ليبيا أمام مفترق حادّ.. خبير اقتصادي يدّق «ناقوس الخطر» - عين ليبيا

نشر الخبير الاقتصادي محسن الدريجة عبر صفحته على فيسبوك قراءة تحليلية موسعة حول تطورات سعر الصرف وعرض النقود في ليبيا، مسلطًا الضوء على التحولات التي شهدها النظام المالي خلال الفترة الأخيرة.

وأوضح الدريجة أن من أبرز الخطوات التي اتخذها مصرف ليبيا المركزي خلال العام الماضي التوسع في استخدام بطاقات الدفع، وهو إجراء ظل محل مطالبة لسنوات، مشيرًا إلى أن هذا التوسع تزامن مع تفاقم أزمة السيولة بعد سحب فئات العشرين والخمسين والخمسة دنانير من التداول.

وبيّن أن انتشار الدفع الإلكتروني أسهم في تعزيز قبول الجمهور لعمليات البيع والشراء دون استخدام النقد الورقي، واعتبر ذلك تطورًا مهمًا في منظومة التعاملات المالية في ليبيا تأخر تطبيقه على نطاق واسع.

وأشار إلى أن هذا التحول أتاح للمصارف الوصول إلى جزء كبير من أموال الجمهور التي كانت خارج التداول الفعلي، الأمر الذي تطلب سابقًا دفع فروقات كبيرة بين النقد والصكوك والحوالات. ونتج عن ذلك ارتفاع في حجم النقود داخل المصارف وخارجها، وهو ما يعرف بعرض النقود.

وأضاف أن هذا الارتفاع ساهم في زيادة الطلب على النقد الأجنبي، ما انعكس على ارتفاع سعر الصرف، إلى جانب استمرار قطاعات عديدة في التعامل بالنقد الورقي مثل محطات الوقود وبعض أنشطة العمالة الوافدة.

ولفت إلى أن حالة الارتياح التي سادت بعد ارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب على إيران، ثم تأكيد وصول الدولار نقدًا وزيادة مبيعاته للأغراض الشخصية، ساهمت في تراجع سعر الدولار في السوق الموازي إلى مستويات ما قبل خمسة أشهر، تحديدًا في نوفمبر 2025.

وأوضح أن تقارب سعر الصرف الرسمي مع السوق الموازي يسهم في تقليص أزمة السيولة، لأن انخفاض سعر الدولار يعزز توفره ويعيد جزءًا من النقد الورقي إلى المصارف، ما يرفع من مستوى الطمأنينة لدى الجمهور بشأن الوضع المعيشي.

وتناول الدريجة ثلاثة عوامل رئيسية مؤثرة في مسار سعر الصرف خلال المرحلة المقبلة:

العامل الأول يتمثل في أسعار النفط، حيث أوضح أن ليبيا التي تنتج نحو 1.4 مليون برميل يوميًا تحتاج إلى سعر يتجاوز 80 دولارًا للبرميل لتغطية المرتبات والدعم وبعض النفقات التشغيلية الأساسية.

أما العامل الثاني فهو ضبط مستوى الإنفاق العام، موضحًا أن تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي يقلل من عمليات إعادة تصدير السلع، والتي تتم غالبًا عبر استبدال الواردات المعتمدة بالعملة الأجنبية ثم الاستفادة من فروقات الصرف لتحقيق أرباح قد تصل إلى 50 بالمئة في فترات سابقة، وهو ما يشجع على استيراد كميات تفوق حاجة السوق المحلي.

وفيما يتعلق بالعامل الثالث، أشار إلى أن عرض النقود تجاوز 200 مليار دينار، منها 59 مليار دينار عملة ورقية، والباقي ودائع مصرفية جارية، مؤكدًا أن هذه الكتلة النقدية الكبيرة ترفع الطلب على العملة الأجنبية بما يفوق قدرة المصرف المركزي على تلبية الطلب بالسعر الرسمي في حال استمرار زيادة الإنفاق أو تصاعد الشعور بعدم الاستقرار الاقتصادي أو السياسي.

وشدد على ضرورة وقف نمو عرض النقود بل العمل على تقليصه، وهو ما يتطلب ضبط الإنفاق العام بشكل صارم.

وفي منشور آخر، تناول الدريجة سؤالًا اقتصاديًا حول ما إذا كانت إضافة نقود مطبوعة جديدة تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، موضحًا أن النقود تدور بين الأفراد والمؤسسات وتزداد فقط عند زيادة الإنتاج، سواء كان نفطًا أو زراعة أو غيره.

وبيّن أن زيادة النقود دون زيادة مقابلة في الإنتاج تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، لأن كمية أكبر من النقود تتجه نحو كمية ثابتة من السلع، وفي الحالة الليبية فإن ذلك يعني توجه كمية أكبر من الدينار نحو كمية ثابتة من الدولار نظرًا لاعتماد الاقتصاد على الاستيراد.

وأشار إلى أن الرواتب الشهرية التي تبلغ نحو 6 مليارات دينار تدخل إلى الاقتصاد ثم تعود في شكل طلب على السلع المستوردة، ما يؤدي إلى استبدالها بالدولار وعودتها إلى مصرف ليبيا المركزي، ليبقى عرض النقود في مستوياته القريبة من السابق.

وفي حال طباعة 6 مليارات دينار إضافية لتغطية السيولة، فإن عرض النقود يرتفع إلى 65 مليار دينار نقدًا، مع بقاء الودائع عند مستوياتها، موضحًا أن هذا الارتفاع يعزز الطلب دون زيادة في الإنتاج، ما يؤدي إلى ضغوط تضخمية.

وأكد أن زيادة عرض النقود ترتبط بارتفاع الطلب دون توسع في الإنتاج، وهو ما يخلق اختلالًا اقتصاديًا يظهر في صورة تضخم وضغوط على سعر الصرف.

هذا ويشهد الاقتصاد الليبي منذ سنوات تحديات مرتبطة بتذبذب سعر الصرف وتعدد أدوات الدفع، في ظل اعتماد كبير على النقد الأجنبي لتمويل الواردات. ويعد عرض النقود والسياسة النقدية من أبرز الملفات التي يواجهها مصرف ليبيا المركزي في محاولاته لتحقيق الاستقرار المالي.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا