لماذا يختارك «البعوض» ويتجاهل الآخرين؟ - عين ليبيا

إذا كنت تلاحظ أن البعوض يلاحقك أكثر من الأشخاص الموجودين حولك، فالأمر ليس مجرد انطباع. أبحاث علمية أظهرت أن البشر لا يتساوون في درجة جاذبيتهم للبعوض، وأن بعض الأشخاص يمكن أن يصبحوا فعليًا «مغناطيسًا» للبعوض بسبب تركيبة الروائح والمواد الكيميائية المنبعثة من الجلد.

وتوصلت دراسة نُشرت في مجلة Cell العلمية عام 2022، وأجراها باحثون من جامعة روكفلر ومعهد هوارد هيوز الطبي، إلى أن الفروق بين الأشخاص في جذب البعوض ترتبط بدرجات مختلفة من أحماض كربوكسيلية موجودة على سطح الجلد. ووجد الباحثون أن الأشخاص الأكثر جذبًا للبعوض يمتلكون مستويات أعلى من مجموعة من هذه المركبات مقارنةً بالأشخاص الأقل جذبًا.

واعتمدت الدراسة على اختبار روائح الجلد لدى 64 متطوعًا، إذ ارتدى المشاركون أكمامًا من النايلون على أذرعهم لمدة ست ساعات، ثم استخدم الباحثون العينات لمقارنة مدى انجذاب بعوض «الزاعجة المصرية» إليها. وأظهرت النتائج فروقًا كبيرة في الجاذبية؛ إذ كانت عينة أحد الأشخاص الأكثر جذبًا للبعوض أكثر جاذبية بنحو أربعة أضعاف من ثاني أكثر الأشخاص جذبًا، وأكثر من 100 ضعف مقارنةً بعينات بعض الأشخاص الأقل جذبًا.

واللافت أن هذه الخاصية لم تكن مؤقتة أو مرتبطة بيوم معين، فقد لاحظ الباحثون أن الأشخاص الذين كانوا أكثر جذبًا للبعوض ظلوا كذلك على مدى أشهر، وفي بعض الحالات استمرت الفروق لمدة عام أو أكثر. وهذا يشير إلى أن «رائحة الجلد» الخاصة بكل شخص يمكن أن تكون عاملًا مستقرًا نسبيًا في تحديد مدى انجذاب البعوض إليه.

وركز الباحثون بصورة خاصة على الأحماض الكربوكسيلية، وهي مركبات دهنية توجد بصورة طبيعية على سطح الجلد، ووجدوا أن مستويات ثلاثة منها تحديدًا، وهي حمض البنتاديكانويك وحمض الهيبتاديكانويك وحمض النوناديكانويك، كانت أعلى لدى مجموعة الأشخاص الأكثر جذبًا للبعوض. لكن الدراسة لم تثبت أن هذه المركبات وحدها هي السبب المباشر في جذب البعوض، بل أثبتت وجود ارتباط قوي بينها وبين درجة الجاذبية.

وتوضح الدراسة أن رائحة جسم الإنسان ليست مادة واحدة يلتقطها البعوض، بل مزيج معقد من المركبات الكيميائية. وتلعب الإفرازات الجلدية والدهون الموجودة على سطح البشرة دورًا في تكوين هذه الرائحة، كما يمكن للبكتيريا التي تعيش بصورة طبيعية على الجلد أن تؤثر في المركبات التي تنتجها البشرة أو تحولها إلى مواد أخرى ذات روائح مختلفة.

وهنا تظهر أهمية ما يعرف بميكروبيوم الجلد، أي مجموعة الكائنات الدقيقة التي تعيش بصورة طبيعية على سطح البشرة. وتشير أبحاث أخرى إلى أن المركبات الناتجة عن تفاعل ميكروبات الجلد مع الإفرازات البشرية يمكن أن تؤثر في سلوك البعوض، سواء من خلال تعزيز انجذابه أو تقليل احتمالية هبوطه على الجلد. وأظهرت دراسة منشورة في مجلة Scientific Reports أن بعض المركبات المتطايرة المرتبطة بميكروبيوم الجلد يمكن أن تقلل من سلوك هبوط البعوض، ما يؤكد أن المسألة تعتمد على تركيبة كيميائية معقدة وليست على عامل واحد.

ولا يعتمد البعوض على الرائحة وحدها في العثور على الإنسان. فالحشرة تجمع بين عدة إشارات حسية أثناء بحثها عن مصدر الدم، من بينها ثاني أكسيد الكربون الموجود في هواء الزفير، وروائح الجسم، وحرارة الجسم. وتوضح مراجعات علمية متخصصة في حاسة الشم لدى البعوض أن هذه الإشارات تعمل بصورة متداخلة لمساعدة الحشرة على تحديد موقع الإنسان والاقتراب منه.

