ليست المعركة مع أو ضد.. المعركة: إلى أين يأخذنا هذا الاتفاق - عين ليبيا

من إعداد: نبيل السوكني

عندما يكون الحديث عن مصير بلاد كاملة، فإن الكارثة الحقيقية أن تضيع بوصلتنا في خضم صراع هذا مع وهذا ضد وكأننا أمام مباراة أو تشجيع لفريق.

بوصلتنا اليوم إن لم تكن تائهة، فهي انحرفت تماماً عن مسار بناء الدول.

لنكن صريحين مع أنفسنا ونسأل:

هل من المنطقي أن نتغاضى عن كون أغلب من يمسكون بزمام الأمور اليوم هم جزء أصيل من مأساتنا؟ هم أنفسهم من خربوا مؤسسات الدولة ومن أطالوا عمر الانقسام؟

ومع ذلك نعود لنفس النقاش الذي استهلكنا فيه عشر سنوات. ونحن لا نتكلم عن افتراضات، بل عن واقع عشناه بحذافيره.

منذ انقسام ما بعد انتخابات مجلس النواب، ونحن ننتقل من مبادرة إلى أخرى، ومن كلاكيت 1 إلى كلاكيت 2

تتغير الوجوه والعناوين، والنتيجة واحدة: أزمة متجددة، مرحلة انتقالية بلا نهاية، مؤسسات منهارة، ثروات تنهب، وشعب يُجبر في كل مرة على انتظار الفرج القادم .

وكل من تابع مسارات البعثة من الصخيرات إلى جنيف إلى اليوم، ووصولاً لـ “4+4″، يعرف القصة جيداً.

في كل مرة يتكرر المشهد: مؤيد، معارض، متفرج. وتتكرر نفس الحجج. بينما الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن أغلب هذه المسارات طبخت في غرف البعثة الأممية، بدعم دولي، وبأيدي أطراف هي أساس الأزمة، وليست ممثلة لإرادة الليبيين.

ما الجديد؟

الصخيرات كان مشروع، وجنيف كان مشروع، وبينهما وبعدهما تعددت الأسماء واللقاءات. واليوم وصلنا لـ 4+4.

هل تبدلت القواعد؟

نفس الأطراف تقريباً، نفس الأدوات، نفس الرعاية الدولية. والنتيجة متوقعة ولا تحتاج لتحليل.

كلما ضاقت الحلقة في الداخل، يأتي المجتمع الدولي ويجمع نفس الأطراف على طاولة جديدة، يختلف اسمها حسب الظروف الإقليمية ومصالح الدول، ويبقى المواطن الليبي آخر من يُسأل.

وهنا أوجه سؤالاً لكل من يتبنى “4+4”:

عن ماذا تدافع بالضبط؟

هل كنت في لجنة الصياغة؟

هل استشارك أحد؟

هل كان لك رأي في من يحضر ومن يغيب ومن يقرر؟

هل تبدلت قواعد اللعبة التي جربناها منذ 2015؟

إذا كان صوتك وصوت المواطن مغيب عن صناعة القرار، فلماذا تدافع عن اتفاق لم تشارك فيه؟

وإذا كنت عايشت نتائج السنوات الماضية، فما الذي يقدمه هذا السيناريو غير إعادة تدوير الوجوه، وإطالة عمر المرحلة الانتقالية، ونهب جديد للثروات على يد من وصفتهم تقارير أممية بـ “تجار الأزمة”؟

ولماذا يُتهم من يرفض هذا الاتفاق بأنه ضد الحل؟

هل أصبح رفض تكرار الفشل جريمة؟

وهل الحل أن نسلم مصير بلادنا مرة أخرى لنفس الأطراف التي فشلت وتسببت في الانقسام وتربحت منه؟

ضع مصلحتك الشخصية على جنب، وفكر في ليبيا فقط.

راجع سجل من يتصدرون المشهد، وراجع ملفات الفساد والانتهاكات والعبث بمؤسسات الدولة. ثم اسأل نفسك بعقل:

هل هؤلاء فعلاً من سيبني الدولة التي دمروها، وأفلسوا مؤسساتها، وبددوا خيراتها؟

نحن لا نحتاج أسماء جديدة في واجهة السلطة.

ولا نحتاج مرحلة انتقالية رقم 10.

ولا نحتاج اتفاق آخر يعيد توزيع الكراسي بين أطراف الأزمة.

نحن نحتاج مسار يرجع القرار للشعب الليبي.

نحتاج دستور يقول فيه الليبيون كلمتهم.

نحتاج انتخابات حرة على أرضية دستورية واضحة.

نحتاج مؤسسات شرعية تستمد قوتها من الصندوق، لا من تفاهمات خلف الأبواب المغلقة ولا من موافقة عواصم الخارج.

المجتمع الدولي قادر لو أراد أن يدفع الجميع لهذا المسار، لكنه لم يفعل بجدية حتى الآن، لأن مصالح الدول ما زالت هي من تحرك الملف الليبي.

وهذه حقيقة يجب أن نقولها بلا خوف:

إرادة الليبيين ليست في أولوية هذه الترتيبات. ولو كانت كذلك، لكان الشعب هو صاحب القرار الأول والأخير في مستقبل بلاده.

لذلك القضية اليوم ليست “نؤيد 4+4 أو نعارضه”.

القضية أن نفهم: ما هو هذا الاتفاق؟ ما أبعاده؟ من المستفيد؟ من سيحكم بعده؟

وهل نحن أمام طريق حقي لبناء دولة، أم أمام نسخة جديدة من نفس المشهد بغلاف مختلف لأن مصالح الخارج تغيرت؟

لا تنظر للوطن من زاوية “الموقف اللي متعود تدافع عنه”. ولا تخلي مواقفك السابقة سجن يمنعك تراجعها.

التراجع عن خطأ شجاعة، مش عيب.

التاريخ والضمير الوطني يسجلوا كل موقف في القضايا الكبرى.

فلا تؤيد اتفاق لأنك متعود تأييد مسار معين، ولا ترفضه من أجل الرفض فقط.

أيد ليبيا.

انظر للبلاد بعيون المواطن اللي تعب من الانقسام، ونهبت ثرواته، وضاعت سنين عمره بين المبادرات.

واسأل نفسك قبل أي موقف:

هل هذا الاتفاق يفتح باب بناء الدولة؟ أم يفتح باب جديد لإطالة الأزمة؟

الفرق بين الخيارين ليس تفصيل سياسي.

الفرق هو مستقبل وطن.



جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا