مؤشر الفساد في «القاع» ومليارات من الإيرادات بلا أثر حقيقي.. أين تذهب أموال الليبيين؟ - عين ليبيا
تتخفى خطط توحيد الميزانية بين الشرق والغرب خلف شعارات الإصلاح لتصبح غطاءً لتقاسم النفوذ المالي، بينما تستمر المليارات المهدورة بلا رقابة حقيقية على الإنفاق العام في ظل استمرار تهريب الوقود علانية وتحمل المواطن فواتير الطوابير وأزمة الغاز المنزلي، وتتقاعس الأجهزة الرقابية عن فتح ملفات العقود المليارية المشبوهة مكتفية ببيانات استعراضية، بالتوازي مع شلل الاستثمار وتعطيل مشاريع الإعمار خارج منطق الترضيات الجهوية بفعل غياب الاستقرار واقتسام السيطرة، واستمرار شبكات التزوير والوظائف الوهمية في استنزاف المليارات عبر باب الرواتب وسط تهميش بنيوي ومشاريع خدمية مجرد حبر على ورق، فضلاً عن تجريف مقدرات الأجيال بسبب المضاربات في أراضي الدولة، وتعثر منظومة التأمين الصحي رغم رصد الميزانيات الضخمة وتحويل صحة المواطن إلى سلعة.
وفي هذا السياق، أكد المستشار والخبير الاستراتيجي في التنمية الاقتصادية الدكتور خالد الكاديكي، في تصريح لـ«عين ليبيا»، أن قضية إدارة المال العام في ليبيا تعود إلى الواجهة مع استمرار الانقسام المؤسسي والاعتماد شبه الكامل على النفط، مبيناً أن بيانات مصرف ليبيا المركزي تكشف تحقيق إيرادات خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 بلغت نحو 98.98 مليار دينار مقابل إنفاق قدره 68.61 مليار دينار بفارق حسابي يقارب 30.37 مليار دينار، في حين أن هيكل الإنفاق يظهر ذهاب الجزء الأكبر إلى المصروفات الجارية بينما لم يتجاوز الإنفاق التنموي 912.8 مليون دينار.
وأوضح الكاديكي أن بيانات المركزي توضح استحواذ الباب الأول للرتبات على 46.9 مليار دينار والدعم على 11.8 مليار دينار والنفقات التسييرية على 9 مليارات دينار، مشيراً إلى أن رقم المرتبات المعلن لا يشمل شهر أغسطس وأن بند الدعم يتضمن علاوة الزوجة والأبناء والأدوية والإمداد الطبي مما يستدعي الحذر عند اعتبار الفارق فائضاً مالياً صافياً.
وبيّن أن مراقبين يرون أن توحيد الميزانية يجب ألا يقتصر على دمج أرقام الإنفاق، بل يرتبط بآلية موحدة للرقابة والمحاسبة وترتيب الأولويات، لافتاً إلى تحذيرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من أن الانقسام المؤسسي وغياب الميزانية الموحدة واعتماد الإنفاق على مخصصات شهرية أضعف الانضباط المالي وأعاق التخطيط والاستثمار.
وفي ملف الوقود، أشار إلى بيانات بعثة الأمم المتحدة التي تفيد بأن دعم الوقود شكّل نحو 25% من إجمالي الإنفاق العام في 2024 بما يزيد على 16.6 مليار دولار، وارتفاع تكلفة الوقود المستورد من 3.8 مليار دولار في 2019 إلى 9.2 مليار دولار في 2024، مع ربط تقارير دولية جزءاً من الخسائر بشبكات تهريب منظمة، مما يطرح تساؤلاً حول كفاءة منظومة التوزيع والرقابة ومنع التسرب.
وفي جانب الهوية والرواتب، أشار إلى أن عدد موظفي القطاع العام المسجلين في مشروع «راتبك لحظي» بلغ نحو 1.75 مليون موظف من أصل 2.2 مليون بنسبة مشاركة تقارب 79% حتى أغسطس 2026، بينما كشفت تحقيقات النيابة العامة خلال 2025 عن فحص بيانات آلاف الأسر والإعلان عن آلاف وقائع التزوير وبلغ عدد القيود العائلية محل الاشتباه 34 ألف قيد، مؤكداً أن إصلاح الرقم الوطني يحمي الرواتب والدعم والخدمات من الازدواجية والتلاعب.
وأكد الكاديكي أن ليبيا تواجه في الاستثمار والإعمار عقبة ضعف البيئة المؤسسية والأمنية، إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى اعتماد الاقتصاد على المحروقات التي شكلت في 2024 نحو 65% من الناتج المحلي و93% من الصادرات و72% من الإيرادات بينما لا يمثل القطاع الخاص سوى 14% من قوة العمل، لافتاً إلى أن الإنفاق التنموي لم يتجاوز 1.3% من إجمالي الإنفاق المعلن خلال أول ثمانية أشهر من 2026.
وأضاف أن قطاعات الصحة والكهرباء والمياه والتعليم تواجه فجوات كبيرة، مستشهدًا بتقييمات سابقة للبنك الدولي حول إغلاق نسبة من المستشفيات ومرافق الرعاية الأولية بسبب الصيانة أو النزاع، فضلاً عن أزمة الأراضي والمخططات السكنية التي تتحول إلى مضاربات بفعل ضعف الشفافية، وصولاً إلى تصنيف منظمة الشفافية الدولية لليبيا في مؤشر مدركات الفساد 2025 عند 13 نقطة من 100 والمرتبة 177 من أصل 182 دولة.
واختتم الكاديكي بالتأكيد على الخلاصة الاقتصادية بأن المشكلة الليبية تكمن في كفاءة تحويل الإيرادات إلى استثمار وخدمات وفرص عمل لا في حجم الإيرادات وحدها، مشدداً على أن المعالجة المستدامة تتطلب توحيد قواعد الإنفاق والرقابة، وإصلاح دعم الوقود، وإغلاق منافذ التلاعب بالرقم الوطني والرواتب، وتحسين بيئة الاستثمار وتوجيه الموارد نحو التنمية والبنية التحتية.
جميع الحقوق محفوظة © 2026 عين ليبيا