ويبدأ ثاني أكسيد الكربون الذي يخرج مع التنفس في لعب دور مهم عندما تكون الحشرة في محيط الإنسان، ثم تتكامل معه إشارات أخرى مرتبطة برائحة الجلد وحرارته. ولهذا يستطيع البعوض الانتقال من مجرد اكتشاف وجود كائن حي قريب إلى تحديد هدف أكثر ملاءمة للهبوط والتغذي.

وتشير أبحاث في علم كيمياء الحشرات إلى أن البعوض قادر على التقاط مجموعة واسعة من المركبات الموجودة في العرق والجلد والنَفَس، ومن بينها الأحماض الكربوكسيلية والأمونيا وغيرها من المركبات التي تدخل في تكوين الرائحة البشرية. وقد استُخدمت هذه المعرفة في تطوير خلطات اصطناعية تحاكي بعض الإشارات الكيميائية التي يعتمد عليها البعوض في العثور على الإنسان.

لكن لماذا تكون رائحة شخص ما أكثر جذبًا للبعوض من رائحة شخص آخر؟ لا تزال الإجابة العلمية الكاملة غير محسومة. فتركيبة الجلد تختلف من إنسان إلى آخر، كما تختلف كمية الدهون والإفرازات والمواد الكيميائية الموجودة على سطح البشرة، إضافة إلى اختلاف الميكروبيوم الجلدي. وقد تؤثر عوامل أخرى في الرائحة التي تصل إلى أجهزة الاستشعار لدى البعوض، ما يجعل «جاذبية» كل شخص نتيجة تفاعل عدة عناصر في وقت واحد.

وتشير دراسة Cell إلى نقطة مهمة في هذا السياق، إذ لم يكن جميع الأشخاص الذين امتلكوا مستويات مرتفعة من الأحماض الكربوكسيلية أكثر جذبًا للبعوض بالضرورة. وهذا يعني أن وجود هذه المركبات بكميات كبيرة لا يفسر وحده سبب تفضيل البعوض لشخص على آخر، وأن هناك مكونات أخرى في رائحة الجلد تدخل في تحديد النتيجة النهائية.

كما كشفت تجارب الباحثين أن البعوض يعتمد على مستقبلات حسية متخصصة لاكتشاف الروائح البشرية. وعندما عطّل الباحثون بعض المستقبلات المرتبطة باستشعار المركبات الحمضية، انخفض انجذاب البعوض عمومًا إلى رائحة الإنسان، مع احتفاظه بقدرة معينة على التمييز بين الأشخاص الأكثر والأقل جذبًا. وهذا يعزز فكرة أن منظومة الاستشعار لدى البعوض تعمل عبر عدة مسارات متداخلة بدل الاعتماد على مستقبل واحد أو مادة واحدة.

وبالتالي، فإن الاعتقاد الشائع بأن البعوض «يحب دم شخص معين» لا يقدم التفسير العلمي الأدق. فقبل أن يصل البعوض إلى الدم أصلًا، تكون الحشرة قد اتبعت سلسلة من الإشارات الكيميائية والحرارية والحسية التي تساعدها على اختيار المضيف. وما يجعل شخصًا أكثر تعرضًا للدغات من غيره يمكن أن يبدأ من الرائحة التي تنتجها بشرته والمواد التي تحملها هذه الرائحة في الهواء.

وتكتسب هذه النتائج أهمية تتجاوز مجرد تفسير سبب كثرة لدغات البعوض لدى بعض الأشخاص، لأن بعض أنواع البعوض تنقل أمراضًا فيروسية خطيرة، من بينها حمى الضنك والحمى الصفراء وزيكا والشيكونغونيا. لذلك يرى الباحثون أن فهم الطريقة التي يميز بها البعوض بين روائح البشر يمكن أن يساعد مستقبلًا في تطوير وسائل أكثر دقة لجذب الحشرات إلى المصائد أو إبعادها عن الإنسان.

وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن المعركة بين الإنسان والبعوض قد تكون في جانب منها معركة كيميائية غير مرئية؛ فالحشرة لا ترى الإنسان بالطريقة التي نراه بها، بل تتعقب مزيجًا من ثاني أكسيد الكربون وحرارة الجسم والروائح والمركبات المتطايرة التي تتركها البشرة في البيئة المحيطة.

ولهذا، عندما تجد نفسك الشخص الوحيد الذي يطارده البعوض في جلسة صيفية، قد لا يكون الأمر مصادفة، وقد لا يكون السبب ببساطة «حلاوة الدم» كما يُقال شعبيًا، بل قد تكون بشرتك تنتج مزيجًا كيميائيًا يجعلها أكثر وضوحًا وجاذبية لأنظمة الاستشعار لدى البعوض.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا