرب لم تشارك في قرار إشعالها.
ورغم حماية أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية لدول الخليج من جانب كبير من الهجمات، اخترقت صواريخ إيرانية هذه الدفاعات وألحقت أضرارًا، الأمر الذي هز صورة الاستقرار التي تقوم عليها اقتصادات المنطقة.
واستهدفت إيران دول الخليج، بما فيها دول تربطها بها علاقات أفضل مثل عُمان وقطر، مع تركيز أكبر على البحرين والإمارات، وهما من الدول الموقعة على اتفاقات أبراهام.
ويرى لينش أن إيران نجحت خلال أسابيع في إلحاق أضرار بقواعد عسكرية أمريكية أو تعطيل أجزاء منها، ما أضعف أحد الأسس التي قامت عليها الهيمنة الأمريكية في المنطقة.
كما أدى فشل الحملة الأمريكية الإسرائيلية في إسقاط النظام الإيراني إلى تراجع ثقة الحلفاء الخليجيين بقدرة واشنطن على تحقيق نتائج عسكرية حاسمة.
ويشير الكاتب إلى أن إغلاق إيران لمضيق هرمز، في ظل عجز الولايات المتحدة عن إعادة فتحه سريعًا، عزز القناعة الخليجية بأن الضمانات الأمنية الأمريكية لم تعد موثوقة بالشكل السابق.
ويخلص التحليل إلى أن المشكلة بالنسبة إلى دول الخليج لم تكن فقط تجاهل واشنطن لمواقف حلفائها، بل اكتشاف حدود قدرتها العسكرية والسياسية.
«هذه المرة مختلفة»
يشبه لينش الحرب مع إيران بـ«لحظة السويس» التي ارتبطت بأزمة قناة السويس عام 1956، عندما حاولت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل السيطرة على القناة في مواجهة مصر بقيادة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
لكن الكاتب يشدد على أن أزمة السويس لم تُنهِ النفوذ البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط فورًا، إذ واصلت فرنسا حربها في الجزائر لسنوات، وظلت بريطانيا قوة رئيسية في الخليج لفترة طويلة قبل انسحابها من المنطقة عام 1971.
ومن هذا المنطلق، يرى أن التداعيات الكاملة للحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران تحتاج إلى وقت حتى تظهر.
ويعتقد أن النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة لن يختفي سريعًا، وأن واشنطن ستواصل أداء دور رئيسي في الدفاع الإقليمي، حتى لو انسحبت من بعض القواعد العسكرية التي تعرضت للدمار.
كما لا يتوقع الكاتب انفصال دول الخليج عن الولايات المتحدة بصورة فورية، في ظل مخاوفها الأمنية وغياب بدائل واضحة، بينما لن تتجه هذه الدول إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل، ولن تقترب من إيران أكثر مما تفرضه مصالحها الأمنية.
ويرى أيضًا أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي لن ينهار سريعًا رغم وجود شرخ بين الطرفين، كما ستواصل الدول العربية علاقاتها العملية مع إسرائيل والاستفادة من التكنولوجيا العسكرية وتقنيات المراقبة الإسرائيلية.
لكن لينش يحذر من الخلط بين الاستمرارية قصيرة الأجل وقدرة النظام على البقاء طويلًا.
ويرى أن النظام الأمريكي في الشرق الأوسط كان يتآكل منذ سنوات بسبب تراكم الإخفاقات السياسية والاستراتيجية، وصولًا إلى فقدان الهدف المشترك وانكشاف محدودية القوة العسكرية الأمريكية في الأزمات الأخيرة.
الحروب المفتوحة وتغير الاصطفافات
بحسب التحليل، لن تستطيع واشنطن منع نشوء نظام إقليمي جديد بمجرد تجاهل التحولات التي حدثت.
ويتوقع لينش أن يستخدم الحلفاء العرب الذين فقدوا الثقة بالولايات المتحدة استقلاليتهم بصورة أكبر، بما يشمل التفاوض مع إيران وتوسيع العلاقات مع الصين وروسيا، إضافة إلى تحركات إقليمية مستقلة في ليبيا والسودان والقرن الإفريقي والعراق ولبنان وسوريا واليمن.
ويرى أن إسرائيل ستواصل تدخلاتها العسكرية رغم التفضيلات الأمريكية، مشيرًا إلى استمرار حربها مع حزب الله، وعدم استعدادها لسحب قواتها من جنوب لبنان، إلى جانب تأكيد مسؤولين إسرائيليين احتفاظ تل أبيب بوجود عسكري في سوريا.
كما يرى أن إيران تملك بدورها دوافع للاستمرار في سياسة إبقاء المنطقة في حالة توتر، لأن الصراع الخارجي يمنح النظام الإيراني أدوات لتبرير سياساته الداخلية واستراتيجية المقاومة أمام الجمهور.
ويشير إلى أن النظام الإيراني بقي قائمًا رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت به خلال الحرب، وأن طهران احتفظت بقدراتها، وأظهرت قدرة على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز واستهداف حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
ويرى لينش أن تراجع قوة حلفاء إيران مثل حزب الله لن ينهي بصورة دائمة قدرة طهران على استخدام حلفائها غير الحكوميين لبسط نفوذها.
كما يتوقع زيادة التنافس الإقليمي بين السعودية والإمارات، بعدما بدأت الرياض، قبل الحرب مع إيران في نهاية فبراير، حشد تحالف يضم مصر وباكستان وقطر وتركيا لموازنة التحالف الإماراتي الإسرائيلي المدعوم أمريكيًا.
ويحذر من أن هذا التنافس يمكن أن يزيد الاضطراب في دول تعاني أصلًا من أزمات، ويوسع نطاق الصراعات في المنطقة.
تداعيات اقتصادية واحتمال عودة الاحتجاجات
ويتوقع التحليل ضغوطًا داخلية متزايدة على حكومات المنطقة مع انتقال التداعيات الاقتصادية للحرب مع إيران إلى اقتصادات تعاني أصلًا من مشكلات.
ويشير لينش إلى مصر بوصفها مثالًا، حيث تتزامن الزيادات في أسعار الوقود والغذاء مع الخسائر الكبيرة في إيرادات قناة السويس بسبب اضطراب الملاحة العالمية، إضافة إلى الأزمات المالية والبطالة.
كما يمكن لدول أخرى أن تتضرر من انخفاض المساعدات الأمريكية والاستثمار الخارجي، فيما تواجه دول الخليج الغنية تحديات اقتصادية خاصة بها.
ويرى الكاتب أن اجتماع الضغوط الاقتصادية مع الغضب الشعبي من الحرب في غزة يمكن أن ينتج حالة شديدة التوتر، وصولًا إلى احتمال ظهور موجة احتجاجات جديدة شبيهة بانتفاضات ما قبل 15 عامًا.
فرصة لإعادة صياغة السياسة الأمريكية
رغم المخاطر، يرى لينش أن انهيار النظام الإقليمي القديم يمكن أن يمنح الولايات المتحدة فرصة لإعادة صياغة سياستها في الشرق الأوسط.
ويقترح التخلي عن إعطاء الأولوية للعلاقات مع الحلفاء السلطويين، وإنهاء الاعتماد على التدخل العسكري باعتباره الخيار الأول، والانتقال إلى سياسة تقوم على الدبلوماسية والدفاع الجماعي.
كما يدعو إلى عدم إعادة بناء بعض القواعد العسكرية الأمريكية التي تعرضت للدمار في الخليج، والتركيز بدلًا من ذلك على تبادل المعلومات الاستخباراتية، ودعم أنظمة الدفاع الصاروخي لدى الشركاء الخليجيين، وضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
ويطرح الكاتب إدخال إيران في منظومة الأمن الإقليمي باعتبارها طرفًا لديه مصلحة في استقرار المنطقة، مشيرًا إلى المصالحة السعودية الإيرانية عام 2023، وإلى تصور إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما خلال مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني عام 2015.
كما يشير إلى حديث نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس عن الاستعداد لإحداث تحول جذري في علاقة الولايات المتحدة بإيران بعد التوصل إلى اتفاق جديد.
ويعتبر أن الإدارة الأمريكية المقبلة ستكون مطالبة بتحويل هذا الطموح إلى سياسة واضحة وسريعة.
إعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل
ويرى لينش أن إعادة ضبط السياسة الأمريكية ينبغي أن تشمل أيضًا علاقة واشنطن بإسرائيل.
ويستند إلى استطلاع لجامعة كوينيبياك صدر في يونيو، أظهر أن نحو ثلثي الديمقراطيين وأكثر من نصف المستقلين يرون أن الولايات المتحدة تقدم دعمًا مفرطًا لإسرائيل.
كما يشير إلى تصويت أكثر من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب، في منتصف يوليو، لمصلحة مشروع قانون يهدف إلى وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.
وبحسب الكاتب، تستطيع الإدارة الأمريكية المقبلة استثمار هذا التحول لممارسة ضغط أكبر على إسرائيل، من دون التخلي عن التحالف معها، مع مطالبتها باحترام حقوق الإنسان في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها، ووقف ضم الضفة الغربية، وإنهاء تدخلاتها في لبنان وسوريا.
وعلى نطاق أوسع، يدعو لينش إلى تجديد الالتزام الأمريكي بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، ومعارضة الحركات الانفصالية في سوريا واليمن، وردع التدخلات العسكرية والحروب بالوكالة التي يخوضها شركاء واشنطن في دول مثل السودان وليبيا.
كما يدعو إلى عدم الضغط على الحكومتين العراقية واللبنانية لنزع سلاح الفصائل العراقية وحزب الله قبل امتلاكهما القدرة والاستعداد للقيام بذلك.
ويرى أن تشجيع الإصلاح وحماية حقوق الإنسان وإنهاء التساهل مع القمع الذي تمارسه بعض الحكومات الحليفة سيكون جزءًا أساسيًا من أي تحول حقيقي في السياسة الأمريكية.
ويخلص أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن مارك لينش إلى أن بناء شرق أوسط مستقر وسلمي لن يحدث سريعًا، وأن السياسات الأمريكية الجديدة لن تحظى بالضرورة بتأييد شعبي فوري في منطقة اعتادت، بحسب وصفه، على ما يراه نفاقًا أمريكيًا وانتهاكات.
لكن الكاتب يرى أن ظهور حكومات أكثر استجابة لشعوبها يمكن أن يقود، على المدى الطويل، إلى منطقة أكثر استقرارًا، حتى لو كانت هذه الحكومات أكثر انتقادًا للولايات المتحدة.
وينتهي التحليل إلى أن النظام الذي قادته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يقترب من نهايته، وأن أمام القادة الأمريكيين فرصة لإعادة صياغة المسار، وإلا فإن «الشرق الأوسط الأمريكي» سيواصل التلاشي على غرار الإمبراطوريات الأوروبية التي سبقته.
عناوين مقترحة للتصريح:
عناوين بأسلوب رويترز/بلومبرغ:
منشور السوشيال ميديا:
مسؤول إيراني: «لغة القوة» ستجبر الولايات المتحدة على مغادرة المنطقة والاعتذار للشعب الإيراني، فيما يواصل ترامب استراتيجية الضغط الاقتصادي على طهران.
هل تتجه المواجهة بين واشنطن وطهران إلى جولة جديدة من التصعيد؟
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا