لماذا نشعر بـ«الجوع» سريعاً رغم تناول وجبة كبيرة؟ - عين ليبيا
تناول وجبة كبيرة لا يعني بالضرورة أن الإحساس بالشبع سيستمر لفترة طويلة، إذ تشير مجموعة من الدراسات إلى أن مكونات الوجبة وتركيبتها الغذائية تؤثر في الشهية بعد الأكل، إلى جانب عوامل أخرى تختلف من شخص إلى آخر.
ويبرز البروتين بين العناصر الغذائية التي حظيت بأدلة بحثية واسعة في هذا المجال، إذ خلص تحليل تلوي للتجارب العشوائية إلى أن تناول البروتين على المدى القصير يرتبط بانخفاض الشهية، مع تراجع هرمون الغريلين وارتفاع بعض الهرمونات المرتبطة بإشارات الشبع، ومنها كوليسيستوكينين وGLP-1.
وأشارت الدراسة نفسها إلى أن تأثير البروتين كان أوضح في التدخلات القصيرة، بينما بقيت نتائج الدراسات التي بحثت في تأثير زيادة البروتين لفترات أطول غير حاسمة، وهو ما يعني أن تأثير وجبة غنية بالبروتين على الشعور بالجوع لا يمكن تحويله تلقائيًا إلى نتيجة ثابتة على المدى الطويل.
وتدعم مراجعة منهجية أخرى هذه الصورة، إذ بحثت في 10 دراسات شملت 1079 شخصًا يعانون زيادة الوزن أو السمنة، ووجدت أن ست دراسات سجلت ارتفاعًا في الشعور بالامتلاء أو الشبع مع تناول كميات أكبر من البروتين.
لكن الباحثين وصفوا مستوى الأدلة بأنه منخفض بسبب اختلاف تصميم الدراسات وارتفاع مخاطر التحيز في بعضها، ودعوا إلى إجراء مزيد من الأبحاث قبل الوصول إلى استنتاجات أكثر حسمًا.
ولا يقتصر الأمر على البروتين، فالألياف تدخل أيضًا في معادلة الشبع، لكن الأدلة المتعلقة بها أكثر تفاوتًا.
فمراجعة منهجية شملت 44 بحثًا و107 تدخلات غذائية وجدت أن 39% من التدخلات أدت إلى انخفاض ملحوظ في تقييمات الشهية مقارنة بالمجموعات الضابطة، بينما أدت 22% فقط إلى انخفاض واضح في كمية الطعام أو الطاقة المتناولة.
وسجلت المراجعة أدلة متكررة على بعض مصادر الألياف، بينها بيتا-غلوكان وألياف نواة الترمس ونخالة الجاودار والجاودار كامل الحبة والأنظمة الغذائية الغنية بالألياف، لكنها خلصت في المقابل إلى أن معظم تدخلات الألياف القصيرة لم تؤدِ إلى زيادة واضحة في الشبع أو انخفاض كمية الطعام.
وتظهر الصورة بصورة أكثر وضوحًا في مراجعات أحدث، إذ حللت مراجعة شاملة نُشرت في 2023 نتائج 136 دراسة تدخلية لدى البالغين، بينها 107 دراسات قصيرة المدى و29 دراسة طويلة المدى، ووجدت أن معظم أنواع الألياف المستخلصة أو المعزولة لم تُحدث تغيرات كبيرة ومتسقة في الشهية أو استهلاك الطاقة.
في المقابل، ظهرت نتائج أكثر تكرارًا مع بعض الألياف اللزجة، مثل الألجينات وصمغ الغوار، إضافة إلى ألياف الشوفان، بينما ظهرت فائدة بعض أنواع الألياف الأخرى بصورة أقل اتساقًا.
وشدد الباحثون على أن اختلاف أنواع الألياف وطرق استخدامها وتصميم الدراسات يجعل استخلاص نتيجة واحدة لجميع أنواع الألياف أمرًا صعبًا.
وتقدم مراجعة منهجية أحدث، نُشرت في 2026، صورة إضافية عن ألياف الحبوب، بعد تحليل 48 دراسة عشوائية متقاطعة لدى أشخاص أصحاء.
ووجد الباحثون ارتباطًا بين زيادة تناول ألياف الحبوب وتحسن مؤشرات الشبع وبعض مقاييس الشهية، مع ظهور نتائج أكثر وضوحًا في الدراسات التي استخدمت مصادر من الجاودار والشوفان.
لكن التأثير في كمية الطاقة التي تناولها المشاركون لاحقًا كان محدودًا، ما يعني أن الشعور بشبع أكبر لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض مماثل في كمية الطعام في الوجبة التالية.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الشعور بالشبع وبين كمية الطعام التي يتناولها الشخص لاحقًا.
فقد يشعر الإنسان بامتلاء أكبر بعد وجبة معينة، من دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على مقدار الطعام الذي يتناوله في وقت لاحق، كما أن التأثير يختلف بحسب نوع الألياف وتركيبتها وخصائصها الفيزيائية والكيميائية.
وتشير مراجعات علمية إلى أن بعض الألياف يمكن أن تؤثر في إشارات الجهاز الهضمي المرتبطة بالشهية، من خلال إبطاء إفراغ المعدة أو التأثير في الهرمونات المعوية أو إنتاج نواتج التخمر في الأمعاء، لكن الدراسات لا تقدم نتيجة موحدة لجميع أنواع الألياف.
ولا يعني ذلك أن الشعور بالجوع بعد ساعتين من تناول وجبة كبيرة يشير بحد ذاته إلى مشكلة صحية، أو أن إضافة عنصر غذائي واحد ستمنع الجوع.
فالإحساس بالجوع يتأثر بمجموعة من العوامل، بينها تركيب الوجبة، وكمية الطاقة التي توفرها، ونوع الكربوهيدرات والدهون والبروتين والألياف فيها، إضافة إلى العادات الغذائية والنشاط البدني والفروق الفردية.
وتشير الأدلة المتاحة بصورة أكثر اتساقًا إلى أن البروتين يمكن أن يعزز الشبع ويخفض بعض مؤشرات الجوع على المدى القصير، بينما يرتبط تأثير الألياف بالشبع بنوعها وخصائصها، ولا يظهر بالدرجة نفسها مع جميع المصادر.
لذلك، فإن النظر إلى حجم الطبق وحده لا يقدم الصورة الكاملة، فتركيبة الوجبة هي جزء أساسي من الطريقة التي يستجيب بها الجسم للطعام بعد تناوله.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا